مع توقف ذهاب أكثر من 850 مليون طفل في جميع أنحاء العالم عن الذهاب إلى المدرسة في إطار محاولات العالم لمنع انتشار وباء «كورونا» الجديد «كوفيد-19»، يقول أنصار التكنولوجيا: الآن أن الوقت قد حان للتعليم عن بعد عبر الاستعانة بالذكاء الاصطناعي. لكن في المقابل آخرين يقولون: إنه مع نمو قوة التكنولوجيا، تتزايد أيضًا المخاطر التي تأتي معها.

بالنسبة لاستخدام الذكاء الاصطناعي فهو فكرة يقبع على تطويرها العلماء والباحثون والكثير من الشركات بالفعل، ومع مرور الوقت تكتسب الفكرة زخمًا أكبر، حتى وصلنا إلى مرحلة وباء «كورونا»، واضطرار الملايين من الطلبة إلى الجلوس في منازلهم، وتلقي دروسهم عن بعد. لكن فكرة تلقي الدروس عبر الإنترنت أو التلفاز بشكل مؤقت ليست هي محور حديثنا هنا، بل نذهب لما هو أبعد من ذلك عبر الحديث عن استخدام نظم تكنولوجية تعتمد على الذكاء الاصطناعي للتعليم بشكل متكامل. هذا الأمر يجري تطبيقه في عدد من دول العالم بالفعل، مثل: الهند، والصين، والولايات المتحدة.

شركات التعليم الذكي

ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الشركات التعليمية التي تقدم دروسًا بشكل جزئي من قبل البشر، ولكن في الغالب تقدم الدروس عن طريق الأجهزة الذكية. يتحدث بعض رجال الأعمال حول العالم الآن حول قوة التعلم عبر الإنترنت، والتي يقولون إنها ستغير التعليم كما نعرفه. هؤلاء، تتدفق بالفعل الكثير من الأموال تجاههم. تروج مختلف برامج التعلم عبر الإنترنت الأخرى لقدرتها على الوصول إلى الطلاب بطرق لا يمكنهم الوصول إليها تمامًا في الفصل الدراسي التقليدي.

في وادي السليكون، حاولت شركات مثل «Knewton» و«Alt School» جعل عملية التعليم عبر أجهزة الكمبيوتر اللوحية شخصية، بمعنى أن تكون موجهة لكل طالب بذاته، وبشكل مخصص له. وفي الهند، يوجد تطبيق يسمى Byju’s، وهو تطبيق تعليمي وصلت قيمته الآن 6 مليارات دولار، وقد حصل على دعم من شركة «فيسبوك» ومن عملاق الإنترنت الصيني «Tencent»، وأشارت إحصاءات إلى زيادة 60% في عدد مستخدميه بعد أن جعل المنصة مجانية في ظل أجواء «كورونا». وإذا انتقلنا إلى أوروبا، هناك شركة «Century Tech» البريطانية التي وقعت على صفقة لنشر منصة تعليم ذكية في 700 مدرسة بلجيكية، وعشرات من المدارس الأخرى في جميع أنحاء المملكة المتحدة بعد أزمة «كورونا».

حسنًا، الآن جاء وقت الاختبار الحقيقي لما قوله هذه الشركات بعدما انتشر فيروس «كورونا» الجديد، والذي جعل هناك قرابة 850 مليون طفل في جميع أنحاء العالم، اعتبارًا من مارس (آذار) 2020، دون مدارس يذهبون إليها بعد إغلاقها لمحاربة انتشار الوباء. الآن أصبح العالم في خضم تجربة غير مسبوقة ستظهر مدى فعالية التعلم عبر الإنترنت.

ماذا يعني تحديدًا أن يعلمك الذكاء الاصطناعي لا معلم المدرسة؟

لنأخذ مثال شركة «Squirrel AI learning» في مدينة شنجهاي الصينية. هناك يمكنك أن تبدأ في أخذ بعض الدورات المهمة، مثل دراسة اللغة الإنجليزية، عبر اختبار تشخيصي. تقوم بتسجيل الدخول إلى منصة «Squirrel AI» على جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بك، ثم تجيب على سلسلة من الأسئلة المصممة لتقييم مدى إتقانك لأكثر من 10 آلاف نقطة معرفية مرتبطة بالإنجليزية. بناءً على إجاباتك، يتقوم منصة «Squirrel AI» المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في تكوين «خريطة تعلم» دقيقة ملائمة لك، والتي ستحدد النصوص التي ستقرأها، ومقاطع الفيديو التي ستراها، والاختبارات التي ستجريها على المنصة حتى تصل إلى هدفك بإتقان الإنجليزية.

يمكنك أن تسير في هذه الدورة التعليمية مع مساعدة عرضية من معلم بشري، أو – وهذا هو المهم – من خلال المئات من المعلمين الذين يمكن الوصول إليهم عبر رابط فيديو يربطك بالمقر الرئيس للشركة في مدينة شنجهاي. يرى بعض الطلاب الذين أخذوا دورات بهذه الطريقة أنهم كانوا أقل تشتيتًا مما كان عليه الأمر في المدرسة. من السهل التركيز على مثل هذه الأنظمة كونها أجهزة وليست بشرًا.

جاءت فكرة «Squirrel AI learning»، حيث هناك معضلة حقيقية في الحصول على معلمين جيدين يمكنهم تحسين تقدم الطلبة وتقديم المحتوى العلمي بأبسط الطرق. لذلك قرر مؤسس الشركة أن الحل هو «التعلم التكيفي»، إذ يقوم نظام ذكي قائم على الكمبيوتر بتعديل نفسه تلقائيًا لأفضل طريقة للمتعلم بشكل شخصي وفردي، أي نظام التعليم الذي يفصل نفسه على حسب الشخص المتعلم.

إلى أي حد يمكن الثقة في الذكاء الاصطناعي

حلم التعليم المثالي الذي تقدمه الآلة ليس بالجديد. فقد تنبأ البعض بدور الإذاعة والتلفزيون وأجهزة الكمبيوتر والإنترنت في التعليم، ولكن على الرغم من النجاحات الصغيرة – مثل الجامعة المفتوحة أو أكاديمية خان التي تصل إلى ملايين الطلاب من خلال دروسها على «يوتيوب» – استمر المعلمون في التدريس، واستمر المتعلموت في التعلم بالطريقة ذاتها.

هناك سببان وراء ثقة المبشرين في المجال التقني اليوم بأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن ينجح في حين فشلت التقنيات الأخرى. أولًا إنهم لا ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي على أنه ابتكار بسيط، ولكن على أنه «تقنية للأغراض العامة»، أي أنه بمثابة اختراع تاريخي مثل اختراع المطبعة، والذي سيغير بشكل أساسي الطريقة التي نتعلمها. ثانيًا هم يعتقدون أن سلطاته ستسلط ضوءًا جديدًا على عمل الدماغ البشري، مثل كيفية نمو الخبرات عبر الممارسة المتكررة، أو كيف يمكن للتشابك (ترك الفجوات بين تعلم أجزاء مختلفة من المواد) أن يساعدنا في تحقيق الإتقان. ونتيجة لذلك سنكون قادرين على تصميم خوارزميات تكيفية لتحسين عملية التعلم.

تكنولوجيا

منذ 8 شهور
تفاحة مسمومة.. كيف يستفيد الطغاة من الذكاء الاصطناعي؟

يقترح خبراء التعليم قضاء الكثير من الوقت في التركيز على ما يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي بالفعل، بدلًا عن التكهن بما سيفعله في المستقبل في يوم من الأيام. تشير التقديرات إلى أن هناك 900 مليون شاب حول العالم اليوم ليسوا على المسار الصحيح لمعرفة ما يحتاجون إليه كي يتفوقوا ويتقدموا في حياتهم. لمساعدة هؤلاء لا يجب أن يكون تعليم الذكاء الاصطناعي مثاليًا، بل يحتاج فقط إلى تحسين طفيف على ما لديهم حاليًا.

يعتقد بعض الخبراء أنه في يوم من الأيام قد نرى شيئًا يشبه الساعة الذكية لقياس أنشطتنا وتدريباتنا الرياضية، ولكن هذه المرة للعقل، والتي تدعم الذكاء الاصطناعي، وتسمح لنا بإدراك ما يتعلمه الفرد في الوقت الفعلي، ومدى سرعة تعلمه. سيستخدم الجهاز مستشعرات لجمع البيانات التي تشكل خريطة دقيقة ومتطورة باستمرار لقدرات الشخص، والتي يمكن الرجوع إليها عند الحاجة. يقوم «فيسبوك» بالفعل بإجراء أبحاث في هذا المجال. وتقوم شركات أخرى بتجربة الخوذات التي تراقب موجات الدماغ لدى الأطفال.

إذًا ما التحديات التي تعيق تقدمه؟

ثورة التعليم المفترضة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لم تصل بعد، ومن المرجح أن تنهار غالبية المشاريع الأولية الحالية. على سبيل المثال، تم سحب «المعلم التكيفي» الخاص بشركة «آي بي إم»، والذي يطلق عليه «Knewton»، من المدارس الأمريكية تحت ضغط من الآباء الذين يساورهم القلق بشأن خصوصية أطفالهم، لكن إغلاق المدارس بسبب فيروس «كورونا» الجديد قد يخفف المواقف العامة من التعلم عبر الإنترنت، في وقت تقدم فيه العديد من شركات التعليم عبر الإنترنت منتجاتها مجانًا لجميع الأطفال خارج المدرسة.

من ناحية أخرى ليس من الضروري أن يضاهي الذكاء الاصطناعي الذكاء العام للبشر ليكون مفيدًا أو قويًا بالفعل. هذا هو الوعد الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي والخطر الذي يشكله في الوقت نفسه، فالعلماء يحذرون من أن سلوك الناس يتم التلاعب به بالفعل، فقد أثبتت الأجهزة التي قد تعزز عقولنا يومًا ما أنها مفيدة في تشكيل عقولنا، هذا أمر جيد ومخيف في نفس الوقت.

العام الماضي أطلق مجلس الدولة الصيني خطة للدور الذي يمكن أن يلعبه الذكاء الاصطناعي في مستقبل البلاد. كانت هناك مجموعة من المعتقدات التي يدعمها مثل أن الذكاء الاصطناعي يمكنه تنسيق المجتمع الصيني؛ ومن أجل القيام بذلك، يجب على الحكومة تخزين البيانات عن كل مواطن. في مجال التعليم، ودعا المجلس إلى أنظمة تعلم جديدة على الإنترنت تتكيف مع البيانات الضخمة، وبيئات ذكية شاملة في كل مكان، أو – بكلمات أخرى – المدارس الذكية.

عام 2018 فوجئ مجموعة من الطلاب في إحدى المدارس الصينية بوجود ثلاث كاميرات مثبتة حديثًا فوق السبورة. ليست مهمة الكاميرات مراقبة وجود الكلاب فقط، بل إن الطلبة أصبحوا لا يجرأون على تشتت انتباههم أثناء الخصص لأن نظام الكاميرات يمكنه قراءة سبع حالات من المشاعر على وجوه الطلاب: الحيادية، والاشمئزاز، والمفاجأة، والغضب، والخوف، والسعادة، والحزن. ويقوم النظام بتنبيه المدرس إذا كان بعض هؤلاء ليس في كامل تركيزه.

هذه صورة سلبية في نظر البعض لما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي فيه في التعليم. إذ يمكن للذكاء الاصطناعي المستخدم في التعليم جمع كميات غير مسبوقة من البيانات حول الأطفال. وبالتالي تظهر معضلة أخلاقية كبيرة بشكل متزايد، خصوصًا أن المدارس من الهند إلى الولايات المتحدة تقوم بتجربة مراقبة الوجه حاليًا. في المملكة المتحدة يستخدم الذكاء الاصطناعي اليوم لأشياء مثل مراقبة رفاهية الطلاب، وأتمتة التقييم، وحتى من أجل فحص المدارس. هذا يخاطر بظهور التحيزات، أو الأخطاء في النظام، ويثير مشكلات خصوصية واضحة.

لكن على الجانب الآخر يرى البعض أن نظامًا أساسيًا مثل نظام «Squirrel AI»، يمكن أن يعني نهاية الحاجة إلى اختبار القبول بالجامعات. فإذا قامت التكنولوجيا بتتبع الطالب طوال أيام دراسته، وتسجيل كل ضغطة مفتاح، ونقطة معرفة، وارتعاشة في الوجه، فإن السجل المثالي لقدراته سيتم حفظه في ملف متكامل يغنينا عن الحاجة لاختبار القدرات لأننا نعرفها مسبقًا.

ومع ذلك يمكن لنظام مثل هذا أن يزود الدولة الصينية – أو شركة تكنولوجيا أمريكية – بدفتر أبدي لكل خطوة في نمو الطفل. ليس من الصعب تخيل الاستخدامات القاتمة التي يمكن أن تستخدم فيها هذه المعلومات، على سبيل المثال: إذا تم استخدام سلوكك في المدرسة للحكم على مصداقيتك، أو توقع ما ستصبح عليه عند البلوغ.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد