أشار تقرير لصحيفة ديلي تيليغراف الأسبوع الماضي إلى أن استقالة وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل تعكس “فشلًا” للإدارة الأمريكية بقيادة أوباما في مواجهة أعدائها وفي مقدمتهم تنظيم الدولة الإسلامية.

وقالت صحيفة فايننشال تايمز إن الاستقالة جاءت في وقت حرج تتعرض فيه الإدارة الأمريكية الحالية لانتقادات من اليمين واليسار، وذلك نتيجة لفشلها في التعامل مع التحديات الخاصة بالأمن القومي الأمريكي.

وترى الصحيفة أن رد الرئيس الأمريكي على هذه الانتقادات جاء من خلال استبدال هيغل لأنه “وزير غير نشط” بالوزير الجديد أشتون كارتر الذي يفترض أنه أكثر حركية.

أشتون كارتر في انتظار تصديق مجلس الشيوخ عليه ليبدأ في ممارسة مهمام عمله رسميًا كرابع وزير دفاع خلال فترة حكم الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

 

خلاف

باراك أوباما يفضل عدم إرسال أي قوات برية لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، حيث يعتقد أنها سياسة جيدة ألا يدخل في مواجهات عسكرية مباشرة، لكن البعض – ويبدو أن هيغل من ضمن هؤلاء – يرى أن عدم إرسال قوات قتالية يعيق الجهود العسكرية التي تمكن من هزيمة تنظيم الدولة.

هؤلاء يرون أن سياسة أوباما هذه ترسل إشارات سلبية على تزايد عجز الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة أعداءها.

وتعتمد أدوات الإدارة الأمريكية في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية على محورين: الأول هو ما أعلنه أوباما في شهر أغسطس الماضي من تكوين تحالف دولي بهدف شن ضربات جوية ضد مواقع تنظيم الدولة في سوريا والعراق. وهو ما تم بالفعل بدءًا من يوم 23 سبتمبر الماضي عندما شن التحالف أولى غاراته. هذه الغارات لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا بشكل يومي تقريبًا لكنه لم يمنع تنظيم الدولة من التوقف عن التوسع وإحكام سيطرته على المدن الرئيسية الواقعة في قبضته.

المحور الثاني يتمثل في عمليات تدريب قوات برية عراقية لتقوم بالتصدي لتنظيم الدولة على الأرض وهو ما أكد عليه تشاك هيغل المستقيل يوم 17 نوفمبر الماضي من أن الولايات المتحدة ستكثف تدريباتها للقوات العراقية لحين “توفير التمويل لإطلاق مبادرة أوسع نطاقًا”.

وإن كانت تصريحات هيغل الرسمية تشير لعدم وجود خلافات كبيرة مع أوباما وأنه استشف من عدد من أحاديثه مع أوباما أن الوقت قد حان لإجراء تغيير في قيادة وزارة الدفاع، إلا أن ما ينتشر في الكواليس أنه توجد خلافات بالفعل إما بخصوص سياسات وزارة الدفاع الخارجية أو بسبب أداء هيغل السيء داخل وزارة الدفاع.

 

 

ليست وزارة الدفاع فقط

تقارير صحفية عديدة ترى أن الإتيان بكارتر بدلًا من هيغل لن يؤدي إلى أي شيء جديد. فكل من مجلس الأمن القومي برئاسة هنري فيشر ووزارة الخارجية برئاسة جون كيري تعانيان من ضعف قيادة واضح.

فشل الإدارة بشكل عام نتج عنه محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر التضحية بأحد أعضائها ككبش فداء أمام الرأي العام الداخلي في محاولة لتحقيق نجاح ما، بعد تعليق شماعة الفشل على أداء وزير الدفاع السابق هيغل.

 

مدير ولاعب وراء الكواليس

يقدم كارتر نفسه على أنه يعمل من أجل إصلاح البيروقراطية في وزارة الدفاع الأمريكية – البنتاغون، ويوصف بأنه “إداري وتكنوقراطي”.

رغم معرفته الواسعة بالأسلحة وبرامج التوجهات التكنولوجية فإنه قليل الخبرة فيما يخص الإشراف على استراتيجيات الحرب حيث أنه – بعكس سلفه هيغل – لم يخدم في صفوف الجيش الأمريكي.

وعلى عكس توجهات الإدارة الأمريكية في الفترة الأخيرة بمحاولة إيجاد تسوية سلمية مع إيران فيما يخص ملفها النووي، وهو ما أثار قلق دول الخليج بعض الشيء، فإن كارتر معروف بعلاقاته الجيدة مع دول الخليج حيث قام بالإشراف على عدد من الصفقات الضخمة لبيع أسلحة لهذه الدول. كما يرى كارتر أنه لا يجب تشجيع إيران على امتلاك أسلحة نووية.

يعرف عن كارتر أنه مفكر ولاعب وراء الكواليس، بالإضافة إلى أنه شخص “عالي النشاط” كما أطلق عليه رئيس أركان الجيش الأمريكي الجنرال مارت ديمبسي، وكدليل على همته العالية هذه فقد نشرت صحيفة “التايمز” الأمريكية مقالة له عام 2006م عندما كان يقوم بالتدريس في جامعة هارفارد يدعو فيها الرئيس السابق جورج بوش الابن إلى شن ضربة وصفها بالجراحية ضد أنظمة كوريا الشمالية الصاروخية.

وقد أشار البعض إلى هذه النقطة كدليل على ارتباط كارتر بالإسرائيليين لأنه بعد عام واحد من مقالته هذه قامت إسرائيل بشن غارة جوية على مفاعل نووي كان يتم بناؤه في سوريا بمساعدة من كوريا الشمالية.

التقارير القادمة من الولايات المتحدة تشير إلى أن كارتر أحد كبار أنصار إسرائيل وهو شخص محبوب من “إيباك” وهي أقوى جمعيات الضغط على أعضاء الكونجرس الأمريكي لصالح إسرائيل. وبالطبع موضوع تأييد مجلس الشيوخ لترشيح كارتر سيكون شيئا بديهيا بسبب غالبية المجلس المنتمية للحزب الجمهوري المؤيد بشدة لإسرائيل، خصوصًا وأنه معروف عن كارتر أنه صوت قوي داعم لإسرائيل من وراء الستار دون إثارة ضوضاء أو جذب انتباه.

 

 

ما الذي نتوقعه من كارتر؟

قد يخيب كارتر آمال أولئك الذين يتمنون أن تخوض الولايات المتحدة حربًا واسعة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. فكارتر لم يكن له صوت بارز في الجدل الدائر داخل وخارج الإدارة الأمريكية حول ما يجب فعله تجاه تنظيم الدولة، وذلك طبقًا لصحيفة الجارديان.

الصحيفة البريطانية أضافت أن الدليل على هذا هو تصريحات سابقة لكارتر بأن زمن الحادي عشر من سبتمبر قد انتهى. وهو ما يعني ضمنًا عدم رؤية كارتر لإجراء المزيد من الحروب فيما يخص محاربة الإرهاب، كما أن له تصريحا خاصة بخفض ميزانية وزارة الدفاع.

الخبراء والمحللون في الولايات المتحدة يرون أن مجىء كارتر لن يغير شيئًا من سياسة الولايات المتحدة تجاه الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا.

على الجانب الإيراني فإنه من المرجح أن يتخذ كارتر موقفًا أكثر تحديًا للاتفاق الأمريكي حول الملف النووي الإيراني. كارتر أكثر قربًا من إسرائيل ودول الخليج وبالتالي لن يساعد بقوة في الوصول لاتفاق مع إيران بخصوص ملفها النووي على حساب التقارب الأمريكي الخليجي الإسرائيلي.

من ناحية البنتاغون فإن كارتر – طبقًا لكتاباته لمجلة فورين أفيرز بداية العام الجاري – سيبث استعدادًا مطلوبًا ومرونة تنقص وزارة الدفاع الأمريكية في التعامل مع التطورات غير المتوقعة في أرض المعركة، حيث يطالب بأن يكون البنتاغون أفضل في “تحديد التهديدات” بشكل مبكر مما يسمح بتغيير التكتيكات العسكرية للقوات الأمريكية على الأرض بشكل أكثر سرعة يلائم المفاجآت غير المتوقعة للعدو.

ترى وسائل الإعلام الأمريكية أن فشل إدارة أوباما ومن ضمنها وزير الدفاع السابق هيغل تمثل في نقطتين رئيسيتين هما الفشل السياسي في أفغانستان ومصر وسوريا والعراق وأوكرانيا. والنقطة الثانية تمثلت فيما وصف بالفشل البيروقراطي حيث ترى وسائل الإعلام أن هيغل فشل في مهمته لأن يكون ممثلًا للبنتاغون لدى البيت الأبيض وأن يكون ممثلا للبيت الأبيض في البنتاغون عند وضع السياسات الدفاعية. ويكمن التحدي الذي يواجه كارتر حاليًا في النجاح فيما فشل فيه سلفه وفيما فشلت فيه إدارة أوباما بشكل عام.

التحديات الأبرز التي تواجه كارتر تكمن في صعود قوة تنظيم الدولة الإسلامية، وتنامي القومية الروسية، وانتشار فيروس الإيبولا القادم، ويبدو أن الأيام وحدها ستكون كفيلة بالإجابة عن التساؤل الخاص بطبيعة التعاطي الأمريكي معهم في ظل رئاسة باراك أوباما ووزير دفاعه الجديد أشتون كارتر.

 

 

من هو كارتر؟

وزير الدفاع الأمريكي الجديد اختاره الرئيس أوباما يوم 5 ديسمبر 2014م.

يبلغ من العمر 60 عاما وهو خبير في الأسلحة المتطورة والميزانيات العسكرية.

يحمل شهادة في الفيزياء من جامعة ييل عام 1976م، وشهادة الدكتوراة في الفيزياء النظرية من جامعة أكسفورد.

خلال فترة رئاسة بيل كلينتون أشرف على سياسات الأسلحة النووية وساعد في جهود إزالة الأسلحة النووية من أوكرانيا وعدد من الجمهوريات السوفييتية.

شغل منصب مساعد وزير الدفاع لشئون سياسات الأمن الدولي في الفترة بين عامي     1993 – 1996م.

خلال فترة رئاسة بيل كلينتون أشرف على سياسات الأسلحة النووية وساعد في جهود إزالة الأسلحة النووية من أوكرانيا وعدد من الجمهوريات السوفييتية.

شغل منصب وكيل وزارة الدفاع من 2011 – 2013م حيث كان يدير جميع العمليات التي تقوم بها وزارة الدفاع على مدار الساعة. في ذلك الوقت، وبصفته رئيسًا للعمليات، كان مسئولا عن ميزانية قدرها 600 مليار دولار و2،4 مليون عامل من المدنيين والعسكريين.

حصل كارتر على أربعة أوسمة للخدمة العسكرية المتميزة من وزارة الدفاع بالإضافة إلى منحه وسام استخبارات الدفاع.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد