تدخل عملية «نبع السلام» التركية يومها السابع وسط تسارع في الأحداث الميدانية العسكرية وكذلك السياسية، إذ تمكن الجيش الوطني السوري التابع للمعارضة المسلحة بمساندة قوية من الجيش التركي من السيطرة على عشرات المدن والقرى، واللاتي من أهمها مدينتا: «تل أبيض، وسلوك»، وسط تراجع «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» من مواقعها بسرعة كبيرة، بعدما دمرت الطائرات والمدفعية التركية العديد من المواقع العسكرية ومخازن الأسلحة؛ ما أدى لمقتل العشرات من عناصر (قسد).

وكذلك كان الأمر على الصعيد السياسي، فقد ارتفعت كذلك التصريحات المنددة بالعملية التركية، واجتمع مجلس الأمن والجامعة العربية والإتحاد الأوروبي، ويبدو أن هناك إجماعًا دوليًا لرفضها، لكن هذا الرفض لم يتم ترجمته على الأرض، إذ لا تزال «نبع السلام» مستمرة في تقدمها، وقضم الأراضي التابعة لـ(قسد). الأمر الذي أجبر الأخيرة على التوجه الى نظام الأسد وروسيا لطلب العون لصد تقدم الأتراك، ولكن هل يملك النظام الضوء الأخضر لذلك؟

كان الرئيس التركي طيب رجب أردوغان قد أعلن يوم الأربعاء الماضي التاسع أكتوبر (تشرين الأول) البدء بعملية أطلق عليها اسم «نبع السلام» بمشاركة قوية للجيش الوطني السوري التابعة للمعارضة المسلحة، إذ تهدف العملية للسيطرة على الشريط الحدود والمناطق الخاضعة لسيطرة قوات (قسد) وإنشاء ممر سلام ومنطقة آمنة لعودة اللاجئين السوريين بعمق (30-35 كيلومتر). بينما سبق ذلك انسحاب القوات الأمريكية من المناطق الحدودية وخاصة في تل أبيض ورأس العين، وتخليها عن مساندة (قسد) وتركها تواجه مصيرها وحدها.

«فاينانشال تايمز»: 5 أسئلة تشرح لك التطورات الأخيرة في سوريا

نبع السلام تجبر (قسد) على «المُر»

التراجع السريع لـ(قسد) في المعارك الدائرة شمال شرق سوريا وخسارته عشرات المدن والقرى والبلدات خاصة تل أبيض وسلوك ورأس العين، أظهرت مدى ضعفها بدون التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، ومع رفض الأخيرة مساعدتها وتخليها عنها على الأقل في معركتها ضد الأتراك؛ لم تجد (قسد) مهربًا لها سوى نظام الأسد الذي يرى أن تركيا شنت عدوانًا على أراضيه، ووصفت ما تقوم به تركيا بأنه «احتلال»، حتى انطبق عليها المثل القائل «ما الذي أجبرك على المُر؟ قال الذي أمَرّ منه».

وأصدرت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا التابعة لـ(قسد) بيانًا يوم أمس قالت فيه إنها اتفقت مع النظام السوري على ضرورة حمايته لحدود البلاد والحفاظ على السيادة السورية. إذ سيدخل جيش النظام وينتشر على طول الحدود السورية التركية لمؤازرة (قسد) وصد ما أسماه «العدوان التركي»، وأضاف البيان أن هذا الاتفاق يتيح إعادة السيطرة على جميع المناطق الخاضعة لسيطرة الأتراك مثل عفرين والباب.

وكان القائد العام لـ(قسد) مظلوم عبدي، قد أصر خلال لقائه مع نائب المبعوث الخاص للتحالف الدولي، وليام روباك، على قيام الولايات المتحدة بالمساعدة في وقف الهجوم التركي أو السماح لقواته بالتوصل إلى اتفاق مع نظام الأسد وروسيا، والسماح للطائرات الحربية الروسية لفرض منطقة حظر الطيران فوق شمال شرق سوريا، ووجه كلامه لروباك قائلًا: «أحتاج إلى معرفة ما إذا كنت قادرًا على حماية شعبي، وإيقاف هذه القنابل التي تسقط علينا أم لا؟ لأنه إذا لم تكن كذلك، فأنا بحاجة إلى عقد صفقة مع روسيا والنظام الآن ودعوة طائراتهم لحماية هذه المنطقة».

وعلى الفور أعلن نظام الأسد دخول قواته الى المناطق الحدودية ورفع علمه على عدد من المواقع، ونشرت المواقع الإعلامية التابعة للنظام صورًا ومقاطع فيديو تظهر عشرات الجنود وقد دخلت إلى عدد من المناطق، منها الحسكة، والقامشلي، ومنبج، وتل تمر، وعين عيسى، والطبقة وغيرها، وحسب مصادر خاصة لـ«ساسة بوست» فإن بعض البلدات التي ادعت قوات النظام دخولها لم يتجاوز عدد العناصر فيها أصابع اليد، وبعضها قام عناصر (قسد) بأنفسهم برفع العلم السوري على مداخل البلدات في صورة تظهر العجز الذي وصل بالنظام و(قسد) في صد التقدم التركي.

الجانب الخفي من الحقيقة

لا تسيطر قوات الأسد من الحدود السورية التركية سوى على جزء صغير جدًا يقع في ريف اللاذقية الشمالي بمنطقة كسب، أما باقي الحدود فتتقاسم المعارضة السورية و(قسد) السيطرة عليها، وتسعى تركيا لطرد الأخير الذي تعتبره تهديدا لأمنها القومي وتنظيمًا إرهابيًا من حدودها الجنوبية، وتسليم هذه الحدود لقوات موالية لها، إذًا ما الذي يدفع النظام السوري للدخول في حرب ضد تركيا مع «(قسد)» الحليف الجديد، على الرغم من كل التحذيرات التركية في هذا المجال؟

وكانت (قسد) قد سيطرت على محافظة الحسكة بالكامل وطردت منها المعارضة السورية المسلحة و«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، ولكنها أبقت على تواجد محدود للنظام السوري فيها، حيث يسيطر على بضعة أحياء في مدينة الحسكة، وكذلك الأمر في مدينة القامشلي التي تقع بالقرب من الحدود التركية تمامًا؛ ما يضعها تحت التهديد التركي المباشر فهل تنسحب منها؟ وهل تدخل القامشلي ضمن الخطة التركية لعملية «نبع السلام»؟

Embed from Getty Images

مظلوم عبدي

يقول مهند الكاطع، الباحث في التاريخ الاجتماعي والسياسي السوري، والمهتم بالشأن الكردي لـ«ساسة بوست»: إن «وجود النظام في القامشلي قديم وغير ذي أهمية، إذ ينحصر وجوده بالمطار والمربعات الأمنية والثكنة التي تضم فوجًا عسكريًا، والذي لا يمكنه من دون إمداد عسكري خوض أي معركة، وهذا الإمداد غير متوفر حاليًا ولا تسمح به أمريكا وتركيا وحتى روسيا، إذ أعلن الكرملين أنه حذر النظام من الاقتراب من مناطق الصراع في منبج وعين العرب أيضًا».

وبخصوص جدية الأتراك في السيطرة على القامشلي يعتقد الكاطع أن «التدخل التركي بهذا الحجم، وبهذا التوافق الواضح من قبل الامريكان والروس حول العملية، لن يوقف الأتراك عند تدخل محدود، فتركيا تهدف لأخذ الشريط الحدودي بالكامل بعمق 30-35 كم».

عملية «نبع السلام» تعيد الى الذاكرة عملية «غصن الزيتون» والتي دارت أيضًا بين الجيش الحر المدعوم تركيًا وبين مليشيات وحدات حماية الشعب الكردية والتي تمثل العمود الفقري لـ(قسد)، في منطقة عفرين شمال حلب، حيث أعلنت (قسد) وقتها تسليمها للنظام والتنازل عن سلاحها مقابل قيام النظام بصد التقدم التركي، وبالفعل تم إرسال مجموعة صغيرة من قوات الأسد والتقطت بعض الصور، ولكنها كانت الأخيرة حيث شنت الطائرات التركية غارات جوية استهدفت مواقعهم؛ ما أدى لمقتل 36 عنصرًا وجرح عدد آخر؛ ما أجبرهم على الانسحاب فورًا من عفرين، وترك (قسد) لمصيرها، فهل تقوم الطائرات التركية هذه المرة أيضًا باستهداف النظام؟

يؤكد السيد صهيب الجابر الصحافي في شبكة «فرات بوست» خلال حديثه مع «ساسة بوست» عن حدوث اشتباكات في قرية يالشلي بمنطقة منبج شرقي حلب والتي يتواجد بها قوات من (قسد) والنظام، حيث شن الجيش الوطني هجوما على القرية وانتهت بالسيطرة عليها وأسر عدد من العناصر والاستيلاء على دبابة؛ ما يعني أن تركيا جادة في عمليتها، ولن تسمح لقوات الأسد بإبطالها بأي شكل.

وأشار الجابر المتواجد في سوريا ويغطي معركة «نبع السلام» أنه شاهد الأنفاق والسلاح والعتاد الكثير الذي يملكه (قسد)، ولكنه كان ينسحب أمام الضربات الجوية التركية، وتقدم عناصر الجيش الوطني، مشيرًا إلى أن جيش النظام المنهك لن يقدر على الصمود أمام الضربات التركية تمامًا مثل (قسد).

الجيش السوري في مناطق (قسد).. تعزيزات عسكرية أم إعلامية؟

حسب ما نُشر على مواقع تابعة للنظام السوري من صور ومقاطع فيديو لدخول الجيش السوري إلى مناطق (قسد) تظهر جميعها عدم وجود أي سلاح ثقيل مثل المدافع أو الدبابات، وما تم مشاهدته هي فقط أسلحة متوسطة وخفيفة، وعلى ذلك يعلق الكاطع بقوله: «النظام لا يملك بالفعل آليات ثقيلة يمكن له من خلالها فتح مواجهة حتى مع (قسد)، كما أن القوات الخفيفة وحركتها لا تبعث برسائل عدوانية جادة لتركيا، وتبقي الباب مفتوحًا أمام جميع الاحتمالات في حال قررت (قسد) الانقلاب على النظام، إذ سينسحب النظام حينها بسهولة ويترك (قسد) هدفًا لنيران الأتراك وحدهم، وربما تكون جزءًا من الاتفاق الروسي الأمريكي التركي، الذي ربما فرض قيودً على الاسلحة التي يسمح للنظام إدخالها إلى هذه المناطق».

Embed from Getty Images

وأثار الإعلامي والناشط أحمد نور نقطة جوهرية خلال حديثه لـ«ساسة بوست» عن دخول قوات الأسد إلى مناطق (قسد) وقال: «التعزيزات العسكرية في أي حرب يأتي معها دائمًا طعام ودواء وذخيرة، لكن ما شاهدناه في المقاطع المنشورة هي لجنود بسلاحهم الفردي محمولين على شاحنات مخصصة لحمل الدواب و«باصات» تستخدم في النقل العام، فأين سينام هؤلاء، وأين سيأكلون، بل أي ذخيرتهم التي سيقاتلون بها، وهؤلاء الجنود إلى إي قيادة سيتبعون، (قسد) أم النظامٕ ما يؤكد أن ما شوهد هو عبارة عن نفخ عضلات إعلامية، وليست تعزيزات عسكرية» بحسبه، ويعتقد نور أيضًا أن هذه القوات إما أنها ستنسحب عند أول تصادم، أو انها ستلاقي حتفها.

وأضاف نور «أن قوات الأسد لا يمكنها سد الحدود السورية التركية بشكل كامل بسبب عدم وجود قوات كافية لها، كما أن عملية الانتشار التي تتحدث عنها قوات الأسد تتطلب وقت وإمكانيات كبيرة، وهذا يحتاج لأسابيع من التجهيز للقوات والآليات، وبالتالي الانسحاب من جبهات عديدة لسد هذه المناطق التي لا يمكن أن تقبل بدخول النظام على المستوى الشعبي، وبالتالي مواجهة الفعاليات المدنية هناك».

ويشير مهند الكاطع إلى أن «الاتفاق بين (قسد) والنظام هو عسكري بحث، والهدف منه انتشار النظام على الحدود، حيث لا تعوّل (قسد) على قوة النظام بقدر ما تعتقد أنه قد يشكل درعًا يمنع تقدم الأتراك التي يبدو أنها تتحاشى الدخول في صدامات مباشرة معه، لاعتبارات سياسية تتعلق بعلاقتها مع إيران وروسيا».

ولكن في المقابل يشير الكاطع أن «(قسد) لا يبدو أنها مستعدة لتسليم أسلحتها للنظام، أو حل نفسها ومؤسساتها، وبالتالي هناك بوادر على أن الخلافات لا تزال قائمة بينهما، خاصة أن النظام حاول تغطية أجواء دخول عناصره بأسلحة خفيفة إلى القامشلي والحسكة مثل انتصار واستسلام من (قسد)، الأمر الذي ساهم بانهيار معنويات قاعدتها الشعبية وتشجيع انسحاب المجندين من صفوفها، فحاولت (قسد) تدارك الموقف بإعلان أنها باقية ولن تسلم مناطقها».

Embed from Getty Images

ويعتقد مهند الكاطع أن «حظوظ النظام و(قسد) في بسط أي سيطرة تكاد تكون معدومة، فتركيا تتعامل مع الموضوع بأريحية ولا توجد قيود كتلك المفروضة عليها في المناطق القريبة من مناطق النفوذ الروسي (مثل إدلب)»، أما ما يخص المناطق التي ستكون جنوب المنطقة الأمنة التركية والتي سيكون عمقها 35 كم، يشير الكاطع أنه «ربما هناك توافق روسي أمريكي تركي على حدود المناطق المرشحة لتكون تحت سيطرة النظام، وهي تلك المناطق التي ستكون جنوب المنطقة الأمنة التركية، أي أن النظام مرشح للسيطرة على أجزاء من الرقة، ودير الزور، ومدينة الحسكة، وجنوبها، وهي مناطق حيوية من حيث الثورة النفطية».

وأبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تغريدة له على «تويتر»، عدم ممانعته لقيام أي جهة بحماية الأكراد حتى لو كانت روسيا أو الصين أو حتى نابليون بونابارت، وقال: «لندعهم يقاتلوا تركيا من أجل أرضهم». كما أن الإعلان الفرنسي أيضًا بدراسة سحب قواتها من سوريا، جاء ليصب في التحليلات التي تقول إن نهاية (قسد) باتت قريبة، وما تبقى هو تقسيم كعكتها بين تركيا وروسيا وإيران، الأيام القليلة القادمة ربما ستكشف مصير (قسد)، فهل نشهد ذلك؟

«واشنطن بوست»: ماذا تعرف عن «قوات سوريا الديمقراطية» التي تحاربها تركيا؟

المصادر

تحميل المزيد