على مدار ستة أعوام من الحرب في سوريا بين فصائل المعارضة ومن يدعمها من ناحية، وحكومة بشار ومن يدعمها من ناحية أخرى، كانت هناك الكثير من المحاولات الدولية لعقد مفاوضات بين أطراف النزاع في سوريا، وذلك لتباين مراكز القوى، والمصالح في سوريا خلال الفترة الماضية.

ولكن صباح اليوم بدأت مرحلة جديدة من المفاوضات بين النظام السوري، وفصائل المعارضة المسلحة في مدينة «الأستانة» عاصمة كازاخستان، تحت رعاية روسيا وإيران، الداعمين الرئيسيين للنظام السوري، بالإضافة لتركيا التي حاولت في الماضي القيام بدور الوسيط بين النظام، والمعارضة، إلا أنها دائمًا ما كانت تظهر مساندة لمعسكر المعارضة السورية المسلحة.

ما هي الأستانة؟ ولماذا تم اختيارها لتشكل مرحلة فارقة في الحرب السورية؟

عندما كانت دولة كازاخستان تابعة للاتحاد السوفيتي قبل انهياره، كانت الأستانة عبارة عن مساحة شاسعة من الأرض المسطحة المهجورة البعيدة عن أي مساحة عمرانية مأهولة بالسكان؛ مما جعلها مكانًا مناسبًا بامتياز للاتحاد السوفيتي؛ لكي يقيم فيها سجونه، أو معسكرات العمل التي كان يعمل فيها العمال بالسخرة، وأهم تلك المعسكرات كان معسكر لزوجات الخائنين الذين خانوا الاتحاد السوفيتي أثناء الحرب العالمية، أو من ترى فيهم الدولة أنهم خانوا الاتحاد في الحرب الباردة، وصاروا عملاءً للولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بالإضافة لكون الأستانة قديمًا كانت مركزًا حيويًّا لتجربة الأسلحة النووية الروسية.

ولكن في عام 1997، أعلن رئيس كازاخستان «نور سلطان نزار باييف»، إنشاء عاصمة جديدة تسمى «أستانة»، وهي تعني  عاصمة في اللغة الكازاخستانية، وبعد لمسة معمارية يابانية، تحولت أستانة إلى تحفة معمارية رائعة بعد أن كانت صحراء يفوق فيها الذئاب عدد البشر.

وأما عن اختيار الأستانة أو كازخستان مكانًا لعقد سلسلة جديدة من المفاوضات السورية، فهذا يرجع لعدة أسباب منها المعلنة، ومنها التي يمكن استشفافها من السياسة الكازاخستانية الدولية بشكل عام، ومواقفها تجاه الأزمة السورية على وجه الخصوص، فنور سلطان نزار رئيس كازاخستان معروف بعلاقاته الوطيدة مع كافة أطراف النظام العالمي، فهو حليف مقرب لروسيا، ومصدر ثقة لدى واشنطن، وفي مواقف كثيرة في الأزمة السورية كان نزار باييف هو قناة الوفاق بين روسيا، وتركيا، وفي ضوء أنها تمتلك علاقات جيدة مع الجميع، وتفضل لعب دور الوسيط، كان الدور الكازاخستاني مهمًا جدًّا في خلق حالة من الوفاق بين تركيا، وروسيا، في ظل تناقض الدعم المقدم من روسيا، وتركيا في المعركة السورية لأطراف النزاع، إذ إن الأولى تدعم النظام،  والثانية تدعم المعارضة.

وفي مؤتمر صحافي مشترك جمع بين سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي، وخيرت عبد الرحمنوف وزير الخارجية الكازاخستاني، أجاب لافروف عن أسئلة الصحافيين حول اختيار الأستانة وجهةً للمفاوضات السورية الجديدة، وقال لافروف: «منذ بداية الأزمة السورية كانت كازخستان أحد الأطراف المُهمة في المعادلة التي حاولت مرارًا وتكرارًا توحيد جانب المعارضة السورية؛ لكي تجلس على منضدة الحوار مع النظام السوري»، ونهى لافروف حديثه بأنه يتوقع هذه المرة أن تتعاون المعارضة السورية بشكل أفضل للوصول لحل لإنهاء الحرب الأهلية السورية التي استمرت أكثر مما ينبغي.

سوريا ما قبل الأستانة

انطلقت شرارة الثورة السورية في عام 2011، عندما بدأ أطفال مدينة درعا السورية بكتابة عبارة «جيالك الدور يا دكتور»، في إشارة منهم أنه حان دور سقوط بشار الأسد، بعد سقوط بن علي في تونس، ومبارك في مصر،  الأمر الذي قابله الأمن السوري بردة فعل اتسم بعضها بالوحشية، مثل: القبض على الأطفال الذين يشتبه بهم في كتابة تلك العبارات، ومعاملتهم كأنهم إرهابيون يريدون قلب نظام الحكم، وتكدير السلم العام السوري، ونتيجة لهذه الأفعال اندلعت شرارة الثورة السورية من درعا، ومرت بكثير من المدن السورية، مثل: إدلب، وحمص، وحلب، وكانت المدينة الأخيرة هي نقطة التحول في الأزمة بين المعارضة، والنظام السوري منذ بداية الثورة.

ومع بداية ظهور بعض الجماعات  والفصائل، مثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وجبهة النصرة  التي حولت النزاع السوري إلى حرب طائفية، بعد أن كانت الديمقراطية والعدل والسلام هي أهداف الثورة ، ساهم ذلك في إضعاف الثورة السورية، وجعلها تخسر الكثير من التأييد العالمي لها، ودعم إدعاء النظام السوري بأنه فقط يستخدم السلاح لمهاجمة الإرهاب الطائفي.

ولم يكن النظام السوري هو من يواجه الثورة السورية وحده، ولكنه كان مدعومًا من حزب الله وإيران، والدعم الأكبر كان يتلقاه من روسيا، سواء كان في شكل تسليح كامل لقوات النظام، أو في الغارات الجوية الروسية التي كان لها الأثر الأكبر في إجهاض الثورة، وشكلت معارك حلب الأخيرة التي انتهت بانتصار قوات النظام السوري، وهزيمة المعارضة الهزيمة الأكبر منذ بدء الثورة السورية، تغييرًا محوريًّا في سير العملية العسكرية والسياسية في سوريا، أهمها على سبيل المثال أن روسيا أصبحت هي اللاعب الأكبر في المعركة السورية؛ مما جعلها هي من تحدد مقر قمة المفاوضات في الأستانة، وتقوم بدعوة الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية كأعضاء في هذه القمة، على عكس ما كان يحدث في السنوات الماضية؛ فقد خسرت أمريكا دورها الرئيسي في سوريا، وأصبحت روسيا هي من تقود العملية هناك برمتها.

من يجلس على منضدة الحوار في الأستانة؟

محمد علوش قائد جيش الإسلام، أحد أكبر فصائل المعارضة السورية

 

قال خبير السياسة الخارجية الروسي «أليكسي خليبنيكوف» إن ما يميز هذه المرحلة الجديدة من المفاوضات أن من يمثل المعارضة السورية هم مجموعة من المحاربين من أرض المعركة السورية، وليسوا مجموعة من الرموز السياسية التي تعيش خارج البلاد، فالذين سيتحدثون عن المعارضة هم أشخاص يعيشون الحقيقة كاملة في سوريا. ويجلس محمد  علوش قائد جيش الإسلام «أحد الفصائل المعارضة المسلحة الكبرى في سوريا» في كرسي المعارضة في الأستانة، وقد صرح مسبقًا أنه سوف يذهب للأستانة لينهي جرائم النظام التي ارتكبها منذ بداية الثورة، بحسبه، ومن الجدير بالذكر أنه تم دعوة جميع فصائل المعارضة السورية لقمة الأستانة، باستثناء جبهة النصرة و«تنظيم الدولة الإسلامية»، وذلك لأن روسيا المُنظم لهذه القمة تعتبر هذه الفصائل جماعات إرهابية، ولا بد القضاء عليها لا التفاوض معها.

ومن جانب النظام يمثل بشار الجعفري هو ومجموعة من الدبلوماسيين النظام السوري في هذه القمة، وقد أبرز مسبقًا أن هذه القمة من وجهة نظره ستكون مرحلة جديدة، وخطوة جيدة في طريق عودة السلام للشارع السوري، وأكد أنه لا يرحب بتواجد تركيا في الحوار؛ لأنها تدعم الإرهاب، مؤكدًا أنه تمنى لو أن هذه القمة تكون سورية- سورية.

على جوانب المنضدة، توجد تركيا التي دعمت فصيل المعارضة طوال الحرب، إلا أنها مؤخرًا أبرزت اهتمامًا أكبر  بالفصائل الكردية التي تتواجد على الحدود السورية التركية، وعلى الجانب الآخر، فكل من إيران والولايات المتحدة سيحضر عنها سفيرها في دولة كازاخستان.

ويعتبر وقف إطلاق النار بين أطراف النزاع في سوريا هو الهدف الأول لهذه القمة التي سيتم عقدها على يومين، 23 و 24 من شهر يناير(كانون الثاني) الحالي، على أن يكون هناك قمة أخرى برعاية الأمم المتحدة في جنيف يوم 20 فبراير (شباط) القادم.

المعارضة تصر على أنه لا بد من إنهاء حكم بشار ومحاكمته، والنظام يريد الاستمرار في السلطة لكي يواجه الإرهاب كما يقول، فهل ستفشل المفاوضات، وتعود كافة الأطراف إلى المعركة مرة أخرى، أم سنرى حلًّا وسطًا لإنهاء الأزمة السورية؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد