منذ عام 2003 شكل اغتيال الكفاءات العلمية العراقية ظاهرة خطيرة مستمرة حتى اليوم، إذ قتل المئات من العلماء وأساتذة الجامعات والخبراء والمستشارين في قطاعات مختلفة من الدولة العراقية، وسجل العام الأخير اغتيال 53 عالمًا عراقيًا واختفاء 27 آخرين.

ورغم أن عمليات الاغتيال كانت لغزا في البداية، إلا أن معلومات عدة أكدت على تعدد الجهات التي تقف وراء اغتيال العلماء العراقيين، تبعًا لاختلاف الظروف السياسة التي مر بها العراق. تقرير “ساسة بوست” التالي يستعرض الجهات التي يحتمل أنها تقف وراء بعض من هذه العمليات.

الولايات المتحدة الأمريكية

عام 2002، كتب مارك كلايتون المحرر في صحيفة “كريستين ساينس مونيتور” لائحة بعدد من علماء العراق الذين تدربوا في الولايات المتحدة والذين اعتبرهم :”أخطر من أسلحة العراق الحربية، لأنهم هم الذين ينتجون هذه الأسلحة”، ودعا حينها كلايتون مفتشي الأسلحة الدولية: “ألا يكتفوا بالبحث عن أسلحة الدمار الشامل فقط، ولكن عليهم محاولة إيجاد الأشخاص الذين يعرفون كيف يصنعونها.”

لم تكن هذا هو التحذير الأول من خطورة العلماء العراقيين، فقد أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية قائمة تتألف من 52 مسؤولًا عراقيًا من المطلوبين، بينهم عدد من علماء العراق النوويين والبيولوجيين. إذ كان للولايات المتحدة أهداف أخرى أيضا غير الإطاحة بصدام، من جانب آخر أكد باحثون في جامعة جورجيا أنه خلال الفترة من 1990 إلى 1999، مُنحت 1215 شهادة دكتوراه في العلوم والهندسة لطلاب من 5 من الدول السبع المصنفة من وزارة الخارجية الأميركية على أنها دول ترعى الإرهاب، نال العراقيون منها  112 شهادة دكتوراه في العلوم والهندسة، ومن هؤلاء كان هناك 14 طالبًا يدرسون مواضيع حساسة كالهندسة النووية، أو الكيماوية، أو البيولوجيا المجهرية.

بدأت خطة الولايات المتحدة الأمريكية لتصفية علماء العراق بعد الاحتلال مباشرة، وفي هذه الخطة اعتمدت أمريكيا على ثلاث خيارات، الأول هو الخيار الألماني، ويتمثل في محاولة دفع علماء العراق إلى إفشاء المعلومات إلى الجهات الغربية، فقد صادق مجلس الشيوخ الأميركي في تشرين الثاني 2002 على قانون يقضى بـ”منح العلماء العراقيين الذين يوافقون على إفشاء معلومات مهمة عن برامج بلادهم التسليحية بطاقة الهجرة الأميركية الخضراء، ووعدهم بآفاق بديلة أكثر إشراقا”، ثم كان القرار الأممي 1441 الذي أصرت واشنطن على تضمينه بندًا يقضي باستجواب العلماء العراقيين.
ويتمثل الخيار الثاني في تصفية العلماء، أو ما يسمى بـ “الخيار السلفادوري”، وهو ينسب  إلى “مجزرة السلفادور” التي أشرفت عليها” سي آي إيه “في أميركا اللاتينية وقامت خلاله بتصفية العلماء، فقد كانت القوات الأمريكية في بداية غزوها للعراق تحمل قوائم بأسماء العلماء العراقيين الذين وردت أسماؤهم في قوائم مفتشي الأسلحة الدوليين وعناوينهم والأبحاث التي يعملون عليها، ثم يتم اعتقالهم أو قتلهم.

أما الخيار الثالث فيتمثل في الاستهداف المباشر وغير المباشر، ويقوم على فلسفة المزاوجة بين الخيارين «الألماني»، أي احتواء العلماء وإعادة توظيفهم خدمة للمصلحة الأميركية، والخيار «السلفادوري» القائم على تصفية من يرفض الإغراءات الأميركية.

الموساد الإسرائيلي

أدت فرق الموت التابعة للموساد الإسرائيلي دورًا هامًا في عمليات الاغتيال التي نالت من العلماء العراقيين، في محاولة لمنع دولة الاحتلال امتلاك العرب للطاقة النووية، وبرز هذا الدور بشكل كبير في فترة الاحتلال الأمريكي للعراق، إذ أنه بعد فشل الولايات المتحدة في إقناع علماء الذرة والبيولوجي العراقيين للتعاون معها والعمل في خدمتها، تحركت عناصر الموساد لتصفية هؤلاء. ورصدت دولة الاحتلال أجهزة ومعدات ومتخصصين وأموالا، بينما زودتها أجهزة الأمن الأميركية بسير حياة كاملة للعلماء العراقيين والأكاديميين من أجل تسهيل عملية قتلهم.
ويكشف تقرير صدر عن مركز المعلومات الأميركي (2005) أن الموساد قام باغتيال  530 عالما عراقيا وأكثر من  200 أستاذ جامعي وشخصيات أكاديمية ما بين  2003 و 2006، وتشير معلومات إلى أن «الموساد» جند 2400 عنصر، إضافة إلى وحدة نخبة سرية تتضمن أكثر من 200 عنصر مؤهل من قوات البشمركة من أجل الإجهاز على العلماء وتصفيتهم. وتذكر دراسة للأستاذ إسماعيل جليلي بعنوان «محنة الأكاديميين العراقيين»، قُدّمت إلى مؤتمر مدريد الدولي في نيسان 2006، إن «الموساد» الإسرائيلي شنّ  307 اعتداء على الأكاديميين والأطباء، وتمكن من اغتيال  74 % منهم.

ويعود دور دولة الاحتلال في عملية تصفية علماء العراق، إلى عام 1975 عندما وقع العراق اتفاق مع فرنسا لبناء مفاعلين نوويين، واغتالت قوات الاحتلال في عام 1980 عالم الذرة المصري يحيى المشد الذي كان يعمل لدى العراق في حقل الطاقة النووية، ثم قامت بقصف المفاعل النووي العراقي مرتين بعد إعلان الحرب العراقية الإيرانية، ثم قامت بتدميره في يونيو/حزيران .1981

وكشف جنرال فرنسي متقاعد عن وجود 150 من وحدات الكوماندوز الإسرائيلية داخل العراق لاغتيال 500 من العلماء العراقيين ممن لهم صلة ببرامج التسلح العراقية الكيماوية والبيولوجية والنووية والصاروخية وردت أسماؤهم في قوائم مفتشي الأسلحة الدوليين.

نوري المالكي وإيران

من بين 34 بند وضعه  رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في برنامجه الحكومي عام 2006، دعا المالكي  في أحد البنود إلى رعاية الكفاءات العلمية وتوفير الأجواء الأمنية والمعاشية المناسبة بما يحول دون هجرتها، واعتماد إجراءات فاعلة لعودة الكفاءات إلى الوطن، ثم أطلق برنامج  لعودة الكفاءات العراقية من حَمَلة شهادة الدكتوراه، إلى العراق، وهو برنامج دعمته الأمم المتحدة، ليغري علماء العراق على العودة  مقابل منحهم منازل وسيارة ومرتب بدرجة مدير عام.

حين ذلك، لم تثر الشكوك حول نية المالكي من إطلاقه لهذا البرنامج لطغيان الهدف الوطني الواضح، لكن وثيقة سرية سربت من ويكيليكس، وتناولتها قناة الجزيرة قبل أيام، أثبت أن للمالكي دور كبير في عمليات اغتيال علماء العراق، حيث أكدت الوثيقة أن” :المالكي زود الاحتلال الإسرائيلي وإيران بمعلومات ساهمت في تصفية المئات من العلماء النوويين والطيارين العراقيين، وقد قدرت الوثائق عدد من قتل بالعراق من العلماء بـ 350 عالم نووي و 80 ضابط طيران من القوات الجوية العراقية.”
وأشارت الوثيقة إلى أن المالكي وفر السيرة الذاتية للعلماء العراقيين وطرق الوصول إليهم بغرض تصفيتهم، وسُلمت هذه المعلومات إلى فرق اغتيال تابعة للموساد الإسرائيلي وإيران، بل كشفت وثيقة أخرى تعود إلى عام 2007 أن رئيس الوزراء المالكي قام بالتنسيق المباشر مع الحرس الثوري الإيراني لتصفية شخصيات عراقية، خاصة البرلمانية منها.

وساعد المالكي على أداء هذه المهمة آنذاك إحكام قبضته الأمنية على العراق، من خلال وجود مليشيات شيعية تخضع لأوامره مباشرة فهناك 32 ألف موظف عراقي إيراني معظمهم فروا من نظام الرئيس الراحل صدام حسين إلى إيران، وقامت هيئة الحرس الثوري الإيراني بتمويلهم وإرسالهم إلى العراق عقب سقوط النظام في 2003 ليشغلوا مناصب حساسة في الجيش والمؤسسات العامة.

مليشيات الحشد الشعبي

بعد عودة علميات اغتيال في السنوات الأخيرة وجهت اتهامات مباشرة للمليشيات الشيعية بالوقوف وراء تلك الاغتيالات التي أخذت طابعا سياسيا وطائفيا، فقد كشفت مصادر عراقية مؤخرًا عن تورط مليشيات الحشد الشعبي في اغتيال علماء عراقيين لدوافع طائفية، وقالت تلك المصادر أن عصابات الجريمة المنظمة المدفوعة من قبل شركات ومسؤولين فاسدين عملت من أجل التخلص من كل من يقف بطريقهم في العراق.

ويدلل ضابط رفيع في وزارة الداخلية العراقية، على أن الميليشات هي من تقف الآن وراء اغتيال علماء العراق، بالقول:” عمليات اغتيال الكفاءات العراقية ذات طابع إجرامي وليس إرهابي وقد تحمل أجندة سياسية، نُفذت عدد من تلك الجرائم بسيارات تحمل لوحات تسجيل حكومية”.

من جانبه، يقول البروفيسور في الجامعات البريطانية والإيرلندية د. محمد الربيعي البروفيسور في الجامعات البريطانية والإيرلندية:” يمكن تصنيف القوى التي تستهدف الأكاديميين والعلماء إلى قوى أو أفراد من فقدت مواقعها ونفوذها وقوى سياسية تريد تطهير الجامعة من كل أكاديمي بعثي أو متعاون مع النظام السابق، وقوى طائفية تريد التخلص من كل أكاديمي ينتمي إلى طائفة من غير الطائفة التي تشكل الأكثرية في المحافظة التي تقع فيها الجامعة.”

تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»

أدخلت سيطرة داعش على مناطق من العراق، هذا التنظيم على خط الاغتيال لعلماء العراق، فقد صفت عناصر تنظيم الدولة الإسلامية ستة من علماء العراق في الموصل وأربعة في صلاح الدين، وحسب المصادر العراقية احتجزت داعش عالمان، أحدهما طبيب والآخر مستشار سابق في هيئة الطاقة العراقية.

المصادر

تحميل المزيد