جرى الحديث في الآونة الأخيرة عن «محاربة التطرف من خلال الفن»، طريقة لإبعاد الشباب عن الفكر الجهادي، ولا سيما بعد أن تبيَّن هجرة الآلاف من الشباب من مختلف الجنسيات والأصول الاجتماعية والتعليمية إلى بؤر الصراع في سوريا وليبيا، إذ انضم معظمهم إلى تنظيمي «داعش» (تنظيم الدولة الإسلامية)، و«القاعدة» (جبهة تحرير الشام).

يفسِّر القائمون على هذه الحملات ذلك بجدوى نشر ثقافة الفن في محاصرة  «التطرف» داخل عقول الشباب، في الحقيقة يظهر أن الفنانين هم الأقل استجابةً لجاذبية رؤية «تنظيم الدولة» الدينية، إذ من النادر أن ينضم أحد الفنانين إلى تنظيم جهادي، في حين استطاع أن يستقطب المئات من المهندسين والأطباء والحرفيين والرياضيين، فما هو إذن سر مناعة الفنانين تجاه الفكر الجهادي؟

مقاتلو «داعش» درسوا العلوم ولم يدرسوا الفنون

قليلٌ هي الدراسات الميدانية التي تطلعنا على داخل تنظيم «الدولة الإسلامية» بعمق، نظرًا للرقابة الشديدة التي يغلف بها التنظيم حدود منظومته الجهادية، لكن في السنتين الأخيرتين تم جمع معطيات مهمة حول طبيعة هيكلة التنظيم، إمَّا من خلال المقاتلين المنشقين والمأسورين، أو بالعثور على معطيات خاصة بعد تحرير مناطق تسيطر عليها «داعش»، علاوة على العمليات الغائرة التي تقوم بها القوات الخاصة الأمريكية.

كانت من بين هذه المعطيات المهمة، المعلومات التي جاءت في دراسة عن كلية واست بوينت العسكرية الأمريكية، تحت عنوان «القوى العاملة العالمية لدولة الخلافة»، تناولت أصول الآلاف من المقاتلين الأجانب الملتحقين بتنظيم الدولة.

وأظهرت الدراسة أن للمقاتلين خلفيات تعليمية مختلفة، إذ إن نصفهم درسوا في المعاهد الثانوية أو في الجامعة، وحسب تحليل لدييجو جامبيتا يعود لعام 2007 ذكر في وثيقة نشرت من قبل المجلس الثقافي البريطاني، بعنوان «تحصين العقل»، فإن %44 من هؤلاء حصلوا على شهادات في الهندسة، بينما بلغت تلك النسبة 59% بين الجهاديين المجندين في الغرب، في حين لم تذكر أي نسبة عن الفنَّانين.

وفي دراسة أخرى، أنجزها «مركز الدراسات الدينية والجغرافيا السياسية»، تحت عنوان «معالم التّشدُّد»، تناولت حياة أهم مائة شخصية من الجهاديين الإسلاميين خلال السنوات الثلاثين الماضية، أوضحت أن %46 من القادة الجهاديين قد درسوا في الجامعة، وأن %57 من هؤلاء درسوا شعب علمية مثل الهندسة والطب والتقنية. في حين وصلت نسبة المتحصلين على شهادات أكاديمية في علوم الشريعة حدود %18 بالنسبة للمنظرين، بينما القادة الجهاديون الذين درسوا العلوم الإنسانية والاجتماعية يمثلون %11 منهم فقط، أما الذين درسوا الفن فقد كانت النسبة %0.

بيَّنت هذه الدراسات غياب الفنانين بشكلٍ مثير للدهشة عن هياكل اليد العاملة لدى تنظيم الدولة، سواء على مستوى القادة أوالمقاتلين، بعكس الدارسين للعلوم البحتة، لكن توجد بعض الحالات النادرة، لمتعاطين للفن (وليس متخرجين من مدارس فنية) انضموا إلى «داعش»، منهم مغني الراب الألماني دينيس كسبرت، ومغني الراب البريطاني من أصل مصري، عبد المجيد عبد الباري،  ومغنّي الراب التونسي مروان الدويري المعروف باسم «إيمونو»، ومغني الراب الأمريكي دوغلاس ماكاين.

غير أنه من الواضح، أن هؤلاء المتعاطين المعدودين قدموا مما يسمى بـ«فن الشوارع»، الذي عادة ما ينهل قاموسه من العنف والشارع، وكان المغني فضل شاكر قد أثيرت حوله شبهات بالتحاقه إلى أحد التنظيمات الجهادية، بعد إعلان اعتزاله الفن ونزوعه نحو جماعات جهاديَّة، إلا أنه عاد في بداية 2016، لينفي انضمامه إلى «داعش» أو «جبهة النصرة»، وأعلن من جديد عودته لميدان الفن.

«داعش» يكره الفن

يعتبر تنظيم «داعش» الفن جزءًا لا ينتمي لدولته المعلنة، إذ قام بحذف المقررات الفنية من المدارس الواقعة تحت سيطرته، ويمنع كافة أشكال الفنون بالحواضن الاجتماعية التي يديرها، من غناء وموسيقى ورسم ناهيك عن الرقص والمسارح والسينما والنحت، ويجلد في الساحات العامة، كل من يستمع للغناء أو الموسيقى، أما الذين يتجرؤون على ممارسة شكل من الفن فسيكون مصيرهم القتل حتمًا.

لا يكتفي «تنظيم الدولة» بإخراس أصوات الفن فقط، بل خاض حربًا ضروسًا ضد الإرث الفني التاريخي في سوريا، ودمر كافة الآثار الفنية والمتاحف التي وقعت في يده بتدمر، التي كان من بينها المسرح الروماني الشهير.

ليست غريبة على التنظيم، عداوته القطعية تجاه الفن بكافة أشكاله، بالنظر إلى موقع الفن في أيديولوجيته الجهادية، فيعتبر الفن «محرمًا» في التراث الديني المتداول، كما تؤكد ذلك مواقع الفتاوى الدينية، خاصة منه الموسيقى والرقص والنحت.

بالتالي فإن الفنانين هم أناس منبوذون أصلًا من قبل تنظيم الدولة، ولا يمكن انضمامهم إليه إلا إذا أعلنوا توبتهم من الفن، مع العلم أن الفنانين هم أبعد الناس عن الدائرة الأيديولوجية لتنظيم الدولة، التي قد تدفعهم للتعاطف معه أو مشاركته بعض الأفكار، أو بالأحرى أن يلتحقوا به.

وعلى الرغم من أن هناك ديكتاتوريات تتمتَّع بأنشطة الفن، وتسمح بممارسته في الحدود التي لا يضيرها، مثل نازية هتلر أو شيوعية ستالين، إلا أن ما يميز تنظيم «الدولة الإسلامية»، أنه بطبيعته معادٍ للفنّ بشكلٍ عام وليس فقط التعبيرات التي قد تخدش سيطرته، إذ بؤرته الفكرية تقصي الفن تمامًا من دائرته، فيستهدفه باستمرار، فكاره الفن، كما قال ميلان كونديرا: «لا يحيا بسلام ، إذ يشعر بأن وجود شيء لا يفهمه يهينه».

الفنّ.. نقيض الفكر الجهادي

يعرف الفن بأنه شكلٌ من أشكال الوعي الاجتماعي والنشاط الإنساني، يعكس الواقع في صور فنية تبرز معاني ومشاعر إنسانية، هدفها تلبية حاجة الإنسان للجمال. ولأنّ الفن يختزن في لبِّه خصائص متجذِّرة مناقضة تمامًا للرؤية الدينية التي ينظر بها «داعش» للعالم والحياة، فإن الممارسين والدارسين للفن يكتسبون مناعة قوية ضد الفكر السلفي بشكل عام، ما يمنع استقطابهم لمثل هذه التنظيمات، نجملها في ثلاث خصائص.

الجمال

لا يوجد فنّ غير جميل، فالجمال سمة متأصلة في الفن، وإلا لما كان فنًّا، والحاجة الجمالية للإنسان هي أصل وجود الفن، كما يقول كانط، الذي يرى أن الفنّ يهدف للجمال ذاته، نتذوقه من خلال ما يسميه  «الخيال الحر الخاص بنا»، ولذلك الفنون تبعث فينا الأمل والارتياح والبهجة والنشوة، ونعرف أننا أمام قيمة جمالية رائعة، أو بعبارة الفيلسوف جدانمر فـ«العمل الفني يقدم المثال للمتعة الحرة المنزهة عن الغرض»، وبالتالي يصبح الفن، كما أشار رابندراناث طاغور: «مماثلًا للحب في كونه غير قابل للتفسير».

في حين أن قيمة الجمال هي آخر ما يمكن أن تبحث عنه في بوتقة «تنظيم الدولة»، التي تتسم ممارساتها على الواقع، ورؤيتها للحياة والعالم بـ«القبح» والفظاظة، كنقيض للجمال، فالجمال كقيمة فنية ليس مطلوبًا بالنسبة لكافة التنظيمات الجهاديَّة، ومنه الفن ليس مدعوًا في ساحات الرقة والموصل، بل على العكس يتم تدمير كل مظاهر الجمال، من منحوتات ومسارح وآثار.


الحرية

هناك علاقة طردية بين الفن والحرية، فكلما توسع نطاق الحرية، ازدهر الفن والعكس صحيح، إذ إنّ الفن لا ينمو إلا في مناخ الحرية، وكان مطلب الحق في تنظيم معارض حرة لأعمال فنية، أحد المطالب المهمة أثناء الثورة الفرنسية، فكان من البديهي اليوم أن تحتل بلدان الديمقراطيات الحرة الريادة في كافة أشكال الفنون، من رقص، وسينما، ومعارض رسم، ومتاحف نحت، وموسيقى، وغير ذلك من الفنون. إذ يجد الفنانون بها حريتهم التامة للتعبير والإبداع. وبمجرد وضع قيود على الفن تضيع قيمته الجمالية؛ لأنه لا ينتعش إلا في أجواء الحرية.

وبالمقابل، فالديكتاتوريات تضطهد الفن وتضيِّق الخناق عليه، لكن الأسوأ من ذلك، هي التنظيمات الجهادية المماثلة لداعش، التي تضيف لرقابتها الشديدة في كل تفاصيل الحياة العامة والشخصية للأفراد الذين يعيشون تحت سيطرتها، منعها للفن بشكل تام، كنشاط محظور داخل منظومتها للحياة.

النسبية

يقول بيكاسو: «إننا نعرف جميعًا أن الفنّ ليس الحقيقة، إنه كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة»، إذ إن الفن يختلف عن العلوم فهو لا يبحث عن الحقيقة الواحدة، أو الصواب والخطأ، إنه ببساطة مجرد تعبير عن مكنونات الفنان المتفاعل مع الواقع، الذي ينتج لنا شكلًا فنيًّا متداخل الحدود، فلا وجود للحقيقة المطلقة أو للقواعد الثابتة، بل إنه يخرق طريقتنا النمطية للنظر إلى الموضوعات، فكما يقول بيكاسو: «الفنان هو من يتقن القواعد ثم يكسرها بفنّه»، ومنه فالنسبيّة صفة متأصلة في الفن.

وبما أن العلوم، مثلما يذكر مارتن روز، مستشار المجلس الثقافي البريطاني في شئون منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تدرس عادة بثقافة تعتمد على طريقة الصواب والخطأ، أو الحقّ والباطل، دون مهارات نقدية، فإن طلاب العلوم هم الأكثر تقاربًا مع الفكر الجهادي، القائم على الحقيقة الواحدة المطلقة النقيضة للباطل المطلق، بينما الفن هو أصلًا ساحة مفتوحة للنقد والتذوق، فلن تصبح فنانًا إذا لم تتعلم تقبُّل النقد، بتعبير الموسيقار ياني.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد