على الرغم من كل التطورات الحديثة في المعرفة البشرية والعلوم العصبية، لا يزال هناك الكثير عن الدماغ البشري الذي لا نعرفه. هناك الكثير من الأشياء التي تصر على أن تحير العلماء فيما يتعلق بعمل العقل البشري.

ما هو الوعي؟

دون شك، الإدراك الواعي هو الجانب الأكثر إذهالًا – والأكثر حيرة في نفس الوقت – من الدماغ البشرية. الوعي هو الصفة التي تجعل البشر كائنات فريدة من نوعها، أنها هذه المخلوقات التي تتميز بما يطلق عليه اسم الانعكاس الذاتي الذي نحن عليه.

الوعي يسمح لنا بالتجربة والاستجابة إلى بيئتنا بطريقة ذاتية. هذا الأمر هو ما يفرقنا عن الزومبي (الكائنات الخيالية التي عرضتها لنا شاشات السينما العالمية عن الموتى الأحياء الذين لا يشعرون ولا يحسون)، فنحن لدينا أفكارنا ومشاعرنا وآراؤنا وتفضيلاتنا الخاصة. وهذه الصفات هي التي تسمح لنا باستكشاف العالم والعمل داخله.

ولكننا ما زلنا إلى حد كبير بعيدين جدًا عن فهم الكيفية التي ينتج بها الدماغ هذه الخبرة الهائلة. علماء الأعصاب لا يمكنهم أن يفسروا كيف يمكن للأحاسيس الواردة أن توجه إلى مسار محدد بحيث يمكن ترجمتها إلى الانطباعات الذاتية مثل الطعم واللون أو الألم. أيضًا العلماء لا يمكنهم حتى الآن معرفة كيف يمكننا استحضار صورة ذهنية في أدمغتنا عند الطلب.

ويعتقد العلماء أن المخ لديه أفعال معينة تتعلق بالطريقة التي يتم بها ربط الأجزاء الحسية للمخ مع هياكل المنطقة الوسطى للدماغ (مثل المهاد). وبالتالي يتكون الوعي بين أجزاء المخ المختلفة. وقد ينشأ الوعي أيضًا من حزمة من الوكالات شبه المستقلة.

هل يحدد المخ طبيعة شخصيتنا؟

نعم يحدد المخ بعضًا من شخصيتنا، لكن السؤال الحقيقي هو ما هو المقدار الذي يحدد به مخنا شخصيتنا؟ يتعلق هذا الأمر بنقاش وجدال قديم، يُسمى الطبيعة القديمة في مواجهة التنشئة أو التربية، وهي معضلة من الصعب – إن لم يكن من المستحيل – أن نقيسها، فبعض العلماء، مثل ستيفن بينكر، يقول إننا جميعًا وُلدنا مع تأثيرات جينية وراثية تبسط نفوذها وتأثيرها على طبيعة الناس النفسية.

هذه الفكرة تتعلق بنفي وإنكار العلماء لفرضية «نظرية اللائحة البيضاء»، والتي تشير إلى أن العقل لا يوجد لديه صفات فطرية، وأن معظم – إن لم يكن كل – التفضيلات الفردية لدينا هي صفات مكتسبة اجتماعيًا.

ويمكن أن تساعد دراسة التوائم الذين انفصلوا عند الولادة على ترجيح أي من الفكرتين، ولكن فقط إلى حد ما. فمن الصعب معرفة أين تبدأ آثار الجينات وأين تنتهي، لا سيما وأنها إما أن تكون عززت أو قمعت من قبل الخبرات الاجتماعية المكتسبة. علم التخلق، والذي إما أن يحدث فيه عملية تنشيط أو تثبيط للجينات والصفات الوراثية وفقًا للظروف البيئية، يتسبب في تعقيد هذه القضية أبعد من ذلك.

لماذا ننام؟ ولماذا نحلم؟

نحن نقضي حوالي ثلث حياتنا في النوم، ولكننا لسنا متأكدين تمامًا لماذا نحن نفعل ذلك؟ تقريبًا فإن كل حيوان في العالم ينام، وهو أمر يعد غريبًا إذا فكرت فيه بعض الشيء. يجب أن يكون النوم مهمًا للغاية؛ لأن التطور لم يكن ليجري إلا بوجود النوم؛ إنه الحالة التي يتوقف فيها الإدراك الواعي (الجزء الأكبر منه) عن العمل، ليتركنا غير واعين وجاهلين بمحيطنا في أكثر لحظاتنا ضعفًا. المحرومون من قسط كاف من النوم، سوف يموتون في نهاية المطاف.

إذن ما هو الهدف من وراء ذلك؟ يمكن أن يكون النوم وسيلة لإعادة شحن الدماغ، وتجديد مخزون الطاقة في الجسم. أو يمكن أن يساعدنا على تعزيز وتخزين الذكريات المهمة، في الوقت الذي نلقي فيه كل الهراء والفضلات العصبية التي لا نحتاجها. وبالفعل، يبدو أن هناك قدرًا من المصداقية في فكرة أن النوم يساعدنا على ترميز وتشفير ذكرياتنا على المدى الطويل. أو كما قال العالم جوليو تونوني، يمكن أن يكون النوم وسيلة للوصول بخلايا الدماغ إلى الحالة الأساسية الأولية.

أما بالنسبة للأحلام، فعلى الرغم من عدم وجود نقص في التفسيرات، إلا أن العلماء لا يزالون في حيرة كبيرة من أمرهم. ويمكن أن تكون الأحلام هي الآثار الجانبية العرضية للنبضات العصبية العشوائية، بمعنى أنها وسيلة لمحاكاة تهديدات العالم الحقيقي والتعامل معها، أو وسيلة لمعالجة المشاعر المؤلمة.

الفكرة هنا أننا لا نعلم أي التفسيرات هو الصحيح بالنسبة للنوم أو للأحلام، أو هل هناك أكثر من تفسير صحيح، أو هل هناك تفسيرات أخرى لا نعرفها.

العقل البشري

لا يزال النوم يحير العلماء


كيف نخزن ونستدعي المعلومات؟

مثل القرص الصلب لجهاز الكمبيوتر، يتم تسجيل ذكريات فعليًا في أدمغتنا بنفس الكيفية تقريبًا. ولكن ليس لدينا أي فكرة عن الكيفية التي تقوم بها أدمغتنا بذلك، كما أننا لا نعرف كيف يجري توجيه هذه المعلومات في الدماغ.

لكن الأمر ليس بهذه البساطة، هناك تساؤلات أعقد، فليس هناك نوع واحد فقط من الذاكرة. الإنسان يملك الذاكرة قصيرة المدى والذاكرة طويلة المدى. وهناك أيضًا الذكريات التعريفية (الأسماء والوقائع)، وغير المعلنة (مثل ما يسمى ذاكرة العضلات). وضمن ذكريات طويلة الأجل لدينا ذكريات «مصباح الفلاش» إذ نكون قادرين على تذكر التفاصيل الدقيقة الخاصة بما كنا نفعله خلال الأحداث الجسام.

ومن أجل مزيد من تعقيد الأمور، فإن الأجزاء المختلفة من الدماغ تقوم بأداء مهام مختلفة فيما يتعلق بالذاكرة. فالذاكرة عبارة عن تفاعل معقد بين نقاط الاشتباك العصبي والخلايا العصبية.

يعتقد علماء الأعصاب أن تخزين الذاكرة يعتمد على الاتصال بين نقاط الاشتباك العصبي وقوة الارتباطات العصبية. فذاكرة الإنسان تختلف عن ذاكرة الحاسوب في أنها لا ترمز في صورة بايتات منفصلة، ولكن في صورة العلاقات بين اثنين أو أكثر من الأمور (مثل أن لمس جسم ساخن يسبب الألم).

وفيما يتصل بذلك، يمكن تخزين ذكريات حدثٍ في مصفوفة من الخلايا العصبية المترابطة في أدمغتنا تسمى «إنغرام»، أو أثر الذاكرة. في واقع الأمر، فقد زرع العلماء مؤخرًا ذاكرة كاذبة في فأر يعمل في إطار هذا الافتراض.

عملية الزرع هذه لم تُجِب عن الكثير من التساؤلات لدى العلماء حتى الآن، فهم لا يزالون غير متأكدين من كيفية تشكل الذكريات، ولماذا بعض الذكريات تتحلل وتتلاشى، ولماذا نحن في بعض الأحيان نطور ذكريات كاذبة، وما هو السبب في أننا لا يمكننا الوصول دائمًا للمعلومات عندما نريد. فمن المحتمل لأن الذاكرة هي عملية غامضة جدًا وخالية من العيوب.

كيف يعمل التصور؟

الوظيفة الأساسية للدماغ هي تحويل حواسنا إلى خبرات. تسمح لنا قدرتنا على الإدراك بتنظيم وتحديد وتفسير المعلومات الحسية بالطريقة التي تساعدنا على بناء وفهم عالمنا. ولكن كيف بالضبط ينقل دماغنا هذه المعلومات الحسية الواردة إلى هذه الخبرات الكمية النوعية الحية؟ وكيف يتم تنظيم الإدراك في الدماغ؟

هذه القضية مرتبطة ارتباطًا بمشكلة الوعي وبداية الخبرات – فهذا الشعور هو شعور شخصي لكل واحد منا بعد رؤية اللون الأحمر أو تذوق قطعة من الشوكولاتة الداكنة. وبالتالي فتصوراتنا تجاه شيء محدد تختلف نتيجة اختلاف وعينا وخبراتنا المتراكمة.

ويشير علماء الأعصاب إلى الجهاز العصبي – بصفته النقطة الموضعية لكل الإدراك البشري. الأجهزة المختلفة لدينا تأخذ تحفيزًا واردًا، مثل الضوء أو جزيئات من رائحة، وتقوم بتحويله بطريقة أو بأخرى إلى هذا الشيء الذي نسميه «التصور». ونحن في كثير من الأحيان يمكن أن نشكل نسيجًا من هذه الخبرات من خلال التعلم، والذاكرة، والتوقع، ولكن العديد منها يحدث خارج الإدراك الواعي. يتم التحكم في التصور أيضًا من قبل وحدات مختلفة في الدماغ، والتي هي بدورها جزء من شبكة معرفية أوسع.

العقل البشري

المخ أقرب لقرص الحاسوب الصلب


هل لدينا إرادة حرة؟

ناقش الفلاسفة هذه المعضلة منذ آلاف السنين، بدأ العلماء أخيرًا الخوض في هذا النقاش مع أنهم لا يحبون كثيرًا ما يرونه من نقاشات وجدالات.

في ورقة بحثية نشرت قبل حوالي 20 عامًا، أدلى عالما النفس؛ دان واجنر، وتاليا يتلي، باقتراح وفرضية ثورية، فقد اقترحوا أن تجربة القيام بعمل متعمد بمحض إرادتنا الكاملة، لا يعد شيئًا أكثر من فعل خاص بالاستدلال السببي، الذي تسببت به بعض أفكارنا تجاه سلوكنا . أي أن أفكارنا المسبقة والمخزنة في عقولنا هي التي تجعلنا نقوم بأداء هذه الأنواع من السلوكيات التي نعتقد أننا اخترنا القيام بها. ومن هنا فإن المشاعر نفسها لا تلعب أي دور سببي في إنتاج سلوكياتنا.

هذا الاقتراح الثوري، يمكن أن يؤدي بنا أحيانًا إلى الاعتقاد بأننا قمنا بخيار ما، لكننا كنا في الواقع لم نقم بأي خيار مختلف عما كنا سنقوم به بالفعل، إذا وقفت بين خيارين في لحظة ما وكان عليك اختيار أحدهما، فأنت في الحقيقة لا تقوم بأي اختيارات هنا، لأن الخيار الذي ستختاره هو الخيار الذي تفرضه عليك أفكارك المسبقة وخبراتك العقلية المكتسبة.

ولكنّ هناك لغزًا غامضًا يظهر هنا، فكما اقترح كل من واجنر ويتلي، أننا نلاحظ قيامنا بأفعال معينة دون وعي، مثل اختيار زجاجة عصير معينة من السوق مثلًا، لنلاحظ في النهاية أننا قمنا بهذا الفعل دون اختيار كما كنا نعتقد، ولكن عن قصد. فإذا كان هذا هو التسلسل الصحيح للأحداث: اختيار زجاجة عصير التفاح بدلًا من الخوخ، والاعتقاد وقتها أنه اختيار بمحض إرادتنا، ثم الاكتشاف بأن الأمر تم عن قصد، فكيف يمكن أن ننخدع، بالاعتقاد في أننا قمنا بهذا الخيار بمحض إرادتنا، قبل أن نتعرف ونكتشف هذا التسلسل للأحداث؟

في دراسة حديثة نشرت في مجلة علم النفس، حاول علماء استنتاج واستكشاف حل جذري لهذا اللغز. فربما في اللحظة نفسها التي نخوض فيها تجربة الاختيار، فإن عقولنا تعيد كتابة التاريخ، وبالتالي فإنها تخدعنا بأن هذا الخيار الذي قمنا به، والذي اكتمل بالفعل بعدما أخذ تسلسله الكامل اللاشعوري، هو خيار قمنا به بكامل إرادتنا على طول الخط وبشكل مستمر، ونحن نعتقد أننا قمنا بخيار جديد.

الطريقة الدقيقة التي يقوم بها عقلنا بإعادة كتابة التاريخ بهذه الطريقة لا تزال غير مفهومة بشكل كامل، ولكن على الرغم من هذا فقد تم توثيق ظواهر مماثلة لهذه الفكرة في أماكن مختلفة. فعلى سبيل المثال، نحن نرى الحركة الظاهرية لنقطة ما قبل أن نرى بأعيننا هذه النقطة تصل إلى وجهتها الأخيرة. أيضًا، نحن نشعر باللمسات الوهمية على أذرعنا قبل أن يجري بالفعل حدوث لمس حقيقي على أذرعنا هذه.

هذا النوع من الأحاسيس المسبقة أو الأوهام الحسية لا يمكن تفسيره إلا بوجود تأخير في الوقت الذي تستغرقه المعلومات من العالم حولنا لتصل إلى الإدراك الواعي، ولأنه يتخلف قليلًا إلى الوراء، فيمكن للوعي أن يستبق الأحداث المستقبلية التي لم تدخل إلى إدراكنا الواعي بعد، والتي جرى تشفيرها لا شعوريًا، بما يسمح للوهم بأن يشعرنا بما سيحدث مستقبلًا طبقًا للمعلومات المخزنة من الماضي والمعتمدة على خبراتنا المسبقة المسجلة في عقولنا.

اقرأ أيضًا:

إلى أيهما سينحاز العلم.. الجبر أم الاختيار؟


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد