في الوقت الذي هدد فيه «مجلس السلم والأمن» الأفريقي، المجلس العسكري في السودان بتسليم السلطة لحكومة انتقالية مدنية خلال 15 يومًا، كان الفريق أول عبد الفتاح البرهان قد اتجه لقصر الرئاسة لمباشرة عمله، مُعلنًا رفض شروط «الاتحاد الأفريقي» في رسالةٍ حملت دلائل واضحة للجميع بأنّ الجيش لن يُسلم السُلطة قبل عامين، تزامنًا مع زيارة مدير المخابرات الجديد لإثيوبيا ـ بها مقر الاتحاد الأفريقي ـ التي أعلنت انحيازها للمؤسسة العسكرية.

وبينما لوّحت أوغندا باستعداداها لمنح البشير حق اللجوء بدلًا عن محاكمته، كانت مصر والسعودية والإمارات قد منحت القادة العسكريين شرعية للبقاء بالاعتراف بهم، وهو ما بدا للثوار المعتصمين أمام القيادة العامة للجيش السوداني، بأنّ الوصاية الدولية في طريق إفساد ثورتهم بمساعدة الحرس القديم الذي بدأ الثورة المضادة.

كيف يتلاعب العسكر بالثوار؟

في البداية حين اندلعت الثورة السودانية في 19 ديسمبر ( كانون الأول) العام الماضي، شنّ الجيش هجومًا على قادة الاحتجاجات الذين وصفهم برعاة الفوضى، لكنه في الوقت نفسه تدخل لحماية المنشآت الاستراتيجية والمعارضين، وأطلق الأوامر العليا للضباط في الشوارع بعدم التعرض للمتظاهرين، وطيلة 109 يومًا من الهتافات الصاخبة لم تتحرك المؤسسة العسكرية لتأييد الثورة السلمية، لكنّ أحداث خمس ليال ضبابية قضاها الثوار في اعتصام القيادة العامة للجيش كانت فاصلة.

حافظ الجيش على شعرة معاوية بين القصر والميدان، حتى بعدما سقط أول قتيل من حرس وزارة الدفاع برصاص الشرطة التي أرادت فض الاعتصام بالقوة، لكنّ التحوّل بدأ مع بيان الجيش الذي أعلن فيه عزل البشير، وتشكيل مجلس عسكري لإدارة الفترة الانتقالية لمدة عامين، وتعطيل الدستور الحالي.

اللافت أنّ انتقال السُلطة كان شكليًا؛ لأنّ المجلس الانتقالي لم يشمل أية شخصية مدنية ساهمت في الاحتجاجات؛ فرئيس اللجنة السياسية بالمجلس العسكري، عمر زين العابدين، نسب انقلاب الجيش منذ البداية لمثلث الحرس القديم المتمثل في وزير الدفاع ابن عوف، ورئيس الأركان كمال معروف، ومدير المخابرات صلاح قوش، والأول هو نائب الرئيس، والثاني قريبه، أما الثالث فيوصف بأنه أقوى شخص في نظامه. يقول مصدر مُطّلع لـ«ساسة بوست»: «زين العابدين الذي يُنظر إليه باعتباره الخبير السياسي للعسكر خدع الثوار بتصريحه بأنّ الجيش تواصل مع قوى سياسية لمّ يُسمّها، في محاولة لتأكيد الشائعات التي روّجها الشيوعيون بأنّ الصادق المهدي عرّاب الانقلاب، عكس الاتهامات التي تناقلها الإسلاميون بأنّ ثورتهم سرقها الشيوعيون».

على جانبٍ آخر، فقائد الجيش أدى اليمين الدستورية رئيسًا للمجلس في ظل غياب عدد من قادة الأسلحة الرئيسة، أبرزهم: قائد القوات البحرية، وقائد قوات الدعم السريع اللذان رفضا الانضمام للمجلس العسكري؛ ما أشار إلى بوادر انقسام داخلي دفعت الثوار للدعوة لإكمال الاعتصام لحين تسليم السُلطة لحكومة مدنية، خاصة بعدما أعلن ابن عوف تشكيل لجنة أمنية مكونة من جهاز الدعم السريع وجهاز المخابرات والشرطة، وكلها مؤسسات يُسيطر عليها الحزب الحاكم.

وأمام الرفض الواسع الذي قوبل به الحرس القديم من الشارع، اضطر ابن عوف لتقديم استقالته بعد يومين؛ ليصبح الفريق أول عبد الفتاح البرهان قائد المجلس، الذي مثّل صعوده احتواء المؤسسة العسكرية من الداخل أمام شبح الانقسام الداخلي، وهجمات شرعية المطالب الثورية المطالبة بتسليم السُلطة؛ لذا فالخطة تمثلت في استقطاب حميدتي الذي يحظى بشعبية كونه انحاز للمتظاهرين منذ بدايات الثورة، ويُمثل قائدًا فعليًا في ظل عدم وجود قيادة لتجمع المهنيين الذي قاد الاحتجاجات.

وفي الوقت الذي قابل فيه البرهان وفد المعارضة تزامنًا مع إلغاء حالة الطوارئ، توّصل قائد المجلس إلى اتفاق تاريخي مع قائد قوات الدعم السريع، الذي حصل على ترقية استثنائية وصار نائب رئيس المجلس العسكري، ليتحول الفريق أول حميدتي من معسكر الثوار لصفوف الجيش منهيًا أية محاولة للحديث عن انقسام العسكر.

وسبق لحميدتي ـ الذي أعلن رفض تسليم البشير ـ أن نشر عبر صفحته استفتاءً حول بقاء قواته في اليمن، ثم أعلن بعدها بقاء القوات لحين تحقيق التحالف أهدافه؛ والرجل نفسه الذي يُعلن تأييده لمطالب المعارضة، شوهدت قواته تنتشر في الخرطوم وتطوّق العاصمة، في خُطوة وُصفت بأنّ العسكر يتلاعب بالثوار، خاصة أنّ كلًا من البرهان وحميدتي رجلا الإمارات المتهمة بإجهاض ثورات الربيع العربي.

الفريق أول حميدتي.. «تاجر الإبل» الذي أضحى الرقم الأخطر في المعادلة السودانية

ماذا تحقق من مطالب الثورة؟

صعود مثلث السُلطة الجديد أصبح ممثلًا في عبد الفتاح البرهان، وحميدتي، وجلال الدين الشيخ – نائب صلاح قوش – الذي أصبح مدير المخابرات، بالإضافة إلى أنّ المجلس الانتقالي الحالي ما زال يحمل الوجوه القديمة، مثل مدير عام الشرطة (الطيب بابكر) الذي عيّنه البشير العام الماضي، ويواجه تهمًا باعتباره المسئول الأول عن مقتل عشرات المتظاهرين.

وفي الوقت الذي كان الجيش يشنّ فيه حملات اعتقال وإقالة لرموز نظام البشير، وأبرزهم رئيس الجهاز القضائي الذي أقام محاكم الطوارئ قبل أسابيع من عزل البشير، والتي حوكم فيها عدد من المتظاهرين، فإنه من جهة أخرى كان يُعيّن رموزًا آخرين في مناصب عليا، مثل الفريق مرتضى عبد الله الذي أصبح واليًا للعاصمة الخرطوم التي تشهد اعتصام القيادة العامة الذي يُزعج العسكريين.

وبينما حرص عبد الفتاح البرهان على إصدار قرارت لجذب الشارع تمثلت في إعلان إلغاء حظر التجوال، ورفع القيود عن كافة وسائل الإعلام، وملاحقة المسؤولين عن الفساد، ومحاكمة من تورط في الدماء، وإطلاق سراح كل المعتقلين أثناء الاحتجاجات، وإعادة النظر في قانون النظام العام، إلا أنّ الجيش في المقابل طالب من وفد المعارضة فض الاعتصام، وهو ما رد عليه الوفد بـ«تنفيذ المطالب أولًا».

وفي المقابل فإن  أبرز المطالب التي يتجاهلها المجلس العسكري لم تتحق بعد؛ مثل حلّ (جهاز الأمن والمخابرات، قوات الدفاع الشعبي، الشرطة الشعبية، الحزب الحاكم)، وتقديم قادته لمحاكمات عادلة والتحفظ على مقراته، بالإضافة للمطلب الرئيس المتمثل في تسليم الحكم لحكومة مدنية لمدة أربع سنوات، وحّل ميليشيات كتائب الظل – التابعة للحزب الحاكم – المتهمة بإطلاق النيران على المتظاهرين وإحداث الفوضى داخل الصفوف.

اللافت أنه بعد أربعة أيامٍ فقط من سقوط النظام واعتراف الجيش بالحقوق الشرعية للمتظاهرين، فوجئ المعتصمون بقوات من الجيش والدعم السريع يحاولون فض الاعتصام بالقوة أمام مقر القيادة العامة للجيش، بعدما فشل حوار المعارضة مع المجلس العسكري، وبعدما فشلت المحاولة بتوجيه تجمّع المهنيين استغاثة لأنصاره، الذين تضاعفت أعدادهم أمام مقر الجيش بدعوى «حماية الثورة ومكتسباتها» من قبضة العسكريين.

سقوط «حليف الجميع».. قوى عربية ودولية تضررت من الإطاحة بالبشير

الفخ القديم.. لماذا رفض الجيش تسمية رئيس الحكومة؟

بعدما لوّح الجيش بأنه تواصل مع قوى سياسية لمّ يُسمّها لعزل البشير، بدت بوادر الانقسام داخل تجمّع المهنيين الذي قاد الاحتجاجات؛ فأنصار «الحركة الإسلامية» اتهموا «الحزب الشيوعي السوداني» بالتواطؤ مع الجيش، بينما نفى الشيوعيون علاقة حزبهم بأية تحركات عسكرية لتسلم السُلطة، وهي الخُطة التي دفعت الجيش للتمهيد للبقاء في الحُكم، عبر رفضه تسمية شخصية لرئاسة الحكومة داعيًا القوى الثورية للاتفاق، وهي المهمة الصعبة والباب القديم الذي بدأ منه تاريخ الانقلابات في السودان.

ومنذ بداية الاحتجاجات، برز تكتل «قوى إعلان الحرية» الذي جمع تحت ردائه الأحزاب المعارضة على كافة اتجاهاتها، وبينما تمثّل الهدف الوحيد الذي جمعهم هو إسقاط نظام البشير، فربما يعوّل الجيش في المرحلة الحالية على أنّ «قوى إعلان الحرية» (تجمع المهنيين ونداء السودان وتحالف قوى الإجماع) ليسوا على قلب رجلٍ واحد؛ وهو ما جعلها حركةً بلا قائد.

فريق أول البرهان عبد الفتاح

قابل الجيش هتافات تسليم الحكم بدعوة المعارضة لتسمية شخصية مستقلة من بينهم، في محاولة لإلقاء كرة النار بين الصفوف؛ فتحالف قوى الإجماع المنضوي تحت عباءة «قوى إعلان الحرية» يضم ثلاثة أحزابٍ كبار معارضة ممثلة في «حزب الأمة» و«الحزب الشيوعي الاشتراكي» و«حزب المؤتمر»، ولم يسبق في التاريخ السوداني أن اجتمعت تلك الأحزاب تحت مظلة واحدة وفرض رؤية مشتركة، عكس المجلس العسكري الحالي الذي توّصل فيما بينه إلى رؤية مشتركة بعد التفاهمات والإقالات في صفوفه.

فبينما طالبت «قوى الإجماع الوطني» بتسليم السلطة لحكومة مدنية، ومشاركة المدنيين في المجلس الرئاسي الانتقالي مع المجلس العسكري، أعلنت «الجبهة الثورية السودانية» التي تضم عددًا من الحركات المسلحة رفضها «قوى الحرية والتغيير» مع المجلس العسكري.

ومنذ اللحظات الأولى لسقوط النظام، وجّه «الحزب الشيوعي الاشتراكي» الاتهامات للتيار الإسلامي وعلى رأسه «حزب المؤتمر» الذي أسسه حسن الترابي بمحاولة الانقلاب الأخيرة، كما هاجم «حزب الأمة» وعلى رأسه مريم الصادق المهدي، التي اتهمها الحزب في بيان رسمي بمحاولة اختطاف الثورة.

جماعة «الإخوان المسلمين» أيضًا هاجمت «الحزب الشيوعي» ونسبوا إليه محاولة الانقلاب، والأخطر أنها أعلنت أنها لن تسمح لتيار اليسار للوصول للحكم، منعًا لمحاولات تصفيها معلنةً: «مهما حدث لن نتشارك مع الشيوعيين ولن نسمح لهم بالوصول»، لذا ففخ الجيش بالطلب من المعارضة تسمية رئيس حكومة يضع المؤسسة العسكرية في الحكم، طالما أنّ الجميع غير قادر على الانتقال الديمقراطي للسُلطة، وهو التاريخ الذي يُعيد نفسه مرة أخرى.

«وجوه عادية أسقطت ديكتاتورًا».. تعرّف إلى أبرز «أيقونات» ثورة السودان

من الأرشيف السوداني.. هكذا فشلت التجارب الديمقراطية سابقًا

المفارقة التاريخية أنّ تاريخ الثورة الحالية يتزامن مع إعلان استقلال السودان عن مصر في 19 ديسمبر (كانون) الأول عام 1955، وهي اللحظة نفسها التي جمعت زعيم الأغلبية والمعارضة في آخر لحظة انسجام سياسية قبل العاصفة.

شهد السودان بعدها صراعًا بين الأحزاب على كافة توجهاتها للاتفاق على نظام الحكم السياسي والدستور، واستمر الصراع لمدة عامين، فشلت فيه كل الأطراف للوصول إلى صيغة توافقية، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1958 استولى الجيش على السُلطة برئاسة إبراهيم عبود الذي فتح بابًا كبيرًا من الانقلابات العسكرية لا يزال مستمرً إلى اليوم.

في عام 1964 شهد السودان أول ثورة شعبية ناجحة ضد حكم إبراهيم عبود العسكري، وامتدت فترة الحكم المدني خمس سنوات انتهت بالانقلاب على حكومة الصادق المهدي، عبر البيان الذي أذاعه جعفر النميري، وأصبح بموجبه حاكم البلاد، وكان السبب المُعلن للانقلاب هو فشل التجربة الديمقراطية في الحُكم، والتي أرجعها العسكريون لتعدد الأحزاب، والصراع الذي نشب بين الإسلاميين والشيوعيين على الدستور، والذي انتهى بحل «الحزب الشيوعي» وطرد نوابه من البرلمان.

والمفارقة الثانية أنّ الثورة الحالية تتزامن مع الشهر المُفضل للسودانيين، ففي 1985، أطاحت انتفاضة أبريل (نيسان) بالرئيس النميري عقب انحياز المشير حسن عبد الرحمن سوار الذهب الذين كان وقتها وزير الدفاع لها، ثم حكم لمدة عام في الفترة الانتقالية، وسلّم الحُكم طواعية بعد انتخابات حرّة جاءت بحكومة الصادق المهدي، التي أطاح بها البشير عام 1989 قبل أن تسقط بعد 30 عامًا.

لذا فمنذ استقلال السودان عن مصر وإنجلترا، والحُكم يتمّ تداوله عبر انقلابات بدأت بالإطاحة بالحكومات المنتخبة، ثم تحول الصراع إلى بِرك دم عبر تحركات الجيش المتتالية للانقضاض على السُلطة، وبينما يُردد المجلس الحالي بأنهم «أبناء سوار الذهب، وليسوا من حزب البشير»، فإن تحركاتهم لفض الاعتصام، وتمسكهم بإدارة الفترة الانتقالية لمدة عامين يثير القلق حول مصير الثورة وما بعدها.

سوار الذهب.. قصة جنرال قاد انقلابًا في السودان من أجل الديمقراطية!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد