5 نماذج حيّة تشرح لك.. ماذا يحدث حين تتدخل الجيوش في الاقتصاد؟

دائمًا ما تثار إعلاميًا قضية دخول الجيوش في النشاط الاقتصادي بشكل تجاري وبهدف الربح، وخاصة في ظل تنامي نسب مساهمة كثير من المؤسسات العسكرية في الاقتصادات الوطنية لدولها، بالإضافة إلى الدور السياسي والاجتماعي الذي تلعبه هذه المؤسسات، وبعيدًا عن المبالغة التي ربما تغلب على تناول هذا الملف، سواء التناول الإيجابي أم السلبي، سنحاول خلال هذا التقرير مناقشة التأثير الذي يحدث في الاقتصاد من جراء هذا التدخل بشكل تحليلي مبسط.

ويجب الإشارة ابتداءً إلى أن هذا الملف يعاني من ندرة شديدة في الأرقام والإحصائيات؛ لذلك سيكون الحديث بمثابة نقاط عريضة دون الخوض في تفاصيل قد لا نملك أدواتها التي تساعد في الوصول إلى نتائج تحليلية دقيقة، وبالتالي سينقسم حديثنا إلى قسمين، الأول: مناقشة الآثار العامة في الاقتصاد الكلي – إيجابية وسلبية- من تدخل الجيوش في القطاعات الاقتصادية، والثاني: الحديث عن خمسة نماذج مختلفة لدول يساهم الجيش فيها بنسب متفاوتة في النشاط الاقتصادي.

ما صور تدخل الجيش في الاقتصاد؟

تتلخص الصورة النمطية التقليدية الشائعة في معظم البلدان العربية، في أن الاقتصاد يتضرر من تدخل الجيوش، لذلك نجد دائمًا رفضًا مسبقًا لأي تدخل، إلا أن الأمر له جانبان، إيجابي وسلبي، وهناك نماذج يطغى عليها الجانب السلبي، وأخرى يكون الجانب الإيجابي هو المسيطر.

وقبل الحديث عن الجوانب السلبية والإيجابية، يجب أن نوضح أولًا المعنى المقصود بتدخل الجيش في الاقتصاد، وهنا لا نتحدث عن الدور العسكري من تصنيع الأسلحة، أو المهمة الأساسية للمؤسسة العسكرية وهي الوظيفة الدفاعية، بل نتحدث عن الاقتصاد المدني والخدمات من مصانع المواد الغذائية، والشركات بأنواعها.

5 نماذج تشرح لك ما يحدث لاقتصاد الدول بعد التخلص من حكم العسكر

كذلك نحن نتحدث هنا عن الاقتصاد الخاص بالجيش فقط، الذي لا يدخل ضمن موازنة الدولة، وليس ضمن القطاع العام الذي تديره الحكومة، مثل استثمارات الجيوش في إدارة الشركات وأعمال التجارة والمقاولات، وخطوط المواصلات، والاتصالات، وبناء المطارات والجسور والكباري والأنفاق، ومجالات الخدمات العامة بأنواعها من خدمات صحية، وتعليم، وغيرها، وذلك بغرض الربح فقط.

تجدر الإشارة أيضًا، إلى أن الجانب الاقتصادي الذي نتحدث عنه لا يتضمن الإنفاق العسكري، الذي يكون أحد بنود الموازنة العامة، رغم أن زيادة الإنفاق العسكري غالبًا ما تؤثر في الاقتصاد الكلي؛ لأن الدولة تتخلى عن أولويات الإنفاق المهمة لمصلحة هذا النوع من الإنفاق.

وعمومًا، هناك ثلاثة أنواع من الجيوش حول العالم، الأول: هو الذي يقتصر دوره على أداء الوظيفة الدفاعية، إذ لا يتعدى دور المؤسسة العسكرية كونها مجرد أداة تنفيذ السياسة الدفاعية التي تقرها الحكومات، وفي هذه الحالة لا يكون للمؤسسة العسكرية تدخل بالقضايا السياسية والاجتماعية، ولا يكون لها دور اقتصادي.

أما الثاني فهو النموذج الذي ينتشر في الدول الديمقراطية الغربية، إذ إن المؤسسة العسكرية في هذا النموذج تدمج بين الوظيفة الدفاعية، ونسبة كبيرة من السيطرة على قطاع صناعة التسليح؛ لتلبية احتياجات المؤسسة، وتنفيذ مشروعاتها وفقًا لإطار تشريعي وسياسي تشارك في وضعه الحكومة. بينما النموذج الثالث، يحدث فيه اندماج للجيش في الحياة السياسية، والاقتصادية، إذ يتولى فيه العسكريون السلطة السياسية، سواء رأس الدولة، أم السلطة التنفيذية.

كيف يتأثر الاقتصاد الكلي سلبًا من تدخل الجيوش؟

وفي الحالة الثالثة المذكورة، يبالغ الجيش في أداء الأدوار الاقتصادية، خاصة في الدول النامية، وذلك بغرض الربح، وهذا الدور قد يكون له آثار سلبية وإيجابية، على حسب كل دولة وطبيعة تدخلها في الاقتصاد، ففي حال كانت تخضع كل الأنشطة الاقتصادية للجيش للرقابة والمحاسبة البرلمانية، من خلال مناقشة الموازنة العسكرية والأنشطة الاقتصادية، ويدفع الجيش الضرائب نفسها التي يدفعها القطاع الخاص؛ فربما تكون الجوانب الإيجابية أكبر من السلبية.

يرى أحمد ذكر الله، عميد كلية الاقتصاد والتمويل بأكاديمية العلاقات الدولية في تركيا، أن معظم الجيوش في العالم تمتلك مشروعات، ولكن هذه المشروعات تنطلق من أجندة وطنية، إذ يعتقد أنه من ضمن الوظائف الرئيسية للجيش بخلاف الدفاع: تصنيع الأسلحة وتطوير التكنولوجيا المستخدمة في الدولة، بينما يقول إن كل التجارب السابقة بخصوص تدخل الجيش في المشاريع الاقتصادية كانت تبوء بالفشل.

ويذكر ذكر الله، خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أنه حتى نهاية ثمانينات القرن الماضي، كان الجيش الصيني يتدخل في المشروعات الاقتصادية بصورة أو بأخرى، ولم تنهض الصين، ولم تنجح إلا بإقصاء الجيش عن التوغل في الاقتصاد، فلم تظهر عليها علامات النهوض والتطور المستمر حاليًا، إلا عندما ابتعد الجيش عن النطاق الاقتصادي.

وعن الأضرار التي تقع على الاقتصاد الوطني من تدخل الجيش، يذكر ذكر الله أن أهم تلك الأضرار هو مزاحمة القطاع الخاص، خاصة إذا كان الجيش يعمل بصفته جهة سيادية، إذ يحصل على مجموعة من المميزات التي لا يمكن للقطاع الخاص الحصول عليها، وأبرز هذه المزايا على سبيل المثال أراضي الدولة، إذ تخصص أراضٍ لمشروعاته، إما بأسعار بخسة غير منافسة مع القطاع الخاص، وإما بدون سعر على الإطلاق؛ أي إنها تكون بالمجان.

ويتابع: «الجزء الثاني من المزايا التي يحصل عليها الجيش هو حصول مشروعاته على مجموعة من الإعفاءات المتعلقة بالضرائب، سواء الضرائب العقارية، أو ضرائب الدخل، أو ضرائب القيمة المضافة، أو غيرها من الضرائب المختلفة، بالإضافة إلى الإعفاءات الجمركية التي تحصل عليها مشروعات هذه الجيوش نتيجة عملها الاقتصادي في استيرادها للسلع والخامات والمعدات والآلات والبذور والمواد الخام وغيرها، فكل هذا يجعل للجيش اليد العليا، ويحطم المنافسة بين مشروعات الجيش ومشروعات القطاع الخاص».

وأضاف ذكر الله أنه من المزايا الأخرى التي يحصل عليها الجيش هي «انعدام الشفافية والإفصاح والرقابة على المشروعات على عكس مشروعات القطاع الخاص، والتي بموجب القانون يجب أن تقدم إقرارًا ضريبيًا، وعندما تبلغ هذه الشركات رأس مال معين يجب أن تدرج في البورصة، وغير ذلك من الإجراءات التي لا يمكن أن تحدث مع مشروعات الجيش، وحتى لو كان هناك جهاز رقابي يستطيع الرقابة ويستطيع أخذ البيانات، فإنه في التطبيق العملي، فهذا الإجراء شكلي؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يطالب من يمتلك السلاح بإعطاء بيانات تفصيلية أو محاسبته إذا كان مخطئًا».

وعن الأضرار الأخرى بالاقتصاد الكلي التي تنتج عن تدخل الجيش في النشاط، يقول ذكر الله إن «مجمل المناخ الاستثماري يتأثر سلبيًا، سواء الاستثمار المحلي أم الأجنبي، إذ إن وجود الجيش بهذه العقلية وبهذه المميزات والإعفاءات، يعطي صورة سلبية عن الاقتصاد الوطني»، في رسالة من الاقتصادات التي تسيطر عليها القوات المسلحة إلى المستثمرين أنه «لا أرباح إلا من خلال الجيش، أو العمل مع الجيش».

كيف يمكن أن يكون للجيوش دور إيجابي في الاقتصاد؟

ويعتقد عميد كلية الاقتصاد والتمويل بأكاديمية العلاقات الدولية في تركيا، أنه لكي يكون للجيش دور في الاقتصاد الوطني يجب عليه القيام ببعض الأمور وهي:

امتداد رؤية السلطات التنفيذية إلى الجيش، بمعنى أن يكون هناك دور للقطاع العام ودور للقطاع الخاص، إذ يمكن أن يكون الجيش البديل الأكبر للقطاع العام، وبالتالي يجب أن تكون الرؤية للدولة، ففي هذه الحالة يكون التقدير للدولة والسلطة التنفيذية، سواء ترى مضرة في القطاع العام، أم ترى فيه خيرًا واستغلالًا للإمكانيات بكفاءة أكبر من القطاع الخاص.

وهنا يجب أن تكون مشروعات الجيش مضبوطة وفقًا للرؤية العامة للدولة، فلا نرى مثلًا دولة تتجه نحو الليبرالية، وفي الوقت نفسه تعطي مشروعات كبرى للجيش، فهذا يعد تضادًا للرؤية العامة للدولة، تظهر آثاره السلبية بعد فترة من الزمن.

الأمر الثاني، الذي يعد استكمالًا للأول، وهو إذا كان الجيش يؤدي أحد أدوار القطاع العام؛ فيجب أن يتعرض للمساءلة والشفافية والإفصاح بصورة أكثر من غيره؛ لأنه من المعروف تاريخيًّا أن الدول التي اعتمدت على القطاع العام كانت تعاني من الفساد، وعدم كفاءة تخصيص الموارد، وإهدار المال العام، وأمور أخرى يجب أن يتلافاها الجيش، إذا كان يؤدي دورًا بديلًا عن القطاع العام.

كما يجب  أن يتوجه الجيش إلى المشروعات التي لا يقبل عليها القطاع الخاص، مثل المشروعات ذات العائد في الأجل البعيد أو المشروعات ذات الكلفة العالية، كذلك أيضًا القطاع الخاص – خصوصًا في الدول النامية- لا ينفق على مشروعات البحوث الاقتصادية، والتي يمكن الاعتماد عليها في زيادة درجة التقدم التكنولوجي للدولة ككل، كما لا يقبل على المشروعات التي تزيد من مهارات العاملين في القطاعات المختلفة، ومن هنا لا بد للجيش أن يقبل على مشروعات تضمن تدريب العاملين في هذه الصناعات التي يخلو منها السوق وتأهيلهم ورفع كفاءتهم ومهاراتهم.

ولعل الجيش في بريطانيا كان له دور جوهري على فترات تاريخية مختلفة في بناء بلاده وتنمية المجتمع؛ إذ عمل في مجال التدريب والتعليم في المجتمع البريطاني، كونه يمتلك واحدة من برامج التعليم الأكثر شمولًا وفعالية، كما كان للجيش في بتسوانا دور في حماية الحياة البرية، إذ تمتلك بتسوانا ثروة بيئية من الحيوانات البرية الكبيرة وكانت هناك حاجة قوية لحمايتها من عصابات الصيد.

على الجانب الآخر يرى محللون أنه في حالة تدني مستوى التنمية الاقتصادية يكون لجوء الجيش للتدخل في النشاط الاقتصادي بهدف حماية الدولة من خطر التدهور والانهيار الاقتصادي، وكذلك في حالات عدم عدالة التوزيع والصراع على الدخول والثروات، يفترض أصحاب هذه الرؤية أن تدخل الجيش يساعد على إعادة توزيع الثروات في المجتمع، وتحقيق العدالة الاجتماعية، كما أن تدخل الجيش أحيانًا يكون بغرض مواجهة الفقر والفساد.

وبالنظر إلى الإيجابيات والسلبيات، فإن أي جيش يلجأ لتعظيم منافعه على حساب المصلحة الوطنية، أو بغرض إضعاف القطاع الخاص، ولا يخضع للقواعد والضوابط القانونية، فإن الضرر من النشاط يكون أكثر من النفع، كما أن الأفضل أن يقتصر دور الجيش على مشروعات البنية الأساسية التي تتجه لصالح المجتمع كله، ولا تهدف لتحقيق ربح، كما تبرز فوائد مشروعات الجيوش في وقت الأزمات، إذ تتمكن المؤسسات التابعة للجيوش من تحمل الضغوط دون غيرها.

الجيش الأمريكي.. ثاني أكبر جهة توظيف في الولايات المتحدة

يحتل الجيش الأمريكي المرتبة الأولى عالميًّا من حيث القوة العسكرية والميزانية؛ فوفق تصنيف «Global Firepower» لعام 2019، فإن الميزانية العسكرية للجيش الأمريكي تبلغ نحو 716 مليار دولار، وبالرغم من أن الأنشطة الاقتصادية التي يساهم فيها تقتصر على المبيعات العسكرية الخارجية، والمناقصات الإنشائية، فإنه يعد ضمن أكثر الجيوش التي تفيد الاقتصاد الكلي في بلاده.

ويقول موقع «بيزنس إنسيدر» الأمريكي، إن جيش بلاده يمتلك مساحات كبيرة جدًّا من الأراضي، التي لو كانت دولة، لكانت أكبر حجمًا من جزيرة «هاواي» وولاية ماساتوستس مجتمعتين، حيث يمتلك داخل الولايات المتحدة فقط أكثر من 15 مليون فدان من الأراضي، وهي مساحة أكبر من مساحة ولاية أمريكية، مثل ولاية «ميري لاند» و«هاواي» و«ماساتشوتوتس» و«فيرمونت».

ويضيف الموقع أن وزارة الدفاع الأمريكية هي ثاني أكبر جهة توظيف في الولايات المتحدة، بعد سلسلة متاجر «وول مارت» الشهيرة؛ فالجيش الأمريكي لديه أكثر من مليون موظف في الخدمة، سواء النشطة أو الاحتياطية، متفوقًا على عدد موظفي «يام براندز» البالغ عددهم 523 ألفًا.

وتبرز الإضافة الاقتصادية للجيش الأمريكي في مشاركته للقطاع الخاص، إذ يتشارك مع المصانع المدنية في إنتاج نظم التسلح الأمريكية، بينما تكون معظم المناقصات الإنشائية لسلاح المهندسين في الجيش الأمريكي، متعلقة بالمشروعات الكبيرة للبنى التحتية، مثل إنشاء المطارات والقواعد العسكرية، وهو ما يحقق عائدًا اقتصاديًّا مهمًّا للدولة؛ فهو ضمن النوع الأول من الجيوش حول العالم كما ذكرنا.

وبحسب تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، فإن ما يقرب من 10% من إنتاج المصانع في الولايات المتحدة البالغ 2.2 تريليون دولار، يذهب إلى إنتاج الأسلحة التي تباع بشكل أساسي إلى الجيش الأمريكي لاستخدامها من قبل القوات المسلحة، كما أن للجيش الأمريكي أعمالًا هندسية أسطورية، أبرزها السدود والجسور على طول أنهار الولايات المتحدة، والتي ساهمت في منع العديد من الكوارث كانت ستكلف عشرات المليارات.

إضافة إلى ذلك يشير تقرير لـ«ncsl» إلى مساهمة الجيش الأمريكي بمليارات الدولارات كل عام في اقتصاد الدولة، إذ يساعد في خلق فرص عمل، كما أن الأجور التي يحصل عليها الموظفون تنفق على السلع والخدمات المنتجة محليًّا، ما يعني تنشيطًا أكبر للاقتصاد، فوفق مكتب «وزارة الاقتصاد للتكيف الاقتصادي (OEA)»، فقد أنفق الجيش 408 مليار دولار على الرواتب والعقود في السنة المالية 2015، أي ما يقرب من 2.3% من إجمالي الناتج المحلي للولايات المتحدة.

الجيش الصيني.. شركات بالمليارات تسلل إليها الفساد

يحتل الجيش الصيني المرتبة الثالثة عالميًّا بعد أمريكا وروسيا من حيث القوة العسكرية وفق تصنيف «Global Firepower» لعام 2019، كما أن الميزانية العسكرية للجيش الصيني نحو 224 مليار دولار كثاني أكبر ميزانية بين جيوش العالم، بينما يصل عدد الجنود إلى نحو مليونين و183 ألفًا.

على مدار عقود أدار الجيش الشعبي الصيني، عشرات المشرعات الاقتصادية الضخمة، ضمت معظم القطاعات الاقتصادية تقريبًا، سواء الأغذية أو النقل والزراعة والسياحة، وغيرها، بينما تشير بعض المصادر إلى 30 ألف شركة، لكن لا توجد أرقام واضحة حول النشاط الاقتصادي للجيش، لكنه منذ عام 1997 تواصل الصين الاعتماد على سياسة ترجيح الكيف على الكم.

فإدارة الجيش لآلاف المؤسسات الصناعية والتجارية والسياحية والمشاركة بقوة في بناء الاقتصاد، رغم أنها ساهمت في تحقيق فائض ربح بمئات المليارات سنويًّا، فإنها ساهمت في تزايد حالات الفساد المالي لعدد من العسكريين، وهو ما دفع الرئيس شي جينبينغ بصفته قائدًا للقوات المسلحة الصينية لشن حرب على الفساد في نهاية 2016، لمكافحة الفساد في الجيش كأولوية قصوى له، إذ جرى التحقيق مع عشرات الضباط وسجنهم، ومن بينهم النائبان السابقان لرئيس اللجنة العسكرية المركزية.

وفي نهاية 2016، قال، عادل صبري، رئيس تحرير موقع «مصر العربية» في مقال له، إنه ناقش سفير الصين بالقاهرة سونغ آيقوه، عن أسباب قرار رئيس الصين بإبعاد الجيش عن أي أعمال تجارية في الدولة أو الخارج، فرد آيقوه، قائلًا: «الجيش يؤدي مهمة مميزة في البلاد، ولديه مهام جليلة للحفاظ على وحدة البلاد وقوتها، في وقت تترصد بنا قوى خارجية وقوى إرهابية تهدده في الداخل، والدولة تسعى إلى أن يكون الجيش حديثًا وعصريًّا وقويًّا وبعيدًا عن الفساد».

وتابع: «لذلك قرر الحزب الشيوعي الحاكم، وعلى رأسه الرئيس شي شينبنغ، أن يبعد أي شبهة فساد عن الجيش، بعد أن أقال عددًا من قياداته مؤخرًا تورطوا في عمليات فساد، فالإجراءات المميزة اتُّخذت لحماية مؤسسة مميزة، وهي الجيش؛ لضمان تفرغه لمهامه الرئيسة، وتفوقه»، هذا الحديث أوضح أن الصين لم تتخل عن الأعمال التجارية للجيش بعد أن كان العمود الفقري في مرحلة التحول الصناعي بالدولة، إلا لأجل المصلحة الاقتصادية العامة التي أصبح يعرقلها هذا التدخل وهو الفساد.

الجيش المصري.. نمو كبير في الدور الاقتصادي وهروب للأجانب

يحتل الجيش المصري المرتبة الثانية عشر عالميًّا، والأولى عربيًّا من حيث القوة العسكرية وفق تصنيف «Global Firepower» لعام 2019، كما أن الميزانية العسكرية للجيش المصري بلغت نحو 4.4 مليار دولار، فيما يشهد النشاط الاقتصادي للجيش نموًّا كبيرًا خلال السنوات الماضية، جعل «صندوق النقد الدولي» يحذر في سبتمبر (أيلول) 2017 من أن تطوير القطاع الخاص وخلق الوظائف «قد تعوقهما مشاركة كيانات تخضع لوزارة الدفاع».

هذا بينما يحصل الجيش على إعفاءات وامتيازات ضريبية واسعة ممنوحة لشركات القوات المسلحة، ففي 2016 منح قانون ضريبة القيمة المضافة إعفاءات للقوات المسلحة وغيرها من المؤسسات الأمنية، لكن بشكل عام تتباين التقديرات حول حجم الدور الذي يلعبه الجيش في النشاط الاقتصاد، ففي ديسمبر (كانون الأول) 2016، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إن الجيش يمثل ما يصل إلى 2% من الناتج فقط.

لكن بعد هذا التصريح أضاف الجيش إلى خزينته الكثير من الشركات، لعل أبرزها امتلاكه نحو 51% من شركة تتولى تطوير العاصمة الإدارية الجديدة، وبعيدًا عن الحديث حول حجم اقتصاد الجيش المصري وسرد أملاكه، سنضرب مثلًا واحدًا عن أحد أبرز الآثار التي جاءت نتيجة مباشرة لتدخل الجيش في النشاط الاقتصادي، وهذا المثال حول التغير في الاستثمار الأجنبي المباشر خلال السنوات التي نما فيها اقتصاد الجيش بقوة.

ففي مصر عندما يتمدد نشاط اقتصاد الجيش في كل القطاعات تقريبًا، ويتضاعف تضاعفًا واضحًا خلال وقت قصير، من المفترض هنا أننا نتحدث عن فرص استثمارية كبيرة موجودة في البلاد، ومعنى وجود فرص استثمارية من المنطقي زيادة الاستثمارات المباشرة في الدولة، لكن ما يحدث خلال السنوات القليلة الماضية من تمدد اقتصاد الجيش، يقابله في الوقت نفسه تراجع كبير في الاستثمارات المباشرة بقوة، وهذا يعني وجود خلل ما.

والمعنى هو أن الجيش قد استحوذ على الفرص المتاحة، مما عرقل دخول استثمارات أجنبية مباشرة، فرغم أن أحد أهم أهداف برنامج الإصلاح الاقتصادي الممول من صندوق النقد، كان زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر، فإن صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى البلاد تراجع بعد أشهر قليلة من التوصل لاتفاق مع الصندوق، فقد تراجع بنسبة 17.8% في مارس (آذار) 2016.

برنامج السيسي لإصلاح اقتصاد مصر يقترب من نهايته.. 15 مؤشرًا يكشف هل نجح أم فشل

وفي الأشهر الثلاثة الأولى من 2019، هبط الاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتصاد غير النفطي لمصر إلى أدنى مستوى في خمس سنوات على الأقل، إذ بلغ حوالي 400 مليون دولار في الربع الأول، انخفاضًا من 950 مليون دولار في الربع الأخير من 2018، و720 مليون دولار في الربع الأول من 2018.

ويتزامن النمو الكبير في النشاط الاقتصادي للجيش المصري، مع نمو في نسبة الفقراء في البلاد، إذ أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع معدلات الفقر في البلاد لتصل إلى 32.5% من عدد السكان، بنهاية العام المالي 2017/ 2018، مقابل 27.8% لعام 2015/ 2016، بينما وفق تقديرات «البنك الدولي»،  فإن نحو 60% من سكان مصر إما فقراء وإما عرضة للفقر، وهو ما يوضح أن نمو نشاط الجيش لم ينعكس إيجابيًّا على المجتمع.

الجيش الباكستاني.. ثراء كبير وسط معاناة شعبية

يحتل الجيش الباكستاني المرتبة الخامسة عشرة عالميًّا من حيث القوة العسكرية وفق تصنيف «Global Firepower» لعام 2019، كما أن الميزانية العسكرية للجيش الباكستاني تصل إلى نحو 7 مليار دولار.

يشارك الجيش في باكستان بقوة في النشاط الاقتصادي من خلال العديد من المشاريع التجارية؛ فالجيش الباكستاني من أكبر التكتلات التجارية في البلاد، ويدير محفظة استثمارية قيمتها 20 مليار دولار، ويملك 7% من أصول الدولة في باكستان، واستثمر في فترة قريبة 10 مليار دولار في تصدير غاز، ومصانع سكر، وشركات خدمات أمن.

ووفق رصد لمجلة «Foreign Policy» الأمريكية، فإن باكستان تعيش حاليًا مفارقة جوهرية؛ ففي الوقت الذي يعيش فيه الشعب أزمة اقتصادية طاحنة، يعيش الجنرالات حالة من الثراء، إذ يطوف رئيس الوزراء، عمران خان، أرجاء المعمورة، يجمع المساعدات لدعم الاقتصاد، وأبرمت البلاد اتفاقًا مع «صندوق النقد الدولي» على حزمة إنقاذ جديدة، بعد أن بلغ التضخم أعلى مستوى له منذ أربع سنوات.

وبشكل عام يعيش ثلث السكان تحت خط الفقر، ووصلت قيمة الدين العام إلى نحو 100 مليار دولار، مقابل احتياطي أجنبي 15 مليار دولار فقط، وكل هذه المعطيات لم تمنع الجيش الباكستاني الثري من تقديم عرض عسكري مبهر في نهاية مارس (آذار) الماضي، إذ يحصل الجيش على من 20% من الميزانية سنويًّا.

لكن نفوذ الجيش هناك لا يتوقف على الميزانية؛ إذ يمتلك أكثر من 50 كيانًا تجاريًّا، ووفق تقديرات «بلومبرج» فإن الذراع التجاري للجيش الباكستاني تحقق دخلًا سنويًّا بأكثر من 1.5 مليار دولار، بينما دخل مؤخرًا إلى صناعة التعدين والتنقيب عن النفط.

الجيش الإيراني.. إمبراطورية «الحرس الثوري» والهيمنة المطلقة

يحتل الجيش الإيراني المرتبة الرابعة عشر عالميًّا من حيث القوة العسكرية وفق تصنيف «Global Firepower» لعام 2019، كما أن الميزانية العسكرية للجيش الإيراني تصل إلى نحو 6.3 مليار دولار.

وتعد إيران حالة فريدة، إذ إن «الحرس الثوري الإيراني» يعد «إمبراطورية سياسية واقتصادية وإعلامية»؛ رغم أنه أحد أضلاع الجيش الثلاثة، فهو يمتلك منافذ إعلامية ووكالات استخباراتية منفصلة، وذلك منذ أن تأسس في أعقاب الثورة الإسلامية التي اندلعت في عام 1979؛ إذ أصبح منذ ذلك الحين ذراعًا عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا كبيرًا للثورة الإسلامية في البلاد، ويتمتع بصلة وطيدة وقوية مع العديد من الشخصيات النافذة في الدولة، ويصفه محللون بالدولة داخل الدولة.

ويُعتقد أن «الحرس الثوري» يسيطر على حوالي ثلث الاقتصاد الإيراني، من خلال بسط نفوذه على عدد من المؤسسات والصناديق الخيرية والشركات الفرعية، وتشير تقديرات أخرى إلى أنه يهيمن على كبرى القطاعات الاقتصادية، ويتحكم مباشرة فيما بين 20 و40% من الاقتصاد الإيراني، ووفقًا لتقارير أمريكية، فحوالي 30% من الأعمال في إيران مملوكة لـ«منظمة الأمان الاجتماعي (SSO)»، فيما ساهم فرض العقوبات الدولية على إيران في زيادة مساهمة شركات «الحرس الثوري» في النشاط الاقتصادي.

ويمكن القول بأن هذه الهيمنة التي تكاد تكون مطلقة، تؤثر مباشرة  في مناخ الأعمال والاستثمار في البلاد، ففي عام 2015 وضع البنك الدولي الاقتصاد الإيراني في المرتبة 130 من بين 189 دولة في سهولة أداء الأعمال، وهو تصنيف لا يتناسب على الإطلاق مع القوة الاقتصادية التي تمتلكها البلاد، كما أن هذه السياسة أضعفت قطاع الأعمال الخاص على مر السنين الماضية، وجعلته ينافس بصعوبة شديدة للبقاء.

لكن بالرغم من ذلك فإن حالة العقوبات التي تعيشها إيران على مدار السنوات الماضية تجعل هذه الهيمنة لها فائدة، إذ إن هيمنة «الحرس الثوري» مكنت البلاد من امتصاص العديد من الصدمات بخلاف القطاع الخاص، الذي يبحث عن الربح دائمًا، فمن الصعب على المستثمرين تحمل الأوضاع الصعبة.

وبحسب المحللين فإن هذه الإمبراطورية لعبت دورًا مهمًّا في النمو الاقتصادي، وتلبية احتياجات السوق الإيراني، عندما وصلت العقوبات الأمريكية والأوروبية إلى ذروتها، وذلك لأن هذه الشركات لديها استراتيجية جيدة للالتفاف على العقوبات.

عام على العقوبات الجديدة.. كيف نجحت إيران في الصمود حتى الآن؟

اقتصاد الجيشالإنفاق العسكريالجيش الأمريكيالجيش الإيرانيالجيش الباكستانيالجيش الصينيالجيش المصريالقطاع الخاص

المصادر