يسميه البعض "الفن البيئي" الذي تتحوّل فيه أدوات القتال المستهلكة إلى أعمال فنية ذات جمالية عالية، وبغض النظر عن التسمية يبقى الهدف هو الأهم، إذ أراد المقبلون على هذا العمل إيصال رسالة واحدة وهي أنهم قادرون على تحويل أدوات القتل إلى أعمال إبداعية، فالفن التشكيلي أصبح ينساق وراء الظروف في الوطن العربي ليعبر بأدواته عن تجارب المنكوبين واللاجئين والثكالى.

SYRIA-CONFLICT-ARTدولة عربية وراء أخرى، يجمع فنانوها التشكيليون والنحاتون وحتى المواطنون العاديون بقايا الأسلحة من قذائف وصورايخ ورصاص، ليحولوا أدوات الجريمة إلى زهرية للورود، إلى عقد نسائي، إلى لوحة أو مجسم فني متكامل.

يسميه البعض “الفن البيئي” الذي تتحوّل فيه أدوات القتال المستهلكة إلى أعمال فنية ذات جمالية عالية، وبغض النظر عن التسمية يبقى الهدف هو الأهم، إذ أراد المُقبِلون على هذا العمل إيصال رسالة واحدة وهي أنهم قادرون على تحويل أدوات القتل إلى أعمال إبداعية، فالفن التشكيلي أصبح ينساق وراء الظروف في الوطن العربي ليعبر بأدواته عن تجارب المنكوبين واللاجئين والثكالى.

سوريا

SYRIA-CONFLICT-ARTسوريا واحدة من أكثر المناطق التي يُلقى على مدنييها الآن شتى أنواع الأسلحة، تلك الأسلحة التي خلفت آلاف الشهداء السوريين، وخلفت الكثير من الآلام التي لا يمكن حصرها، لذلك كانت من أحق المناطق في فن بقايا الأسلحة.

الرسام السوري أكرم سويدان لحق بركب التشكيليين العرب الذين قاموا بتحويل شظايا القذائف والأسلحة إلى تحف فنية تحكي واقع الألم الذي خلفته الحرب في سوريا، فمع بدء الثورة ورغم مشاركة سويدان فيها إلا أنه لم يكتفِ بتلك المشاركة وأراد تقديم المزيد، فقرر العمل على توثيق معاناة شعبه بالفن، مستغلا موهبته لخلق فنّ ثوري معاصر يوثّق هذه المعاناة.

يعلم سويدان أن الخطر محدق به وهو يجمع بقايا الأسلحة، فعليه أن يتأكد من تفريغ الصواريخ قبل استخدامها، كما أن عملية تنظيف الأسلحة المستخدمة تقتضي وجود أشخاص متخصصين للقيام بذلك، يقول سويدان: “أردت أن أقول إننا لسنا إرهابيين. في داخل كل واحد منا طفل وفنان وعاشق وعامل…”.

وكان لجيل الثورة السورية المزيد من العطاء في مجال الفن الذي يخدم قضيتهم، فقد انطلق شباب “داريا” الواقعة بريف دمشق نحو البيوت المدمرة بهدف تزيينها بالرسومات، قرروا أن يرسموا بألوان الفرح على الجدران المدمرة بهدف لفت الأنظار لمعاناة السوريين، وحتى في مناطق اللجوء سعى السوريون للعمل على أفكار “البقايا” و”الأجزاء” و”الحياة المحطمة”، فقد شارك حوالي 200 لاجئ في الرسم على ثلاث خيام تابعة لمفوضية اللاجئين، “بهدف تشجيع اللاجئين على التعبير عن مشاعرهم من خلال الرسم أو كتابة الشعر أو أي وسيلة فنية أخرى تخطر في بالهم لتجسيد المواضيع الواسعة التي أُعطيت لهم والتي تتمحور حول الأمل والذكريات وتأثير الحرب على العائلات”.

العراق

التشكيلي العراقي وسام الفراتي

واحد من أكثر مناطق العالم انتشارًا للأسلحة منذ عقود، هو “العراق” الذي يعج بأسلحة قديمة من عهد الرئيس السابق صدام حسين، وأسلحة حديثة جلبتها الأطراف المتنازعة الآن في البلاد.

فكما في الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) دخلت الأسلحة أو بقاياها إلى بيوت العراقيين، وأخذ العراقيون يحولونها إلى قطع فنية جاءت ردة فعل ضد الحرب من جهة، الآن يأخذ الفنان التشكيلي العراقي وسام الفراتي باستكمال المهمة، يحصل على خوذة جندي ومعول عسكري لحفر الخنادق ثم يقدم عملًا فنيًّا راقيًا من هذه الأدوات.

يقول الفراتي، وهو من أبرز تشكيليّي العراق الذين استخدموا مؤخرًا بقايا القذائف والأسلحة في العمل الفني التشكيلي: “دخلت إلى الساحة التشكيلية من خلال فن (اليازم)، أو الرسم بالأسلاك، وهو فن جديد اعتمدته للظهور في هذا المجال الواسع، وجعلت من الحزن منطلقًا أحيي فيه الأمل بالوصول إلى السعادة من خلال الإبداع، وعملت على إقامة معارضي الفنية من خلال التجوال بلوحاتي في مناطق العاصمة الحبيبة بغداد، في معارضها وعلى جدران شوارعها”.

وأضاف الفراتي: “كنت أفكر كثيرًا في كيفية محاربة أعداء السلام، عن طريق السلام نفسه، فقررت أن أصنع من أدوات الموت والحرب آلات للسلام والمحبة، فعملت على ابتكار وصناعة آلات موسيقية من أدوات الحرب، فبدأت بصناعة آلتين موسيقيتين من مواد الحرب والقتال؛ عن طريق خوذة جندي، ومعول يستعمله الجنود في حفر الخنادق في الحروب”.

ليبيا

أحد أعمال الفنان علي الوكواك

لم تكن ليبيا بعيدة عن ثورات الربيع العربي، فقد ذاق هذا البلد الكثير من الآلام بسبب النزاع المسلح القائم الآن بين أكثر من جبهة على الأراضي الليبية.

لذلك في ليبيا أيضًا كان هناك من جمع بقايا القذائف والأسلحة بهدف تقديم شيء فني، أبرز أولئك كان الفنان علي الوكواك، قام هذا النحات التشكيلي الليبي بإعادة تدوير المخلفات من الحرب، سافر من أجل جمع ما يريد إلى جبهة البريقة، لأن الذخيرة والصواريخ توافرت هناك كون المنطقة دخلت في القتال.

استخدم الوكواك صواريخ وقنابل ورصاصًا وخوذات البالية بهدف إبراز علاقة الصلابة التي تميز المعدن والخشونة في ملمس الصدأ، استخدم تلك الأدوات الحربية في تشكيل أكثر من 700 منحوتة يفوق طول بعضها 18 مترًا، يقول الوكواك: “إن الذخيرة التي جاء بها القذافي لتدمير بنغازي كبيرة، وعلى هذا الأساس فكرت في تحويلها إلى أشكال جمالية، استخدمت في عملي حوالي عشرة آلاف ظرف فارغ”، يضيف النحات الذي اشتهر بنحت لحاء النخيل وتجسيمه بإبداع.

فلسطين

لوحة من معرض شيك – فن – مقاومة

ربما كان الفلسطينيون من أوائل من استخدم مخلفات العدوان الإسرائيلي من شظايا الصواريخ والقنابل والرصاص في الأعمال الفنية التشكيلية، فقد بحث التشكيليون بين أنقاض البيوت الفقيرة عن بقايا القذائف والصواريخ لاقتناعهم بضرورة تخليد تلك المعاناة فنيًا.

الفنان التشكيلي حازم الزمّر جال مباشرة بعد انتهاء العدوان الأخير على غزة بين البيوت المدمرة في خزاعة، عبسان، تل السلطان، حي الجنينة، الزنة، غزة. كان هدفه جمع قطع وبقايا من ركامها من ألعاب أطفال أو ألواح الإسبست أو الحديد أو أثاث المنازل، كان يختار القطعة المناسبة من هذه البقايا ليرسم عليها صورًا من أفراد العائلة الذين استشهدوا على قطعة إسبست مثلا، ثم يرسم أجنحةً لأفراد تلك العائلة، وذلك ضمن مبادرة ترعاها مؤسسة تامر الفلسطينية أطلق عليها “ذكريات”.

أما الفلسطيني حسام الضابوس، فقد فضل التركيز على بقايا صواريخ وقذائف إسرائيلية لإعادة تدويرها وترميمها بشكل فني، جاءت الفكرة للرجل عندما أراد الاحتفاظ بصاروخين ذكرى، لكن ردة الفعل من منظر الأسلحة دفعته لتجميل الصاروخ الفارغ، يقول: “أردت أن أحتفظ بهما ليراهما أطفالي حين يكبرون وأخبرهم أنهما من مخلفات حرب 2014 التي قتلت أكثر من ألفي شخص، وكيف حولتُ القتل إلى حياة بعمل مزهرية من هذه الصواريخ”.

أما في شطر الوطن الآخر، فقد أقيم في مدينة رام الله معرض “شيك – فن – مقاومة”، احتوى هذا المعرض على لوحات من بقايا الذخيرة والأدوات التي استخدمها جنود الاحتلال في قمع الشباب الفلسطيني المتظاهر الآن، فقد سارع كل من الفنانين سامي موسى ومحمد الخطيب إلى أماكن المواجهات، قاما بجمع بقايا الأسلاكِ الشائكة وبقايا الذخيرة، وأيضا أدوات الشباب الفلسطيني المستخدمة في المقاومة كالحجر والمقلاع، ثم قاما بإعادة تدوير هذه المخلفات في لوحات ثلاثيةِ الأبعاد، يقول الفنان محمد الخطيب: “إنهم كانوا مصرّين على دمج المقاومة مع الفن، وذلك بتحويل أدوات القتل إلى أدوات تعطي تفاؤلًا وحبًّا للحياة”.

لبنان

من أعمال الفنان اللبناني شارل نصار

“لبنان” كان لها نصيب أيضًا من الأعمال الفنية التي استخدم فيها بقايا الصواريخ والقذائف، فحول فنانها الشظايا إلى تحف فنية، وحولوا الصورايخ الفارغة إلى أعمال تشكيلية ضخمة.

أبرز من قام على عمل فني كذلك، هو الفنان اللبناني شارل نصار- 41 عامًا -، نصار الذي كانت هوايته تجميع الحديد في الطفولة لكون والده حدادًا ولحبه لهذه المهنة، ورثته الحرب الأهلية نظرة أخرى لاستخدام الحديد وتشكيله فنيًا، إذ دفعته رغبته في الانتقام بطريقة حضارية من الحرب إلى هذا العمل كما يقول، خاصة أنه وجد نفسه أمامه الكثير من بقايا الأسلحة وشظاياها فلمعت فكرة تحويل هذه الشظايا إلى أعمال فنية، ليسارع إلى تحويل كل ما يقع بين يده إلى لوحات فنية مختلفة.

وبرز نشاط نصار الفني بعد الحرب الأخيرة في لبنان، إذ ذهب إلى مناطق التماس في الجنوب إلى بيروت والشمال، وكان هدفه تحويل فكرة الموت إلى فرح. يقول نصار: “عندما تكون الشظايا بين يدي أنسى أنها نتاج الحرب والدمار. أقوم بتحويل طبيعتها القاتلة إلى حياة، بهذه الطريقة أضع عدوي في منزلي وأحبه”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد