اتفقت روسيا وتركيا وإيران أمس على إقامة «مناطق آمنة» في سوريا، مع ترحيب النظام ورفض المعارضة، وحذرٍ دوليّ، وقبولٍ عربيّ، في ظل استمرار الدماء المراقة في سوريا، وتعثُّر الموائمة السياسية.

ماهيَّة الاتفاق

تمهيدًا لمحادثات جنيف 6 التي تعقد في منتصف مايو (أيار) الجاري برعاية الأمم المتحدة، ولتهيئة الأجواء والأوضاع في سوريا لتلك المحادثات، انطلقت محادثات الأستانة أوَّل أمس الأربعاء، برعاية الأطراف الدولية: روسيا وتركيا وإيران، وفي ختام الجولة الرابعة من محادثات الأستانة، وقّع ممثلو الدول الراعية على مذكرة تفاهم لإنشاء مناطق «آمنة» ذات تصعيدٍ منخفض.

وبحسب الخطوط العامة للمذكرة التي ما تزال تفاصيلها الكاملة غامضة، فإن المناطق الآمنة تلك تتضمن أربع مناطق أساسية ، تشمل كامل محافظات إدلب وحلب واللاذقية (شمالًا)، وأجزاء من محافظات حمص وحماة (في الوسط)، ودرعا والقنيطرة (جنوبًا)، ومنطقة الغوطة الشرقية بريف العاصمة السورية دمشق.

وبحسب ما أعلن من المذكرة، فإن الجهات الضامنة للخطة ستُشكِّل مجموعة عمل مشتركة خلال خمسة أيام من توقيع طرفي النزاع (النظام السوري، والمعارضة) على الاتفاق، وتعمل مجموعة العمل المشتركة على الإشراف على تحديد تلك المناطق ونزع السلاح فيها، وأن تساعد الدول الراعية للاتفاقية الحكومة والمعارضة على مواجهة الجماعات «المتطرفة»، بما فيها «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش).

وتهدف تلك الإجراءات إلى «إنهاء فوري لأعمال العنف، وتوفير الشروط لعودة آمنة للاجئين طواعية»، واتفقت الأطراف الدولية على المشاركة في المحادثات، على أن يكون موعد الجولة المقبلة من محادثات أستانة في منتصف يوليو (تموز) المقبل.

ويبدأ العمل بالاتفاق قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقب الاتفاق إن المناطق التي يشملها الاتفاق «ستصبح مناطق حظر جوي، شرط توقف أي تحرك عسكري بالكامل»، وبكلمات تحمل نفس المعنى قال رئيس وفد روسيا في محادثات أستانة، ألكسندر لافرنتييف: «إن الطائرات العسكرية الروسية ستمتنع عن التحليق فوق المناطق المحددة بتخفيض التصعيد ما لم تكن هناك حاجة للتدخل في ما وصفه بأنه موقف مزعزع للاستقرار».

وهو ما أكدته الخارجية التركية، التي أفادت بأن المناطق الآمنة ستشمل كل إدلب، وكذلك أجزاء من حلب واللاذقية وحمص. لافتًا إلى أن الاتفاق سيحظر استخدام جميع الأسلحة في تلك المناطق، ويسمح بإدخال المساعدات الإنسانية إليها.

الموقف متباين في الداخل السوري

بالرغم من الاتساق في المواقف الدولية للدول الراعية للاتفاق، بالأخصّ تركيا «الداعمة للمعارضة»، وروسيا «الداعمة للنظام»، فقد تباين رد الفعل المحلي لأطراف النزاع في سوريا بين ترحيب نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ورفض المعارضة للاتفاق وانسحابها من المحادثات.

ورحبّت الخارجية السورية باتفاقية إنشاء المناطق الآمنة، وعبّر بشار الجعفري، مبعوث الحكومة السورية، عن أمله في أن تناقش روسيا وإيران تفاصيل الاتفاق مع دمشق في أقرب وقت. وفي المقابل رفضت المعارضة السورية الاتفاق، وانسحب أربعة أعضاء منها من الجلسة الختامية للاتفاق، وقالوا في مؤتمرٍ صحافي إن الاتفاق «وُقّع بين ثلاث دول ولسنا (المعارضة) جزءًا منه»، رافضين «تقسيم سوريا» وأن تكون إيران من الدول الضامنة للاتفاق.

وطالب أسامة أبو زيد المتحدث باسم وفد المعارضة السورية في المؤتمر الصحافي، بوضع جدول زمني لـ«خروج الميليشيات الأجنبية» من سوريا، مشيرًا إلى نقض روسيا وعدها واستمرار دعمها للأسد، وقصفها للمناطق المحررة، وتجدر الإشارة إلى أن وفد المعارضة كان قد علّق مشاركته في المحادثات يوم الأربعاء الماضي بسبب قصف «المقاتلات الحكومية لمناطق تسيطر عليها المعارضة المسلحة»، قبل أن يعود إلى المحادثات وينسحب من الجلسة الختامية.

ولفت محمد الشامي، القيادي في الجيش الحر إلى وجود تباين في الحديث عن جنسية قوات الفصل في المناطق الآمنة وقال في تصريحات صحافية: «انسحبنا من تلك المهزلة المعروفة بأستانة بعدما اكتشفنا هذه الحقيقة… بالأمس (يوم الأربعاء) قالوا لنا إن قوات الفصل ستكون قوات دولية أو قوات خليجية عربية، واليوم (يوم الخميس) تغير الحديث، وأمست قوات روسية وإيرانية، ونحن نرفض هذا».

ويأتي موقف المعارضة السورية ذلك، متسقًا مع ما وضعوه من شروط قبل التوقيع على أي اتفاق، وتتضمن رفض الدور الإيراني، وخروج الميليشيات الأجنبية، ووحدة الأراضي السورية، وأن يشمل وقف إطلاق النار «كل» الأراضي السورية، وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة.

ترحيب دولي «حذر»

خيّم على الموقف الدولي لاتفاق إنشاء مناطق آمنة الترحيب الحذر، مع عدم الكشف الكامل عن تفاصيل الاتفاق وتحفظ الولايات المتحدة الأمريكية على الدور الإيراني في الاتفاق.

إذ وصف ستيفان دي ميستورا المبعوث الأممي إلى سوريا، الاتفاق بـ«خطوة إيجابية واعدة في الاتجاه الصحيح لتهدئة الصراع»، محذرًا في الوقت ذاته من أن «الشيطان – كما هو معتاد- يكمن في التفاصيل»، ولفت دي ميستورا الذي كان حاضرًا في محادثات الأستانة إلى أن الاتفاق سيخضع جديًا للاختبار خلال الأسبوعين القادمين، قبيل استئناف مفاوضات جنيف 6 التي تعقد بوساطة أممية منتصف الشهر الجاري.

وفي سياق متصل، أعرب أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة عن ترحيبه بالاتفاق مؤكدًا ضرورة «أن يؤدي هذا الاتفاق بالفعل إلى تحسين حياة السوريين».

بدروها، أعربت الخارجية الأمريكية عن تقديرها لجهود تركيا وروسيا في متابعة الاتفاق، داعيةً المعارضة إلى الارتقاء بمستوى التزامها مع تركيا، وطالبت النظام بوقف جميع الهجمات، وتوقعت من روسيا ضمان امتثال النظام، ولكنها أعربت أيضًا عن قلقها من وجود إيران كأحد ضامني الاتفاق، وشككت في سجل دمشق بالالتزام بالاتفاقات السابقة.

وعربيًّا، أعرب وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، أثناء زيارته لواشنطن، عن تأييد المملكة لإقامة مناطق آمنة في سوريا، لكنه «يرغب في الاطلاع على المزيد من التفاصيل»، فيما رحّبت الخارجية المصرية بالاتفاق، وأكدت دعم مصر «لكافة الجهود الرامية إلى تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في جميع الأراضي السورية، والوقف الفوري للعنف، وتحسين الأوضاع الإنسانية» على حد وصف البيان.

«دماء» حول الاتفاق

لم تتوقف إراقة الدماء في سوريا قبل أو بعد أو أثناء محادثات الأستانة التي أفضت لاتفاق إنشاء مناطق آمنة في سوريا، اللافت أيضًا أن كثيرًا من عمليات القتل تلك وقعت في العديد من المناطق الآمنة المحددة في الاتفاق، ففي يوم الأربعاء الماضي الذي يمثل أول أيام المحادثات، وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 142 شخصًا، بينهم 10 من عناصر من قوات النظام والمسلحين الموالين لهم، و50 مقاتلًا ومدنيًّا قضوا في غوطة دمشق.

وفي سياق زمني أوسع، وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 250 مدنيًّا قتلوا في إدلب جراء الضربات الجوية الروسية والسورية، خلال الشهر الماضي في الفترة من الرابع من أبريل (نيسان) الماضي (الذي شهد الهجوم الكيماوي في خان شيخون)، وحتى مساء أمس الموافق الرابع من مايو (أيار) الجاري (الذي شهد التوقيع على اتفاقية المناطق الآمنة)، واستمر القصف والضربات الجوية والاشتباكات نهار اليوم في إدلب وحلب وحمص.

توافق سياسي دولي حول «المناطق الآمنة» وتعثّر في التطبيق

يأتي الاتفاق حول إنشاء مناطق آمنة في سوريا، وسط حاضنة سياسية دولية من أمريكا وروسيا وتركيا مؤيدة لإنشاء مناطق آمنة في سوريا عمومًا، بغض النظر عن التفاصيل التي قد يشوبها بعض الاختلافات.

فمع الأيام الأولى من حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، دعا الرجل إلى إنشاء مناطق آمنة في سوريا، في خطوة مثلت «انحرافًا» لنهج الرئيس الأمريكي السابق «باراك أوباما» الذي عارضها طويلًا «خشية الانجرار بشكل أكبر في الصراع، وخطر اندلاع اشتباكات بين الطائرات الحربية الأمريكية والروسية فوق سوريا».

وأيدت تركيا تلك الخطوة آنذاك، ولكن روسيا حذرت منها على اعتبار أن واشنطن لم تتشاور معها في ذلك الشأن، ولكن يبدو أن ذلك الموقف قد تغير مع الاتفاق الأخير مع إشارة بوتين إلى اتفاقه مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان على إنشاء مناطق آمنة، وفي خطوة شاور فيها بوتين ترامب، وأبدى الأخير ترحيبه بها، بحسب بوتين.

ويأتي إعلان الاتفاق أيضًا، في ظل تحسن ملحوظ في العلاقات التركية الروسية، تضمن إعلان بوتين الأربعاء الماضي، رفعه لمعظم العقوبات التجارية التي كان قد فرضها على تركيا بعض إسقاط الأخيرة طائرة روسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، وهو تحسّن دفع أنقرة على ما يبدو لتوقيع اتفاق مرفوض من المعارضة السورية، ليبقى تمريره متوقفًا على قدرة تركيا في التوفيق بين المعارضة السورية التي تدعمها، وروسيا التي تبحث تركيا عن تحسين كامل للعلاقات معها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد