قبل سنوات قليلة فقط كانت الترجمة الآلية المُقدمة على منصة «Google Translate» محط سخرية بين الناس لضحالتها، وعدم قدرتها على فهم النصوص جيدًا، لكن خلال السنتين الأخيرتين يبدو أن الترجمة الآلية حققت طفرة نوعية ملفتة للانتباه، سواء على منصة «جوجل»، أو «فيسبوك»، أو «مايكروسوفت»؛ إذ باتت الترجمة أفضل بكثير من السابق، وتقترب من الوصول إلى مستوى المترجمين المحترفين يومًا بعد يوم. فكيف حدث هذا التقدم المذهل في هذا الحقل الملغوم؟

كلمة السر في تطور ترجمة عمالقة التكنولوجيا

في عالم صار يشبه قرية صغيرة توشك شركات عمالقة التكنولوجيا على كسر آخر الحدود التي تفصل بين المجتمعات، وهي اللغة؛ إذ تتسابق فيما بينها للوصول إلى قمة الترجمة الآلية الفورية المحترفة، من أجل الظفر بسوق عالمية هائلة، تمتد من خدمات النصوص، والفيديو، والتواصل، إلى خدمات الترفيه، والتعلم الرقمي، والسياحة.

يرجع الفضل في هذا التقدم المذهل في الترجمة الآلية الآنية إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة؛ لتحسين الترجمة، والتعرف على الكلام؛ إذ يتم تطعيم أنظمة الذكاء الاصطناعي بكم هائل من البيانات، والنصوص المترجمة، ومن خلالها تتعلم أنظمة الذكاء كيفية الترجمة، وهو ما قاد إلى تحسن ملحوظ في جودة الترجمة الآلية ودقتها خلال السنوات الأخيرة، خاصة في اللغات الرائجة، ويستخدم كل من «جوجل» و«فيسبوك» و«مايكروسوفت» نظمًا مختلفة في معالجة اللغة الطبيعية، غير أن جميعها تحرز تقدمًا ملموسًا في مضمار الترجمة.

«جوجل»

تساعد منصة «Google Translate» اليوم ملايين الناس في الترجمة، وهي الخدمة المقدمة من قبل شركة «جوجل»، والتي وسعت نطاق اللغات إلى 104 لغة يمكن الترجمة فيما بينها، حتى أنها باتت توفر الآن ترجمة نصوص طويلة كاملة بشكل متسق وسلس كما يظهر للعيان.

أدخلت «جوجل» التعلم الآلي العميق في أنظمة الترجمة لديها منذ 2016، وهو ما حسَّن بشكل كبير جودة الترجمة على منصتها، ولاسيما على مستوى اللغات الأكثر شيوعًا؛ إذ ازداد متوسط ​​تحسن الجودة حوالي خمس نقاط على مقياس «BLEU (درجة تقييم ثنائي اللغة)» لأكثر من 100 لغة، حسب مدونة حديثة لفريق «Google AI».

رسم توضيحي لتطور تحسن الترجمة الآلية الخاصة بجوجل من 2006 إلى 2020

وقد لاحظ الباحثون في مختبر «جوجل» أنه لم يزل هناك مجال كبير لتحسين جودة الترجمة الآلية، حتى بالنسبة للغات ذات الموارد المحدودة؛ إذ لم تزل النماذج تكافح مع أوجه القصور في الترجمة الآلية، ومع ذلك – مع هذه التحديثات التي أحرزتها «جوجل» – توفر الأخيرة ترجمة آلية متسقة نوعًا ما، حتى على مستوى اللغات غير الشائعة.

بفضل هذه التطورات أصبحت «جوجل» تقدم ترجمات فيديو على موقعها «يوتيوب»، وأعلنت إطلاق سماعات الرأس اللاسلكية لترجمة المحادثات الحية في الوقت الفعلي، بالإضافة إلى إطلاق تطبيق «Google Lens» للواقع المعزز، حيث يمكن للطلاب والسائحين استخدام هواتفهم الذكية لمسح صفحة، أو علامة ما، أو حتى جملة مكتوبة بخط اليد، وترجمتها، والحصول على مزيد من المعلومات حولها عبر الإنترنت.

«فيسبوك»

حقق «فيسبوك» أيضًا تقدمًا كبيرًا في حقل الترجمة الآلية، وهي خدمة حيوية بالنسبة لعملاق التواصل الاجتماعي من أجل إتاحة قراءة المنشورات لكل المتصفحين من جميع أنحاء العالم، وبغض النظر عن انتماءاتهم الجغرافية أو اللغات التي يتقنونها، كما أنه يحتاج إلى تقنيات الترجمة الآلية من أجل مساعدة اللوغاريتمات في التعرف على المحتوى الضار وإزالته مهما كانت اللغة المكتوب بها.

«هذا المجال مهم جدًا لفيسبوك، ونعلم أن الترجمات المتزامنة في الوقت الفعلي ستكون ممكنة قريبًا»، كما يشرح الفرنسي يان لوكون، المدير العلمي لـ«فيسبوك» ورائد الذكاء الاصطناعي. ويقول «فيسبوك» إن الذكاء الاصطناعي الخاص به بات يولِّد حوالي 20 مليار ترجمة على الشبكة الاجتماعية يوميًا من مختلف اللغات، مقارنة بـ6 مليارات فقط عام 2019.

ويبدو أن «فيسبوك» يُحرز بالفعل اختراقات مذهلة في البرمجة اللغوية العصبية باستخدام تقنيات التعلم العميق في ميدان الترجمة؛ إذ احتل المركز الأول في عدة لغات، منها الترجمة الإنجليزية – الألمانية، في المؤتمر الرابع للترجمة الآلية. هذا السعي الحثيث لـ«فيسبوك» من أجل تحسين جودة الترجمة الآلية، جعله يعقد شراكات تعاون مع «جامعة نيويورك (NYU)»، ومؤسسة «DeepMind Technologies»، و«جامعة واشنطن (UW)».

«مايكروسوفت»

أما بالنسبة إلى «مايكروسوفت» فكانت سباقة في استخدم العديد من معالم الذكاء الاصطناعي في معالجة الكلام واللغة منذ سنين، وهي أول من حقق التكافؤ البشري في عدد من المهام المعيارية اللغوية المستخدمة على نطاق واسع، وتضاهي خدمة الترجمة «Microsoft Translator» الخاصة بـ«مايكروسوفت» نظيرتها المقدمة من «جوجل»، من ناحية جودة الترجمة.

ويواصل فريق «مايكروسوفت» البحثي تطوير جودة نماذج الكلام واللغة عبر مجموعة متنوعة من المشاريع البحثية، منها مشروع «Group Transcribe» لتحسين دقة الترجمة، وسرعتها، وفهم مراد المتحدث، ويتيح هذا التطبيق نسخ وترجمة عالية الجودة في الوقت الفعلي أثناء الاجتماعات، بحيث يمكن للمستخدمين أن يكونوا أكثر حضورًا وإنتاجية أثناء اللقاءات والمحادثات الشخصية، بدون الاضطرار إلى التدوين والترجمة، وبدل ذلك يمكنهم تركيز انتباههم على المحادثة نفسها، وبعدها من السهل مشاركة ونقل تلك الملاحظات المسجلة عبر التطبيق.

رغم التقدم.. تحديات لم تزل تواجه الترجمة الآلية

يمثل حقل الترجمة ميدانًا شائكًا ومحفوفًا بالغموض كما يخبرنا اللغويون، إذ إن اللغات تختلف فيما بينها بشكل كبير، سواء على مستوى قواعدها النحوية أو دلالاتها، ويزداد هذا الاختلاف تعقيدًا في السياقات المختلفة للتواصل، علاوة على الاختلافات الثقافية الكبيرة بين المجتمعات.

هذا يعني أن معاني الكلمات لا تتطابق بدقة عبر اللغات، كما أننا في العادة نوحي بما نريد أكثر مما نقوله عبر الكلمات، فعلى الرغم من أن اللغة تلعب دورًا مهمًا في التواصل، غالبًا ما يكون ما هو ضمني من خلال لغة الجسد، أو مخفي ما بين السطور، أكثر أهمية مما يقال حرفيًا بالكلمات.

بسبب هذه الصعوبات، حتى أنظمة الترجمة الآلية الأكثر تقدمًا اليوم لم تزل متخلفة عن الأداء البشري في جميع النواحي تقريبًا، مع ملاحظة التطور في اللغات الشائعة، والتي تتوفر على موارد بيانات وفيرة يتغذى بها الذكاء الاصطناعي تجعل من السهل تحسين القدرات الفنية من خلالها.

فيديو لموقع تيد حول طريقة عمل الترجمة الآلية – يمكن مشاهدته بكل اللغات.

ومع أن الذكاء الاصطناعي وأنظمة التعلم العميق قد حسَّنت بشكل مدهش جودة الترجمة الآلية، إلا أنها لم تزل محدودة عندما يتعلق الأمر بالنصوص الإبداعية والمحادثات الحية، أو عندما نترجم اللغات غير الرائجة، وبالنسبة لبعض اللغويين «لا تستطيع التكنولوجيا تغيير الطبيعة الأساسية للغات البشرية ودورها في الاتصال، بغض النظر عن التقدم الذي تحققه في الترجمة الآلية، أو التعرف على الكلام»، أما المختصون بالتقنية فهم يعتبرون الوصول إلى نقطة تماشي الترجمة الآلية مع الأداء البشري مسألة وقت فقط، في ظل تطور الذكاء الاصطناعي.

إذا ما صح السيناريو الأخير، فما هو مصير مستقبل عمل المترجمين المحترفين؟ وهل سنكون أصلًا في حاجة إلى تعلم لغات أخرى؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد