أسس صلاح الدين الأيوبي الدولة الأيوبية، ووحدها تحت راية الخلافة العباسية بعد قضائه على الخلافة الفاطمية في مصر، كما قاد العديد من الحملات ضد الصليبيين، واستعاد معظم الأراضي التي سيطروا عليها، وتمكن من تحرير القدس بعد 90 عامًا من الاحتلال الصليبي في معركة حطين.

كانت بدايات صلاح الدين ومشاركاته في الحملات ضد الصليبيين مع عمه أسد الدين شيركوه الذي منحه الخليفة الفاطمي وزارة مصر، وأغدق عليه أفضل الألقاب بعد قيادة ثلاث حملات على مصر. فمن هو أسد الدين شيركوه، وما هو دوره في حماية مصر من الصليبيين؟

رحلة شيركوه من أذربيجان إلى بلاد الشام

وُلد أسد الدين شيركوه في عام 1107م في قبيلة كردية في بلدة دوين في أذربيجان، أي أن أصوله غير عربية، ومثل معظم الأكراد كان يدين بالمذهب الشافعي السني. نشأ مع أخيه نجم الدين أيوب في تكريت، حيث كان أبوهما شادي بن مروان نقيبًا لقلعتها، فقد كانت تكريت تحت حكم مجاهد الدين بهروز حاكم بغداد وقائد شرطتها، ففوض شادي في حكمها لصالحه.

رسم لساحة مدينة دوين مسقط رأس بني أيوب.

رسم لساحة مدينة دوين مسقط رأس بني أيوب.

بعد وفاة شادي، تولى أيوب مكان أبيه، والتحق شيركوه بخدمة الجيش تحت قيادة حاكم بغداد مجاهد الدين بهروز. في تلك الأثناء، زحف الأمير عماد الدين زنكي أمير الموصل تجاه بغداد، ولكنه هزم، فلجأ إلى تكريت وطلب الملجأ، حيث قدم له أيوب المساعدة اللازمة له ولجنوده لعبور نهر دجلة إلى مقر حكمه في الموصل.

غضب بهروز لما فعله أيوب، لكنه لم يتخذ أي إجراء ضده، إلا بعد ست سنوات كاملة، ولكن لسبب آخر، فقد قتل أسد الدين شيركوه أحد الكتبة العاملين في خدمة بهروز، وحينما وصل إليه الخبر إلى بهروز في بغداد، أمر بأن يترك الأخان تكريت على الفور، فخرج أسد الدين شيركوه، ونجم الدين أيوب من تكريت في عام 1138م، وقررا التوجه معًا لخدمة نور الدين زنكي أمير الموصل، وفي الليلة ذاتها، وُلد يوسف بن أيوب، والذي عُرف فيما بعد باسم «صلاح الدين». وعرفانًا بما قدماه من قبل، أحسن عماد الدين زنكي استقبال الأخين، وجعل نجم الدين أيوب واليًا على حامية بعلبك.

ضعف الخلافة العباسية وبداية الحملات الصليبية

قامت الخلافة العباسية في عام 749م، واتخذت العراق مركزًا وعاصمةً للخلافة وإدارة البلاد، وأعلن الخليفة أن الدولة سوف تسير على «كتاب الله وسنة رسوله». واستمرت فترة الخلافة ما بين ازدهار وتراجع حتى سقوط الخلافة في عام 1258م.

خلال فترة الخلافة العباسية، انفصلت بعض الدول، من بينها الدولة الطولونية في مصر في عام 868م، وفي عام 910م، سيطرت الدولة الفاطمية على مصر. كذلك، سيطر السلاجقة الأتراك على بغداد في عام 1055م، واستعادت الخلافة العباسية قوتها على أيديهم، ولكن كانت الخلافة اسمية فقط، تكاد تنحصر في الدعاء للخليفة في الخطبة بالمساجد.

وكانت الدولة العباسية السنية على خلاف وعداء مع الدولة الفاطمية الشيعية، وكانت الدولة العباسية ذاتها مقسمة إلى إمارات كل منها مستقل بأمره، لا يربط بينهم إلا مسمى الخلافة التي تجمعهم، وبموت آخر ملوك السلاجقة ملك شاه في عام 1092م، تعالت في أوروبا دعوة لنصرة المسيح ضد المعتدين المسلمين، حتى نادى البابا أربانوس الثاني في عام 1095 دعوته لاسترداد بيت المقدس. بدأت الحروب الصليبية في عام 1096م، وتبعتها جموع أخرى في العام التالي، وحققوا العديد من الانتصارات حتى وصلوا إلى بيت المقدس واستولوا عليه، وجعلوه في يد الحاكم جودفري.

شيركوه يشارك في حملة تحرير أول إمارة صليبية

جاءت أول انتفاضة حقيقية ضد الصليبيين على يد الأمير الحاكم عماد الدين زنكي صاحب الموصل في عام 1144م، فقد دخل في نزاعات حربية مع الصليبيين في بلاد الشام، وتوج انتصاراته بهزيمتهم والاستيلاء على إمارة الرُها، وهي أولى الإمارات الصليبية التي أسسها الصليبيون في المشرق إبان حملتهم الأولى.

وكان أسد الدين شيركوه ضمن قوات الجيش يوم تحرير إمارة الرها، وذلك وفقًا لما جاء في بحث بعنوان «سيرة البطل أسد الدين شيركوه ودوره في ضم مصر إلى بلاد الشام» المنشور في العدد السادس لمجلة جامعة الإسراء للعلوم الإنسانية للباحث في التاريخ الإسلامي جمال أحمد أبو ريدة.

شيركوه قائدًا لجيوش نور الدين محمود

لما قُتِلَ زنكي، تمكن شيركوه من حماية المعسكر من الخلل الذي يتبع مقتل القائد عادةً، وعمل على حماية ولده نور الدين محمود وحراسته حتى وصل إلى حلب. ورث الابن الأكبر لعماد الدين سيف الدين غازي إمارة الموصل، بينما كانت إمارة حلب من نصيب الابن الثاني نور الدين محمود، واضطر نجم الدين أيوب إلى التخلي عن قلعة بعلبك لأمير دمشق مجير الدين أبق في عام 1154م، وهنالك، أصبح نجم الدين أيوب داخل المعسكر الدمشقي المعادي لنور الدين محمود، ولكن تمكن أيوب من جعل الدمشقيين يعينوه قائدًا لقواتهم الداخلية.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
بين هدايا الأقدار وحد السيف.. هكذا اعتلى صلاح الدين الأيوبي عرش مصر

وفي النهاية، تمكن نور الدين محمود من السيطرة على دمشق وضمها إلى إمرته دون قتال، فمنحه الخليفة العباسي لقب «الملك العادل» في عام 1154م. واستقر الحال بنجم الدين أيوب في خدمة نور الدين محمود زنكي، وأصبح أسد الدين شيركوه في مقدمة جيوشه، وضم إليه ابن أخيه صلاح الدين، وتولى تدريبه على فنون القتال.

الخلافات على الوزارة في مصر تمهد لحملات شيركوه

خلال هذه الفترة، كانت القوة في مصر بيد الوزراء، فقد كانوا يتحكمون بكل الأمور، إذ أصبحت الوزارة تفويضًا كاملًا، ولذا كانت مطمعًا للكثيرين ممن يريدون السيطرة وفرض النفوذ، كما أعطى هذا النظام فرصة للتدخل الخارجي في البلاد.

في عام 1164م، كان أبو شجاع السعدي الملقب بـ«شاور» وزيرًا على مصر للخليفة الفاطمي العاضد لدين الله، ولكن كان هناك من ينازعه على الوزارة وهو أمير عربي من صعيد مصر يسمى ضرغام، وحين انتصر ضرغام على شاور، التمس الأخير المساعدة من نور الدين محمود ضد ضرغام، ووعده بالكثير من المغريات في حال مساعده على استرجاع وزارة مصر، ومنها تحمل نفقات الحملة، وتقديم ثلث إيراد مصر جزية سنوية، وبقاء أسد الدين وعساكره في مصر.

ولما علم نور الدين، بأن ضرغام طلب العون من الصليبيين في الشام، لم يتوان في الإسراع والاستجابة لعرض شاور، وأرسل معه جيشًا بقيادة أسد الدين شيركوه الذي اصطحب معه ابن أخيه صلاح الدين.

أسد الدين شيركوه يبدأ حملاته الثلاثة إلى مصر

قاد شيركوه ثلاث حملات إلى مصر، كانت الأولى في عام 1164م لمساعدة شاور والتصدي لضرغام وأعوانه. تمكن شيركوه وجيشه من هزيمة ضرغام وقتله عند منطقة بلبيس، ثم ذهب إلى القاهرة. حينما اطمئن شاور للانتصار، نقض وعوده التي قطعها لنور الدين، ورفض أن يسدد تكاليف الحملة، وطلب من شيركوه العودة إلى بلاد الشام، وهنالك أرسل شيركوه ابن أخيه صلاح الدين مرة أخرى إلى بلبيس كي يحكم قبضته عليها وعلى منطقة الشرقية بأكملها لتكون رهنًا في يده.

تمثال صلاح الدين الأيوبي دمشق

تمثال صلاح الدين الأيوبي في دمشق

لم يقف شاور مكتوف اليدين، وإنما بعث إلى «عموري الأول» ملك بيت المقدس يستعين به لمواجهة جيش نور الدين الذي يقوده شيركوه. أجاب ملك بيت المقدس دعوة شاور، فقد كان يطمح إلى امتلاك مصر، وها قد جاءته الفرصة على طبق من ذهب.

وبينما كان جيش شيركوه يفتقر إلى المؤونة والمساندة، كان نور الدين يواصل فتوحاته وتقدمه في الشام، وهو ما دفع عموري الأول إلى طلب الصلح مع جيش شيركوه، كي يعود قبل أن تزداد توسعات نور الدين، ووضع شرطًا بخروج الجيشين من مصر، وهو ما قد حدث، وبقي شاور وزيرًا لمصر.

معركة البابين والحملة الثانية على مصر

بعد عامين، علم نور الدين أن الصليبيين ينوون غزو مصر، فاستجاب لدعوات شيركوه، وعزم على توجيه حملة إلى مصر في بدايات عام 1167م. واستقر جيش شيركوه عند البر الغربي لمدينة الجيزة، بينما مكث الجيش الآخر وحلفاؤه الذين بعثهم عموري الأول عند مدينة الفسطاط.

وعلى حين غرة، عبر جيش عموري إلى البر الغربي ناحية جيش شيركوه، مما اضطره إلى التقهقر على منطقة البابين في جنوب المنيا. نشبت معركة البابين بين الفريقين في أبريل (نيسان) عام 1167، وتمكن شيركوه من تحقيق الانتصار، ولكنه لم يتبع الجيش المتقهقر، بل آثر الذهاب إلى الإسكندرية لطلب النصرة والمؤونة من أهلها، وتمكن من دخولها بمساعدة أهلها.

ترك شيركوه ابن أخيه صلاح الدين مع نصف الجيش في الإسكندرية، وعاد إلى الصعيد مصطحبًا النصف الآخر لمواصلة الفتوحات. في تلك الأثناء، ذهب جيش الصليبيين إلى الإسكندرية لحصار صلاح الدين ومن معه، واستمر الحصار لمدة شهرين ونصف. حينما وصلت الأخبار إلى شيركوه في الصعيد، ذهب شمالًا إلى القاهرة، وحاصرها.

حينما علم عموري بأمر الحصار، اتفق مع شيركوه بخروج الطرفين من مصر، وأن يأخذ شيركوه ما جمعه من أموال وغنائم ويزيد عليهم مبلغًا آخر من المال، وبقيت الوزارة لشاور مرة أخرى. لم يفِ الصليبيون بالوعد الذي قطعوه مع شيركوه، فتركوا حراسًا لهم على أبواب القاهرة، كما اتفقوا مع شاور بأخذ جزية سنوية من إيرادات مصر.

الحملة الثالثة على مصر ونهاية شاور

لم تتوقف طموحات الصليبيين عند هذا الحد، فتطلعوا إلى ملك مصر، ونقضوا عهدهم مع شيركوه، وعادوا بعد حوالي عام إلى غزو مصر، وتحديدًا في أوائل عام 1169م، وكان رد فعل الوزير شاور غريبًا، فقد تصدى لهجوم الصليبيين، وأحرق مدينة الفسطاط كي لا يتخذها الغزاة غنيمة.

وفي تلك الأثناء، أرسل الخليفة الفاطمي «العاضد لدين الله» يستنجد بنور الدين، ليساعده على صد الأعداء عن أرض مصر، ووضع العاضد أمام نور الدين بعض المغريات، فقد وعده بثلث أرض مصر، وإبقاء جيش شيركوه فيها.

منمنة فرنسية توضح الجيش الأيوبي

منمنة فرنسية للجيش الأيوبي

لم يقف شاور مكتوف اليدين، وإنما عرض أموالًا طائلة على الصليبيين من أجل المغادرة، وأعطاهم بعضها، وفي تلك الأثناء، وصل الجيش النوري بقيادة شيركوه إلى أرض مصر في أوائل عام 1169 م. حينما رأى عموري ملك بيت المقدس دخول شيركوه إلى مصر، ووجد أنه لن يتمكن من نيل باقي النقود المتفق عليها مع شاور، آثر الانسحاب والتقهقر بجيشه والعودة إلى الشام.

وبينما كان الخليفة العاضد فرحًا بما حدث، كان شاور يماطل في تنفيذ الوعود التي قطعها العاضد بالله مع نور الدين، كما أنه كان يخطط لقتل أسد الدين شيركوه وكبار أمرائه، إلا أن ابنه الكامل نهاه عن ذلك. أحس صلاح الدين بغدر شاور، فانتهز إحدى الفرص وقبض عليه، ولما علم الخليفة الفاطمي أمر بقتله، وانتهي عهد شاور.

أسد الدين شيركوه وزيرًا لمصر لمدة شهرين

بعد مقتل شاور وخلو منصب وزارة مصر، وقع اختيار الخليفة الفاطمي العاضد بالله على أسد الدين شيركوه ليصبح وزيرًا لمصر، ولحفاوته بما صنع، فقد منحه لقب «الملك المنصور»، وأصبح شيركوه قائد القواد وأمير جيوش الخليفة الفاطمي.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
من ملاحم رمضان.. تعرف إلى «موقعة حارم» التي أُسر فيها كبار أمراء الصليبيين

ولم يلبث في منصبه الجديد إلا شهرين وخمسة أيام، حتى جاء أجله ومات إثر تخمة وخناق من كثرة الأكل وفقًا لأكثر الآراء الشائعة، أو كما أُشيع أيضًا أنه مات مسمومًا. وتمكن أسد الدين شيركوه خلال فترة بقائه القصيرة في الوزارة أن يعيد أهالي الفسطاط إلى مدينتهم، ووزع الإقطاعات على عساكره.

كان على الخليفة الفاطمي اختيار وزير آخر لمصر من الجيش النوري بعد شيركوه، ليضمن مساعدة نور الدين في صد هجمات الصليبيين المتوقعة، وهنا، لم يختر أيّا من كبار أمراء الجيش، وإنما وقع اختياره على صلاح الدين ليصبح وزيرًا لمصر وأميرًا لجيوشها في عام 1169م.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد