تحتل أمريكا والصين المرتبة الأولى والثالثة بين أقوى جيوش العالم اليوم، وتتنافس الدولتان على تطوير أحدث التقنيات والعلوم التي تمكِّنهما من تدعيم جيوشهما بأحدث الأدوات والأسلحة، بمختلف استخداماتها.

لذلك؛ أنشأت أمريكا وكالة مشروعات البحوث الدفاعية المتقدمة (داربا)، وأنشأت الصين إدارة الدفاع الوطني لشئون العلوم والتكنولوجيا والصناعة (ساستيند)، فقدمت الوكالتان ابتكارات عسكرية فريدة ميزت جيش كل دولة، وجلبت له تفوقًا نوعيًّا.

«داربا» وقصة اختراع الإنترنت

حصل دونالد ديفيز – عالم الكمبيوتر البريطاني – في عام 1943، على بكالوريوس الفيزياء من الكلية الملكية في لندن، ثم ألحقه ببكالوريوس الرياضيات عام 1947، ليعمل في المختبر الفيزيائي الوطني، حيث نجح ديفيز في إنشاء طريقة ذات كفاءة عالية للاتصالات بين أجهزة الكمبيوتر، تدعى «تبديل الحزم»، وهي طريقة تنقسم فيها البيانات إلى كتل منفصلة يسهُل نقلها إلكترونيًّا بين أجهزة الكمبيوتر البعيدة بعضها من بعض.

في هذه الأثناء اعتمد ثلاثة من علماء وكالة مشروعات الأبحاث المتقدمة (أربا)، التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية. على «تقنية تبديل الحزم» لإنشاء شبكة «الأربانت» في أواخر الستينيات.

دولي

منذ شهرين
الحرب الباردة الجديدة.. أساليب الصراع بين أمريكا والصين في القرن 21

كان الهدف من الشبكة ربط أجهزة الكمبيوتر في مؤسسات الأبحاث الممولة من وزارة الدفاع الأمريكية بعضها ببعض عبر خطوط الهاتف، ورغم أن هدف أربا كان دائمًا أكاديميًّا أكثر منه عسكريًّا، خدمت الشبكة القادة العسكريين الذين كانوا يبحثون في ذروة الحرب الباردة عن نظام اتصالات كمبيوتر بدون قلب مركزي، مع عدم وجود مقر أو قاعدة للعمليات، التي يمكن أن يهاجمها ويدمرها الأعداء.

وبهذا وُلدت نواة شبكة الإنترنت التي نعرفها اليوم من أحد مراكز أبحاث وزارة الدفاع الأمريكية. 

أصدر نيل ماكلوري – وزير الدفاع الأمريكي – في 1958، توجيهًا لإنشاء وكالة مشروعات الأبحاث المتقدمة «أربا» بسبب التسابق في التسليح مع الاتحاد السوفيتي آنذاك والتنافس لغزو الفضاء؛ والتي ركزت على ثلاثة محاور بحثية أولية: تكنولوجيا الفضاء، والدفاع ضد الصواريخ البالستية، والوقود الصلب.

وفي عام 1972 أُعيد تسمية أربا لتبصح «داربا» «وكالة مشروعات البحوث الدفاعية المتقدمة»، والتي تعمل مع المبتكرين داخل الحكومة وخارجها، والتي أخذت التزامًا على نفسها أن تجعل الولايات المتحدة الأمريكية «البادئ وليس الضحية للمفاجآت التكنولوجية الاستراتيجية».

حوَّلت «داربا» عالم الخيال العلمي والمفاهيم العلمية الثورية لقدرات تقنية فعلية، ليس فقط الاختراعات والتقنيات العسكرية التي تغير قواعد اللعبة، مثل الأسلحة الدقيقة وتكنولوجيا التخفي، ولكن أيضًا التقنيات المدنية الحديثة، مثل الإنترنت، والتعرف الآلي إلى الصوت، وترجمة اللغة، وأجهزة استقبال نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس»، والتي جرى تضمينها في عدد لا يحصى من الأجهزة الاستهلاكية.

Embed from Getty Images

المستقبل بعيون «داربا»

كانت حرب فيتنام – بين عامي 1955 و1975 – أول ساحة حرب تنخرط فيها «داربا» بمشروعاتها التطويرية، وكانت سببًا في إنشاء العديد من أنظمة الأسلحة المثيرة للجدل، والتي تعد الأكثر انتشارًا اليوم مثل طائرات الشبح، ونظارات الرؤية الليلية، والقنابل الموجهة بالليزر، والمراقبة بالمستشعرات، والطائرات بدون طيار.

ابتكرت «داربا» أحد المستشعرات التي تستخدم في أجهزة «آيفون» اليوم، وكان حجم الواحد منها يبلغ ثلاثة أقدام عندما صنعته؛ وكانت تزرع في أدغال فيتنام لتنقل ما يرد لها من معلومات لطائرة تحلِّق فوقها، لتنقل الطائرة بدورها المعلومات إلى مركز التحكم في تايلاند، والذي يوجد فيه أجهزة كمبيوتر عملاقة تحلل المعلومات لتكتشف أنماط تحرك مقاتلي غابة الفيتكونج في فيتنام.

كان من الجنون التفكير في صنع شيء مثل هذا في عام 1960، لكن «داربا» فعلتها، وهذا مثال لما طورته «داربا» في تكنولوجيا المستشعرات، والتي أصبحت لها العديد من التطبيقات فيما بعد.

أما عن «الدرونز» (الطائرات بدون طيار)، فلم تكن تحمل أسلحة بعد، مثل اليوم، لكنها كانت عين الجيش الأمريكي في ذلك الوقت مثل طائرات التجسس الحالية، والتي كان يجب التحكم فيها من مسافة قريبة عبر أحد الرجال في سيارة جيب تتجه لخط المواجهة مع العدو لتتحكم في الطائرة، مما كان يعد شديد الخطورة.

لكن، بعد الحرب بدأ رجال «داربا» في التفكير بتسليح الدرونز؛ لتقوم بمهام هجومية بجانب مهامها الاستطلاعية، وتطويرها لتتحكم فيها من مسافات بعيدة؛ لكي لا تعرض رجال جيش الدفاع الأمريكي للخطر، وهو ما تحقق على مدار عقدين بين حرب فيتنام وحرب الخليج.

نصَّت خطة «داربا» حتى عام 2038 – طبقًا لما تم إحرازه – أن البنتاجون يتحرك نحو الحرب الآلية ويسعى للحصول على روبوتات قاتلة يمكنها السباحة والزحف والركض والطيران بسرعات كبيرة، وهو ما يثير قلق مشغلي الدرونز الحاليين، فهم يثقون في أنظمة هذه الآلات التي ترتكب العديد من الأخطاء، ويرى بعضهم أن مثل هذه الأنظمة غير أخلاقي.

تحصل «داربا» على 3 مليارات دولار في السنة من الكونجرس، وتعد هذه ميزانيتها المعروفة فقط، وبينما كانت وكالة شديدة السرية طوال عقود، أصبح لها الآن وجود في الصحافة بشكل يهدف لرسم الصورة التي ترغب هي في إيصالها للجمهور، مثل بحث «داربا» عن علاج للزهايمر، أو استخدام الروبوتات في أعمال خيرية وخدمية للمجتمع، إلا أن مهمة «داربا» منذ عام 1958، في بيانها إلى الكونجرس، كانت كما هي: إنشاء أنظمة أسلحة للمستقبل.

«سواء الأوبئة الطبيعية أو التي من صنع الإنسان؛ أعتبرُها تهديدًا حقيقيًّا. نحن نركز على تقنيات التحسس والاستشعار البيولوجي من جميع الأنواع» — ستيفين ووكر، مدير «داربا».

تعمل «داربا» في الوقت الحالي ومنذ عدة سنوات، على عدة مشروعات مستقبلية، من بينها تعديل الجينات وصناعة اللقاحات؛ إذ يستغرق تطوير اللقاح في الوقت الحالي والحصول على الموافقة – في الولايات المتحدة – ما لا يقل عن 18 شهرًا، وتريد «داربا» تقليص هذا الوقت إلى 60 يومًا فقط.

أثارت الأخبار المذهلة عن استخدام باحث صيني لبرنامج «كريسبر» – وهو برنامج التعديل على جينومات الكائنات الحية عن طريق قص أجزاء من حمضها النووي بسهولة – لتوليد طفلين محصنين من فيروس نقص المناعة البشرية «الإيدز»؛ مخاوف أخلاقية بشأن التكنولوجيا وإمكانية استخدامها سلاحًا.

Embed from Getty Images

قال ووكر؛ بدأت «داربا» برنامج «حفظ الجينات» لدراسة كيفية عمل «كريسبر» وإيقاف التعديلات إذا «خرج شيء عن السيطرة أو استُخدم لأغراض شائنة، إذ يمكن استخدام التقنيات للخير أو الشر».

وفي قطاع آخر، بدأت «داربا» برنامج محاربة الأخبار الوهمية عن طريق تطوير أدوات لتحديد ما إذا كانت الصورة أو مقطع الفيديو قد جرى العبث به، ومساعدة المحلل في تحديد مكان إجراء التغييرات بالضبط.

وفي عام 2016 احتلت الأخبار المزيفة مركز الصدارة خلال الانتخابات الرئاسية. ويشعر مراقبو وسائل الإعلام بالقلق من انتشار الصور ومقاطع الفيديو المزيفة.

أما عن الذكاء الاصطناعي – أحد أهم قطاعات المواجهة عالميًّا بين أمريكا والصين – يقول ووكر إن الآلات تحتاج إلى الكثير من البيانات للتعلم، لجعل هذا الذكاء الاصطناعي ممكنًا.

وتستخرج الصين البيانات من مواطنيها، تاركة الولايات المتحدة مع قوانين الخصوصية الصارمة الخاصة بها، فضلًا عن أنه «ليس لدى الجيش الأمريكي الكثير من البيانات مثل القطاع التجاري حول ما يجري في الحياة المدنية»، بحسب ووكر، مما يعطي لبكين ميزة على المدى القريب. فهل يمكن تدريب الروبوتات بكمية بيانات أقل؟ وإجابة عن هذا السؤال؛ تعمل «داربا» على تطوير الذكاء الاصطناعي بدون جمع الكثير من البيانات، وطورت برنامج يدعى «التعلم باستخدام علامات أقل».

«ساستيند».. مزيج عسكري مدني يعزز الابتكار الصيني

الصين هي أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، وهي ثاني أكبر دولة من حيث المساحة، وتمتلك أكبر جيش في العالم من حيث عدد جنوده، وهي ثاني أكبر اقتصاد على وجه الأرض حاليًا، ويُتوقع أن تتخطى الاقتصاد الأمريكي بحلول عام 2030، وأساس قوة الصين التي تعتمد عليها هي الثروة البشرية الهائلة، وهذا ما انسحب على الكثير من القطاعات، ليس المدنية فقط كالاقتصاد، والمجتمع، والسياسة، بل أيضًا الجيش والشئون العسكرية والاستخباراتية، وفي القلب منها التنافس مع الولايات المتحدة الأمريكية على التقنيات العسكرية.

Embed from Getty Images

اعتمدت الصين في نهضتها على جلب التكنولوجيا المتطورة من أمريكا وأوروبا وتوطينها في الصين لتصبح أقل سعرًا وأكثر تطورًا، ما ساعد على إنشاء بيئة كاملة تبحث وتسرق براءات الاختراع التي تعمل على تقنيات متطورة.

بدأت القصة عندما أشرفت إدارة الدفاع الوطني لشئون العلوم والتكنولوجيا والصناعة الصينية (ساستيند) على «أبناء الدفاع الوطني السبعة»، وهي مجموعة من الجامعات الصينية الرائدة التي تعمل على تطوير الصناعات العسكرية والدفاعية.

بفضل «الأبناء السبعة» أصبح هناك 10 آلاف خريج سنويًّا يلتحق بقطاع أبحاث الدفاع التي تشرف عليها «ساستيند» والتي تعمل على تطوير الطائرات والصواريخ والسفن الحربية، والأسلحة الإلكترونية والتكنولوجيات الفائقة، والذين أنفقوا 13.79 مليار ين ياباني (لا أستطيع الحصول على الرقم بالدولار أو اليوان) في عام 2016.

دفعت المنافسة بين أمريكا والصين، خاصة في قطاع تطوير التقنيات العسكرية؛ الانصهار العسكري المدني – بين الجامعات ووكالات تطوير التقنيات العسكرية – إلى ما هو أبعد بكثير من الأبناء السبعة، إذ وصل عدد الاتفاقيات الموقعة بين «ساستيند» ووكالات مشابهة مع الجامعات إلى 101 اتفاقية منذ عام 1999، منها 57 اتفاقية وُقعت بين عامي 2015 و2019.

وبحلول عام 2009 أنشأت «ساستيند» 74 معملًا رئيسيًّا تابعًا لها، متخصصين في العلوم والتقنيات العسكرية. ورغم صعوبة العثور على معلومات تفصيلية حول عمل هذه التخصصات العسكرية، فإن إحدى الجامعات كتبت في عام 2018 أنها تتوقع أن تتلقى ما يقرب من 7 ملايين ين لتطوير مشروعاتها الدفاعية.

بجانب مسئوليات «ساستيند» لتطوير الصناعات العسكرية لتحقيق الريادة الصينية فيها، فهي مسؤولة أيضًا عن تنسيق الاتصالات والتعاون في مجال استخدام الطاقة النووية والأنشطة الفضائية مع الدول والمنظمات الدولية. كما تلعب «ساستيند» دورًا محوريًّا ومهمًّا في تنظيم الصادرات الصينية من المواد العسكرية الحساسة بما فيها المواد النووية وأنظمة الأسلحة المستقبلية.

يقول راندال شريفر – مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية في منطقة المحيط الهادئ – أن الصين كثيرًا ما تستخدم تكتيكات لا تصل إلى حد النزاع المسلح للوصول إلى هدفها في أن تصبح «جيشًا عالميًّا بحلول عام 2049»؛ إذ أثمر التحديث العسكري للصين منذ عقدين أثرًا كبيرًا في تطوير الصواريخ ومجالات مثل الفضاء، لكن وزارة الدفاع الأمريكية تؤكد أن الصين ما زالت تعتمد على التجسس على الآخرين لسرقة أحدث التقنيات العسكرية.

تكنولوجيا

منذ شهرين
مترجم: لماذا يوظف الجيش مدنيين لأغراض عسكرية؟ النموذج الصيني يشرح لك

وخلص تقرير صادر عن البنتاجون بتفويض من الكونجرس إلى أن: «الصين تستخدم مجموعة متنوعة من الأساليب لاكتساب تكنولوجيات عسكرية أجنبية؛ بما في ذلك الاستثمار الأجنبي المباشر الموجه، والسرقة السيبرانية، واستغلال وصول المواطنين الصينيين إلى هذه التقنيات، بالإضافة إلى اقتحام الحواسيب وغيرها من الأساليب غير المشروعة».

ورغم أن الصين تحافظ على الكثير من سر التنمية العسكرية لديها من خلال إجراء البحوث في مجمعات تحت الأرض بعيدًا عن أعين الأقمار الصناعية المتطفلة، فإنها على وشك إطلاق بعض أنظمة الأسلحة الأكثر تطورًا في العالم، وفي بعض الحالات تجاوزت بالفعل منافسيها، وذلك طبقًا لتقييم أجرته وكالة المخابرات الدفاعية، التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية.

ويذكر تقرير وكالة المخابرات الدفاعية الأمريكية أن بكين خطت خطوات عسكرية هائلة في السنوات الأخيرة، ويرجع الفضل في ذلك جزئيًّا إلى القوانين المحلية التي تجبر الشركاء الأجانب على إفشاء الأسرار التقنية مقابل الوصول إلى السوق الصينية الشاسعة. ويشير التقرير إلى أن القوة العسكرية المتزايدة للصين تعني أنها تتمتع بقدرات متقدمة في الجو وفي البحر وفي الفضاء، وفي الفضاء الإلكتروني «ما سيمكِّن الصين من فرض إرادتها في المنطقة».

المصادر

تحميل المزيد