للأسبوع الثلاثين على التوالي يواصل الطلبة في الجزائر خروجهم في مسيراتٍ حاشدةٍ تحت مسمى «الحراك الطلابي»، الموازي للحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر كل جمعة، والمُطالب برحيل كلٍ من الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح والوزير الأوّل نور الدين بدوي، إضافةً إلى مواصة محاربة الفساد، ومن ثمّ إجراء انتخابات رئاسية بدون الوجوه السابقة التي يتهمها الطلبة بالتسبب في وصول البلاد إلى الحالة التي تعيشها اليوم. 

ولم تختلف شعارات الثلاثاء – رقم 30 من عمر الحراك الطلابي – عن سابقيه كثيرًا، غير أن شعار رفض الانتخابات التي أعلن  بن صالح عن موعد إجرائها في 12 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، والتنديد بحملة الاعتقالات التي زادت وتيرتها مؤخرًا بشكلٍ لافت، نالت الحيّز الأكبر من مطالب طلبة الجزائر؛ مما تسبب في سقوط عشرات الطلبة ضحيةً للاعتقالات. إذ أشارت مصادر مطلعة لـ«ساسة بوست» من داخل الحراك الطلابي عن اعتقال قوات الأمن لعشرات الطلبة من وسط مسيرات الثلاثاء.

وتأتي حملة الاعتقالات التي شنتها قوات الأمن الجزائرية في صفوف حراك الطلبة يوم أمس الثلاثاء، لتكمل المشهد الذي بدأ منذ نجاح الحراك في إيقاف إجراء الإنتخابات الماضية التي كانت السلطة تعتزم تنظيمها في شهر يوليو (تموز) الماضي، إذ لم تخل مسيرة منذ ذلك الوقت حتى الآن من الاعتقالات والتضييق من طرف الأمن.

لماذا تريد السلطة الجزائرية التعجيل بالانتخابات الرئاسية رغم رفض الحراك؟

الحراك الطلابي بين «مطرقة» الاعتقالات و«سندان» التخوين

خرج المئات من الطلبة الجزائريين؛ وانضمّ إليهم الآلاف من المواطنين في مسيرة أمس الثلاثاء للردّ على قرار إجراء الانتخابات التي تحضّر لها السلطة، ورفع الطلبة شعار «مكانش (لا توجد) انتخابات يا العصابات» للتعبير عن رفضهم لتعجيل السلطات بإجراء الإنتخابات وكذا رفضهم للسلطة التي  ستشرف عليها، كما رفع الطلاب مطلب رحيل كلٍ من بدوي وبن صالح، شرطٍ للمرور إلى الانتخابات. 

وأمام الإصرار التي تبديه كلٌ من المؤسسة العسكرية والسلطة؛ على إجراء الإنتخابات في موعدها قبل نهاية السنة، بدأت قوات الأمن حملة اعتقالات واسعة ضدّ رافضي المسار الذي تريده كلٌ من المؤسستين، وكون الطلبة هم أكثر الجهات المعارضة للمؤسسة العسكرية وضدّ تنظيم الانتخابات تحت حكم كلٍ من ابن صالح وبدوي، فقد كان لهم نصيب من الاعتقالات، إذ أكدت مصادر من وسط الحراك الطلابي لـ«ساسة بوست» اعتقال قوات الأمن لخمسة طلاب في الساعات الأولى لمسيرة الطلاب في العاصمة الجزائر، كما أشارت المصادر ذاتها إلى اعتقال قوات الأمن لـ12 متظاهرًا من المتظاهرين المتضامنين مع الطلبة. 

مسيرة الطلبة بالأمس مصدر الصورة (ساسة بوست)

مسيرة الطلبة بالأمس – مصدر الصورة «ساسة بوست»

ويتهم الحراك الطلابي بمعاداة المؤسسة العسكرية ودفع الحراك نحو الصدام مع قوات الأمن، خصوصًا أنّ أبرز الشعارات المناوئة للحل الدستوري والمؤسسة العسكرية التي كانت تردد في الحراك الشعبي، خرجت من وسط الحراك الطلابي، وفي هذا السياق يرى إبراهيم حداد أحد ممثلي الحراك الطلابي في العاصمة خلال حديثه مع «ساسة بوست» أنّ الحراك الطلابي يعاني استقطاب شديد من طرف بعض الأحزاب؛ إذ تحاول كلّ جهة فرض شعاراتها وتوجهاتها على الطلبة، ويتجلى في الأسابيع الأخيرة أن الجهات التي تعادي الجيش هي التي كانت الأكثر استقطابًا.

ويشير حداد إلى تطوّر الشعارات المناوئة للمؤسسة العسكرية بالقول: «في الأسابيع الأولى كانت الشعارات التي يرفعها الطلبة هي «الجيش والشعب خاوة خاوة»، ثمّ أضيف لهذا الشعار شعار «والقايد صالح مع الخونة»، ليتطور اليوم إلى شعار «لي جينيرو ألا بوبال» وهو شعار بالفرنسية يعني الجنرالات إلى سلة المهملات».

شكلت هذه الشعارات المناوئة للمؤسسة العسكرية سببًا مباشرًا للتعزيزات الأمنية الكبيرة التي تشهدها الجزائر العاصمة كلّ ثلاثاء تحسبًا لمسيرة الطلبة، والتي زاد حجمها في مسيرة الأمس حسب الطالب عيسى المشارك في مسيرة الأمس، والذي اعتبر أنّ الحل الأمني مع مسيرات الطلبة لن يجدي نفعًا، بل يزيد الطلبة عزمًا لمواصلة الحراك حتى إسقاط كامل أركان النظام السابق. 

ورفع الطلبة بدءً من مسيرة الأمس شعار «الشعب ماراحش يحبس (لن يتوقف).. خذونا كلنا للحبس (السجن)»، للتنديد بحملة الاعتقالات التي تشنها السلطة على معارضيها.

الطلبة في مسيرة الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 مصدر الصورة (ساسة بوست)

الطلبة في مسيرة الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 مصدر الصورة «ساسة بوست»

ويتعرض الحراك الطلابي إلى نقدٍ لاذعٍ وتخوين كبيرٍ من طرف الموالين لقيادة الأركان؛ متهمين الحراك الطلابي بالمخترق وأنه يهدف إلى خلق صراعٍ وصدامٍ بين المتظاهرين والسلطة، وفي هذا السياق يبرز الطالب مختاري عبد الله أحد مناضلي الحزب الحاكم في الجامعة لـ«ساسة بوست» أنّ الحراك الطلابي بات يشكل خطرًا على الجامعة، وعلى الأمن القومي الجزائري؛ لأنه يطالب بمطالب  مستحيلة، ويجب على مؤسسة الجيش وضع حدٍ له.

على جانب آخر يرى إبراهيم موساوي طالب الصيدلة بـ«جامعة الجزائر 1» أنّه لا مبرر لاستمرار الحراك الطلابي، ويضيف إبراهيم أنّ «السلطة الحالية عملت قصارى جهدها من أجل ضمان نزاهة الانتخابات، وصار الأن عندنا سلطة وطنية للانتخابات تشرف على تنظيم الإنتخابات، وبالتالي الوقت الأن ليس وقت حراك، بل وقت استعدادٍ للانتخابات». 

«الثورة تأكل أولادها».. نشطاء الحراك في دائرة الاعتقال

هللت أوساط من داخل الحراك لحملة الاعتقالات التي شنتها قوات الأمن بإيعازٍ من العدالة على رجالات بوتفليقة؛ حتى امتلأت زنازين «سجن الحراش» الشهير بالوزراء والقادة الأمنيين الذي كانوا مقربين من بوتفليقة؛ وعمّت الفرحة قلوب الجزائريين وهم يرون كلًا من أحمد أويحيى الذي هدد الحراك بمصير سوريا، والجنرال توفيق الذي كان يبثّ اسمه الرعب بين الجزائريين، والسعيد بوتفليقة الذي كان يحكم مكان شقيقه، وهم يساقون إلى السجون.

كان هذا مشهد الإعتقالات في الأسابيع الأولى للحراك، غير أنّ الأسابيع الأخيرة له، شهدت صنفًا آخر من المعتقلين؛ إذ ألقت قوات الأمن في ساعةٍ متأخرة من ليلة الأربعاء الماضي القبض على القيادي البارز في الحراك الشعبي ورئيس حزب «الحزب الديمقراطي الاجتماعي»، كريم طابو، بتهمة «إضعاف معنويات الجيش»، وحسب يومية «الخبر الجزائرية»، فقد ذكر المحامي عبد الغاني بادي أن موكله أودع الحبس بعد الاستماع لأقواله، ووجهت له تهمة إضعاف معنويات أفراد الجيش الوطني الشعبي، وذلك على خلفية فيديو يظهر فيه المعارض كريم طابو يطالب فيه الضباط الجزائريين بخلق حراكٍ وسط المؤسسة العسكرية قصد إسقاط القيادة الحالية للجيش.

وبُعيد اعتقال كريم طابو؛ قامت قوات الأمن باعتقال ناشط بارز في وسط الحراك وهو سمير بلعربي إذ أشار شهود عيان إلى قيام أشخاص بلباسٍ مدني باختطاف المعارض بلعربي، ليتبين فيما بعد أنّ قوات من الأمن اعتقلته بعد أن  أمر قاضي تحقيق محكمة بئر مراد رايس، بالعاصمة، بإيداع الناشط السياسي سمير بن العربي، رهن الحبس المؤقت، بحسب ما أعلن عنه المحامي عبد الغني بادي على حسابه على «فيسبوك».

ولحدّ الساعة لم تعلن السلطات الأمنية عن سبب إعتقال المعارض بلعربي، في وقتٍ كشفت فيه مصادر مطلعة لـ«ساسة بوست» أن المعارض سمير بلعربي متهم هو أيضًا بتهمة إضعاف معنويات الجيش من خلال خطاباته السابقة والتي وصف فيها القيادة الحالية للأركان بـ«العصابة».

وفي حديثٍ سابقٍ لـ«ساسة بوست» مع سمير بلعربي المعتقل حاليًا، أكد بلعربي أنّ «مؤسسة الجيش هي المؤسسة الدستورية الوحيدة التي ما زالت تحظى بثقة ورضا الشعب والتي ينتظر منها مرافقة الحراك الشعبي في الانتقال الديمقراطي السلس».

وكانت السلطات الأمنية قد إعتقلت المجاهد في صفوف جيش التحرير الوطني لخضر بورقعة أواخر شهر يونيو (حزيران) الماضي بتهمة إضعاف معنويات الجيش، وذلك عقب وصفه المؤسسة العسكرية بالميليشيا، وخلفت طريقة اعتقال الرجل التسعيني الكثير من الجدل بعد أن خطفته قوات الأمن من أمام منزله، ولم تخبّر عائلته إلّا بعد ساعاتٍ من الاعتقال. 

ولم يسلم الإسلاميون من الاعتقالات، إذ شهد الأسبوعان الماضيان اعتقال العشرات من أنصار «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» بتهمة الإساءة للمؤسسة العسكرية، كما شنّت قوات الأمن حملةً ضد المتظاهرين الرافعين للراية الأمازيغية، بعد إعلان الفريق أحمد قايد صالح عن منع حمل الرايات غير الوطنية في المسيرات، وهو القرار الذي خلّف عشرات المعتقلين.

هل جعل الحراك الجزائر دولة بوليسية؟

فور انتهاء مسيرات الحراك الشعبي يوم الجمعة الماضية أصدر «المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان» بيانًا عبّر من خلاله عن تنديده بحملة الاعتقالات التي طالت نشطاءً في الحراك، وذكر بيان المرصد أنّ «السلطات الجزائرية اعتقلت أخيرًا عددًا من النشطاء السلميين في خطوة تشكّل صفعة قاسية لحرية التعبير في الجزائر». وأضاف المرصد أنّه وثّق حالات اعتقال طالت متظاهرين لمجرد رفعهم راية أو لافتة احتجاج، أو معارضتهم علنًا سياسات السلطة التي تولت مقاليد الحكم عقب استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في الثاني من أبريل (نيسان) الماضي.

وكانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» قد نددت بحملة الاعتقالات التي تشنها السلطات الأمنية بالجزائر، واعتبرت المنظمة أن تشديد السلطات الجزائرية الخناق على الحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر منذ 22 فبراير (شباط) الماضي من شأنه أن يسيئ لحرية التعبير بالجزائر داعيةً إلى إطلاق سراح معتقلين الرأي. 

ولا يزال حسب «هيومن رايتس ووتش» أكثر من 40 متظاهرً معتقل منذ 21 يونيو، يقبعون في السجون في انتظار محاكمتهم بتهمة المساس بسلامة وحدة والوطن، وذلك بعد رفعهم الراية الأمازيغية، وهي تهمة تعاقب بالسجن 10 سنوات بموجب بموجب المادة 79 من قانون العقوبات الجزائري.

وكان المحامي مصطفى بوشاشي أحد النشطاء البارزين في الحراك قد ندد بسلسلة الاعتقالات في صفوف المتظاهرين والتي كان آخرها اعتقال الناشط سمير بلعربي، وقال في منشورٍ له على حسابه على «فيسبوك» «تستمر حملة الترهيب والاعتقالات ضد نشطاء الحراك، فبعد أن مست عملية الاعتقال مجموعة من شباب الحراك يوم الجمعة، تعرض المناضل والناشط السياسي سمير بلعربي ظهر يوم الاثنين إلى الاعتقال من طرف أشخاص بالزي المدني يدعون أنهم من الأمن».

بدوره طالب المحامي والناشط السياسي مقران آيت العربي، السلطة المختصة بإيقاف حملات الاعتقال بين صفوف نشطاء الحراك، قائلًا: «كمحامي المعتقلين، ومناضل حقوق الإنسان، أطالب السلطات المختصة بإيقاف حملة الاعتقالات بسبب الرأي، والإفراج عن جميع سجناء الرأي. فالأزمات تعالج بالحكمة، وليس بالسجون».

ومنذ انطلاق الحراك الشعبي بالجزائر في 22 فبراير الماضي، اعتقلت السلطات الجزائرية عشرات المتظاهرين، وتم إصدار الحكم على غالبيتهم في وقتٍ ينتظر فيه البعض أحكامًا قد تصل إلى السجن نحو 10 سنوات، وهو الأمر الذي دفع الجزائريين إلى التخوف من تحوّل الجزائر إلى دولة بوليسية.

كيف يمد الجيش الجزائري «أذرعه» للسيطرة على الحياة المدنية بعد رحيل بوتفليقة؟

المصادر

تحميل المزيد