في السويداء المتربعة فوق قمم سلسلة جبلية، وتحديدًا في بلدة «قنوات» الواقعة شمال المحافظة، كان أوائل مشاهد سيطرة النظام السوري على ممتلكات المعارضين له، حين سيطرت ميليشياته على منزل الإعلامي السوري المعارض «فيصل القاسم». وضعت على جدارن المسكن الفخم صورة رئيس النظام بشار الأسد مرتديًا زيًا عسكريًا يجاورها شعارات عدة تمجد «حماة الأرض والعرض».

هذا المنزل الذي باعه النظام مؤخرًا بما يقارب نصف ثمنه لرجل أعمال من السويداء، لم يكن الوحيد الذي سيطرت عليه قوات الأسد، وتعود ملكيته لفيصل القاسم، فبيته في دمشق أيضًا تمت السيطرة عليه، بل ذهب النظام مؤخرًا نحو إقرار القانون الأخطر الذي يبيح بسهولة السيطرة على ممتلكات وعقارات أكثر من 6 ملايين سوري خارج بلادهم.

القانون رقم 10 ..شرعنة الاستيلاء على ممتلكات المهجرين

في مطلع أبريل (نيسان) الجاري، أصدر النظام السوري مرسومًا يلزم أصحاب العقارات بتقديم ما يثبت ملكيتهم لهذه العقارات خلال 30 يومًا فقط؛ ليصبح واجب على مالكي أي عقار التقدم قبل 10 مايو (أيار) القادم إلى البلدية خاصتهم بشهادات ملكية العقارات (قواشين/ سند ملكية)، وإلا فستصادر الدولة ملكية العقار، ويحق لها تمليك العقارات لمن تراه مناسبًا.

نصيًا جاء في القانون الذي نشرته «وكالة الأنباء السورية (سانا)» الرسمية: «جواز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية، وذلك بمرسوم بناء على اقتراح وزير الإدارة المحلية والبيئة وتعديل بعض مواد المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012»، ويحمل هذا القانون الذي يشرعن سرقة عقارات وممتلكات اللاجئين والنازحين السوريين رقم 10 لعام 2018.

ورغم أنه يأتي كحلقة جديدة ضمن سلسلة قوانين سابقة صدرت بعد اندلاع الانتفاضة السورية لذات الهدف، إلا أن هذا القانون هو الأخطر تبعًا لتأكيدات الحقوقيين السوريين؛ إذ يتيح إطلاق يد السلطة التنفيذية بإنشاء مناطق تنظيمية، وهو شامل لجميع أنواع العقارات، فأية وحدة إدارية (مجلس محافظة أو بلدية) يسمح لها أن تقوم بتحديد منطقة سكنية ما، ثم وضعها تحت صلاحياتها، وبالتالي استملاكها وإنشاء ما تريد من مشاريع عليها بعد التحول إلى شركة قابضة.

ويدرك النظام عدم قدرة المغتربين السوريين على المثول أمام لجان التنظيم خلال المدة القانونية وتقديم ما يثبت ملكيتهم، كما أن الكثير من اللاجئين السوريين لا يستطيعون تقديم شكوى ضد من سلبهم ممتلكاتهم؛ لأنهم في الغالب متنفذين في المؤسسة الأمنية للنظام، أو يمارسون «التشبيح» إلى جانب النظام، وهم مدعومون بقضاة ومحامين قادرين بسهولة على تزوير العقود والوثائق والبصمات والهويات الثبوتية.

وبإلقاء نظرة سريعة على ما سبق هذا القانون من قرارات تهدف لتملك النظام لأملاك اللاجئين، يمكن البدء بما كشف النقاب عنه مؤخرًا، وهو تجاوز قيمة الحجوزات الاحتياطية المالية التي أصدرتها وزارة المالية للنظام السوري خلال العامين الماضيين (2016-2017) 13 مليار ليرة سورية، وهي حصيلة مصادرة أموال منقولة وغير منقولة بعد توجيه تهمة الإرهاب لأصحابها، فقد أصدرت وزارة المالية إشارات حجز احتياطي لمصلحة 86 جهة عامة حسب صحيفة «الوطن» السورية الرسمية.

وتحت تهمة «الانضمام إلى منظمات إرهابية تهدف إلى تغيير نظام الحكم في الدولة، وهدم كيان الأمة وزعزعة استقرارها، ودعم أعمال إرهابية ودس الدسائس لدى دولة أجنبية معادية بقصد الاعتداء على القطر وتهديد أمنه وسلامة أراضيه» أصدرت وزارة العدل السورية في أغسطس (أب) 2017 قرارًا موجهًا إلى «مديرية الأموال المصادرة والمستولى عليها» لدى وزارة المالية، بمصادرة الأملاك المنقولة وغير المنقولة لمجموعة من المعارضين لنظام.

وجاء في الكتاب «نعلمكم أنه صدرت بحق المذكورين في الجدول المرفق أحكام قطعية بإدانتهم تتضمن مصادرة أملاكهم المنقولة وغير المنقولة، والأحكام المذكورة اكتسبت درجة القطعية، وحررت خلاصة الحكم بها، وسجلت بدائرة تنفيذ الأحكام الجزائية في الاحكام المختصة بقضايا الإرهاب».

وفي يونيو (حزيران) 2016، أصدر النظام قرارًا بالاستيلاء بشكل نهائي على الأراضي الزراعية الزائدة عن سقف الملكية الذي حددها قانون الإصلاح الزراعي لعام 1958، وهو قانون استهدف رجال أعمال خارج الدولة، أو مؤيدين للثورة، ولم يطبق على رجال الأعمال للنظام، وفي أغسطس (أب) 2015، خرج النظام بالتعميم رقم (463 ـ ش) إلى وزارة الإدارة المحلية، والذي يلزم بإضافة قضية بيع العقارات أو الفراغ في المناطق المنظمة وغير المنظمة إلى القضايا التي تحتاج إلى موافقة أمنية مسبقة؛ وهو ما يقضى بحرمان اللاجئين من التصرف بمنازلهم بالبيع أو غيره.

وفي مارس (آذار) 2014، قضت محكمة في دمشق بمصادرة أملاك شخصيات حكومية ووزارية رسمية سابقة وفنانين سوريين معروفين، منهم الوزير السابق أسعد مصطفى، ورئيس الوزراء السابق رياض حجاب، والمطربة أصالة نصري، وفراس الحلو، ويارا صبري، وكندا علوش، وعبد الحكيم قطيفان وغيرهم.

أخطر قانون يصدره نظام الأسد

في سبتمبر (أيلول) 2017، كشف النقاب عن قيام النظام السوري بمصادرة أموال رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، ونقل ملكية عقاراته في سوريا إلى اسم «الجمهورية العربية السورية»، تحت ذريعة أنه عمل على «التعويض عن دعم الإرهابيين، ومدهم بالمال والسلاح، وتهديد أمن القطر».

هذا القرار الذي اتخذ ضد «مواطن لبناني» يمكن إرجاعه لأسباب سياسية معروفة، لكن هذه الأسباب بالتأكيد لا تتوفر كلها في قرابة 6 مليون لاجئ سوري  ستسلب أموالهم؛ لأنهم في الخارج لا يستطيعون تقديم ما يثبت ملكيتهم للجنة قرارتها غير قابلة لطعن؛ وهو ما يعني استحالة تقديم الطلبات بالنسبة لعدد كبير من العائلات التي غادرت سوريا نتيجة تعرضها للملاحقة الأمنية، أو بغرض تجنيد أبنائها في صفوف قوات النظام.

فـ«الأسد» الذي يريد خلق سوريا «صديقة» حدد هذه المدة القصيرة ليضمن أن تصبح تلك العقارات ملكًا للدولة، وتذكر صحيفة «التايمز» البريطانية في تقرير لها أن «نصف سكان سوريا فروا من منازلهم خلال الحرب الأهلية الدائرة منذ سبعة أعوام، فحوالي 7 ملايين سوري يعيشون نازحين في وطنهم، فيما فرّ حوالي 6 ملايين للدول المجاورة أو أوروبا»، ويضيف التقرير: «المشكلة التي تواجه السوريين هي أن إثبات الملكية يقتضي من أصحاب العقارات الحصول على موافقة من المخابرات التي يخاف منها الناس، وتعمل فقط في مناطق الحكومة، فآلاف من المعارضين السوريين والمؤيدين لهم داخل سوريا وخارجها معرضون لخطر الاعتقال».

منازل مدمرة في سوريا (المصدر: الأوربية)

من جانبه يقول القاضي السوري أنور محمد مجني أن «القانون من شأنه إلغاء القوة الثبوتية المطلقة للسجلات العقارية، وسيشكل – إضافة إلى القوانين والمراسيم السابقة – ذريعة لنزع ملكية عقارات السوريين في حال غيابهم»، ويوضح لـ«الجزيرة نت» أنه «بعد الانتهاء من أعمال التنظيم، سيكون صاحب الحق العقاري مالكًا لحصة سهمية، لتقوم بعد ذلك الوحدة الإدارية بتنظيم سجلات الملكية السهمية، وصاحب الحق قد يجد نفسه خارج إمكانية التملك في المنطقة التنظيمية؛ لأن حصته السهمية أقل من إمكانية التملك، وفي هذه الحالة لا يجد أمامه إلا بيع حصته في المزاد العلني، وبالتالي تحول حقه العقاري إلى حق مالي».

عقارات المهجرين على «طبق من ذهب» لإيران و«الشبيحة»

تزامن صدور المرسوم رقم 10 مع عمليات التهجير القسري التي استهدفت منطقة الغوطة الشرقية بعد أيام من قصفها من قبل النظام وحلفائه، ويذهب الحقوقيون السوريون إلى تأكيد أن النظام سيستغل القانون في تسهيل عملية استبدال السكان الأصليين بالموالين لهم من الشبيحة، أو منحها لمقاتلين مدعومين من إيران، وهو ما حصل في ريف دمشق الغربي حين مكن النظام عناصر من «حزب الله اللبناني» من السيطرة على عدد من القرى القريبة من العاصمة بعد تهجير سكانها منها.

عناصر النظام أثناء السيطرة على ممتلكات البيوت المهجرة (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

وتعد مدينة دمشق وريفها التي يشملها القانون محل طمع إيراني كبير؛ إذ تسعى طهران إلى تنفيذ مشروعها المُسمى بـ«حزام دمشق»، متمسكة بما فيها من أماكن دينية دفعت أموالًا ضخمة لشراء ما حولها من ممتلكات، وذلك عبر إيجاد منطقة شيعية تُحيط بدمشق، بدليل ما حصل عقب تهجير سكان الزبداني، ومضايا، وداريا التي استوطنتها ميليشيات شيعية بعد تهجير سكانها، فوفقًا للبعض، فإن هؤلاء باستطاعتهم إحضار الشهود والأوراق الثبوتية المزورة لإثبات ملكيتهم لتلك العقارات، كما أن هذا القانون مرتبط مباشرة ومتزامن مع إجراءات النظام لإعادة الإعمار، فالشركات العقارية التي أباح لها القانون التحكم في ملكية المناطق التنظيمية مع النظام هي صاحبة الكلمة العليا في آلية الإعمار.

ويؤكد  المستشار القانوني خالد شهاب الدين أن «هذا المرسوم سيستهدف المناطق التي تم تهجير أهلها منها والمناطق التي خرجت تنادي بإسقاط النظام لاغتصاب العقارات وإعادة توزيعها بشكل طائفي أولًا وكمكافآت لمجرمي الحرب مع العصابة ثانيًا، وبالتالي ترسيخ التغيير الديمغرافي فعليًا، وبشكل رسمي في السجلات العقارية».

ويمضى بالقول لـ«العربي الجديد»: «كل الإجراءات التي ذكرها المرسوم تدل دلالة قطعية على نية وهدف النظام من المرسوم 10، وخاصة مدة الاستئناف البالغة خمسة أيام فقط، والبت في غرفة المذاكرة بدون دعوة الخصوم، وما يدل عليه ذلك من استعجال في إنهاء عمليات السيطرة على العقارات وتغيير المالكين الأصليين ممن ثاروا على نظام الاستبداد بالسرعة القصوى واستكمال جريمة التغيير الديمغرافي».

ألمانيا تبدأ الملاحقة.. هل تمنع الأسد من تنفيذ القانون؟

«هذه الخطوة بمثابة محاولة من حكومة الأسد للاستفادة بكل صفاقة من تهجير ملايين المواطنين من منازلهم»، هذا ما قالته العاملة في «منظمة العفو الدولية» كريسيتن بيندكيت، مطالبة بضرورة حماية ممتلكات السوريين المقيمين خارج سوريا.

وثيقة أصدرها النظام تبيح السيطرة على ممتلكات الغائبين

تقول المحامية والخبيرة القانونية «ديالا شحادة»: إن «القانون الجديد لا يتنافى مع القانون الدولي فقط، بل مع حقوق الإنسان، وعلى رأسها حق المسكن والملكية الخاصة»، وتضيف لـ«الجزيرة نت»: «من غير المعقول أن يبدأ مشروع الإعمار والحرب لم تتوقف، مع غياب أي أفق سياسي للأزمة الحالية، هذا القانون فضفاض ومشبوه، ولا يمكنه أن يساعد في مرحلة انتقالية تقود للاستقرار في سوريا، وهو يحول ملكية السوريين إلى شركة مساهمة يمكن أن يكون أصحاب الحصص فيها أفراد أو شركات أجنبية».

وعجلت ألمانيا خلال الساعات القليلة الماضية بالتحرك ضد هذا القانون الذي وصفته بـ«الخطط الغادرة»، فقد جاء في بيان لوزارة الخارجية الألمانية: «بقلق كبير نتابع محاولات نظام الأسد التشكيك عبر قواعد قانونية مريبة في حقوق الملكية لكثير من السوريات والسوريين الفارين، نظام الأسد يحاول على ما يبدو تغيير الأوضاع في سوريا على نحو جذري لصالح النظام وداعميه، وتصعيب عودة عدد هائل من السوريين».

وأضاف بيان الوزارة: «ندعو داعمي نظام الأسد، وروسيا في المقام الأول، على نحو حثيث إلى الحيلولة دون تطبيق هذه القوانين، الأمر يتعلق بمصير ومستقبل أفراد اضطروا لمعايشة معاناة كبيرة وحرمان منذ أكثر من سبعة أعوام، إن أمل هؤلاء الأفراد يتمحور حول أن يصبح لديهم مجددًا حياة سلمية في سوريا في وقت ما».

ويضع هذا القانون الحكومة السورية المؤقتة والشخصيات المعارضة المعروفة أمام مسئولية التحرك على المستوى العالمي، بدءً من مخاطبة الجهات الدولية المختصة،  ثم السعي نحو إثبات الحق للاجئين السوريين بممتلكاتهم في أرضهم، وكان من ضمن الخطوات الفعلية التي اتخذته لمواجهة القرارات المشابهة هو قيام مجموع من المحامين السوريين بمشروع لنسخ السجلات العقارية إلكترونيًا وحفظ هذه المعلومات، وكذلك إطلاق مشروع «رد المساكن» الذي يمكن أي سوري في الخارج من توثيق ملكيته لأي عقار في أي مكان داخل سوريا، وذلك عبر تسجيل رقم العقار، والأرقام، والجهة التي وضعت يدها على العقار.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد