حصلت سلسلة «قصة الله» التي قدمها النجم العالمي «مورجان فريمان» عن تاريخ الأديان حول العالم على انتباه ملايين المتابعين؛ نظرًا لطبيعة موضوعها المثير، إلى جانب الآداء التقديمي المبهر لمورجان فريمان بصوته العميق والمألوف. على هامش هذه السلسلة الوثائقية الناجحة التي أنتجتها وقدمتها مؤسسة «ناشيونال جيوجرافيك» أقيمت دراسة علمية لبحث الديانات الأكثر انتشارًا حول العالم.

جاءت نتائج الدراسة على غير المتوقَّع، والذي من المفترض أن تكون الديانة الإسلامية هي الديانة الأكثر انتشارًا حول العالم في الوقت الحالي؛ بسبب المعدّلات الإنجابية الكبيرة في البلدان الإسلامية، إضافة إلى الهجرة الكبيرة من الدول الشرق أوسطية ذات الأغلبية المسلمة إلى أوروبا وأمريكا. ولكن جاءت نتائج الدراسة لتثبت أن المعتقد الديني الأسرع انتشارًا ليس الإسلام أو المسيحية، لكنه الإلحاد!

جاء تعريف الإلحاد في الدراسة على أنه «الاعتقاد الذي لا ينتمي أو يعرف نفسه بأي دين». طبقًا للدراسة، فإنّ نسبة الملحدين في الولايات المتحدة قد ارتفعت بنسبة 6.7% عما كانت عليه في عام 2007، وبلغت نسبة الملحدين الآن 22.8% من السكان لتصبح ثاني أكبر مجموعة دينية في البلاد. بهذه النسبة، يصبح عدد الملحدين في الولايات المتحدة أكثر من عدد المسلمين، والبوذيين أيضًا.

الفقراء أكثر من يناجون الله

 

هل الدين هو المسكِّن الأقوى للألم والبؤس؟ إحصائيًا، لا يمكننا القطع بالنفي. فقد أشارت الدراسة إلى وجود رابط واضح بين الفقر وازدياد نسب التدين في البلاد، بينما يميل هؤلاء الذين يقطنون بلادًا غنية إلى الإلحاد وإنكار الأديان. أجرى الباحث المستقل الدكتور توم ريس دراسة حول تأثير الفقر على معتقد الشخص، وخلص فيها إلى أن الأشخاص الذين لا يمتلكون هيئات اجتماعية لتأمين احتياجاتهم ووقايتهم من الفقر، يميلون لأن يكونوا متدينين. هؤلاء الأشخاص في كل المجتمعات يميلون للاعتماد على الدين سبيلًا للراحة النفسية واستدعاءً لفكرة الرعاية الإلهية التي تحيطهم.

اعتقد نيتشه وفرويد أنَّ الدين سوف يضمحلّ ويموت في القرن العشرين، كانا محقين، باستثناء أن توقعهما يرتبط فقط جغرافيًا بالدول الغنية، أما في الدول الفقيرة؛ فالعكس تمامًا هو ما يحدث. عطفًا على دراسة توم ريس، تثبت دراسة أخرى نفس النتيجة، وتبرر الأمر بأن الدين يوفر الأمان للأشخاص الذين يشعرون بالخوف من المجهول.

تعاني الدول الفقيرة عادة من درجاتٍ عالية من التنافر الاجتماعي؛ ما يؤدي إلى معدلات جريمة أعلى، ومعدلات فساد أعمق وأكثر تأثيرًا. ويؤدي ذلك إلى تصنيف أكثر سوءًا على مؤشر السلام العالمي، وهو الأمر الذي يجعل مواطني تلك الدول أقل شعورًا بالسلام الداخلي أو الاجتماعي، هنا يصبح الاعتقاد بقوة عليا تحمي الإنسان وتكافئ الأخيار وتعاقب الأشرار، أمرًا حيويًا ومطلوبًا للمساعدة في استقرار أمن المجتمع.

على العكس تمامًا، وفي الدول الغنية، حيث توفر برامج الرفاهية الاجتماعية للأفراد مستوى أعلى من الأمان في حاضرهم ومستقبلهم على مختلف المستويات. هنا يصبح الأفراد أقل عرضة للأخطار الطبيعية التي أصبح الإنسان يسيطر عليها بشكل كبير، يشعر الفرد بالقدرة الكاملة على التحكم في حياته ومستقبله، وتقل حاجتهم للدين.

لماذا أصحاب البشرة السمراء هم الأكثر إيمانًا؟

 

على مستوى العرقي، أثبتت الدراسة تفاوت كبير بين أصحاب البشرة السمراء، وأصحاب البشرة البيضاء. وجاءت النسبة أن 78% من الملحدين هم من أصحاب البشرة البيضاء، وهو تفاوت ضخم ومثير للدهشة. تزول هذه الدهشة بمجرد الربط بين أصحاب البشرة السمراء، والمستوى المادي للدول التي يعيشون بها، فنجد أن كل العوامل المرتبطة بانتشار الدين هي سمات تكوينية أساسية في الدول ذات الأغلبية من أصحاب البشرة السمراء.

على مستوى العالم، تعاني معظم الدول التي تمتلك أغلبية من ذوي البشرة السمراء معدلات منخفضة من التنمية، ومعدلات أعلى من الفقر، هذه العوامل المرتبطة بتدني المستوى المادي، وبالتالي مستويات أقل من الأمان الاجتماعي على مستوى الفرد والمجتمع تكون هي البيئة الأكثر احتياجًا للدين.

لا يختلف الأمر في الدول الغنية عند النظر إلى الميل الواضح لأصحاب البشرة السمراء إلى التدين، قد تختلف التفسيرات هنا، إلا أن أحدًا لا يختلف على أهمية الاضطهادات الواسعة التي عانى منها السود في تاريخ الولايات المتحدة، فقد لعبت الكنيسة دورًا مهمًا في حماية ودعم أصحاب البشرة السمراء طوال أوقات المحنة وفترات العبودية.

اعتبرت الكنيسة السمراء في الولايات المتحدة الديانة المسيحية كآداة للتحرر من العبودية؛ كما كانت المسيحية – وهي المعروفة بأنها ديانة الضعفاء – خير سلوى ومعين على تحمل الظروف القاسية التي عاناها السود في التاريخ المبكر للولايات المتحدة، فقد كان أصحاب البشرة السمراء في حاجة ماسة لمبادئ المسيحية، مثل مساندة الضعفاء، ونشر التسامح والمساواة في المجتمع، وكانت تلك المبادئ حيوية وشرطًا لوجودهم على قيد الحياة.

هل النساء أكثر إيمانًا؟

 

من ناحية الجنس، جاءت الدراسة لتؤكد ميل الرجال للإلحاد بدرجة أكثر منها لدى النساء؛ حيث بلغت نسبة الرجال من مجموع الأشخاص الملحدين 68%، وبالبحث وراء هذه الظاهرة نجد أن هناك العديد من التفسيرات التي يمكن أن تؤدي إلى نتيجة كهذه.

قبل الخوض في التفسيرات التي يمكن أن تبرر هذا الاختلاف الواضح بين الجنسين في الموقف من الأديان، فإنه من الضروري ذكر الاهتمام الواسع من العلماء لمحاولة تفسير هذه الظاهرة التي رصدتها أعداد ضخمة من الدراسات حول العالم، تلك الدراسات أثبتت خلافًا كبيرًا فيما بينها من حيث تفسيرها لهذه الظاهرة، بين تبني أسباب بيولوجية أو نفسية أو اجتماعية وبيئية، حتى اعتبرت هذه الظاهرة لغزًا علميًا غامضًا.

أحد تلك التفسيرات، هي أن الرجال يمتلكون مستويات أعلى من هرمون التستستيرون، وهو الأمر الذي يدفعهم نحو اتخاذ القرارات التي تميل للمخاطرة، وهو ما يؤدي إلى احتمالية أكبر في أن ينكر الشخص إمكانية وجود إله، مع ما يمكن أن يتعرض له من مخاطر نتيجة هذا الاعتقاد؛ في نفس الوقت يرى علماء آخرون أن السبب في هذا الاختلاف بين الرجال والنساء يكمن في العوامل الثقافية، حيث لاحظ العلماء اقتراب نسبة الرجال والنساء الذين يعملون، بينما تزداد نسبة التدين في النساء اللاتي لا يعملن، وبالتالي ترتفع الفجوة بينهم وبين الرجال، كذلك يمكن تفسير الأمر بأن النساء المتدينات يملن للبقاء في المنزل، لأسباب ثقافية تدور حول الأدوار التي يقوم بها كلا الجنسين.

تفسير آخر اجتماعي تم تقديمه من قبل الباحثَين مارتا ترزبياتوفسكا و ستيف بروس من جامعة أبردين، وهو أن هذا الاختلاف يمكن تفسيره في ضوء الدور الاجتماعي للمرأة عبر العصور؛ فكون المرأة أكثر قربًا للموت خلال عملية الولادة يجعلها أكثر حاجة للتدين، كذلك ضغط الرجال على النساء عبر العصور ليكن متدينات من أجل السيطرة على الشهوة الجنسية لديهن، جعل النساء في العموم أكثر تدينًا من الرجال.

الجيل الجديد أكثر من يرفض «الله»

أشارت الدراسة إلى زيادة نسبة الإلحاد بين جيل الألفية الجديدة، وهو الجيل الي وُلد بعد عام 1981، مقارنة بالأجيال الأكبر سنًا. وأشارت دراسة إلى أن نسبة الأطفال الذين ولدوا بعد عام 1970،  تربوا في بيئة غير متدينة، تبلغ 11%، وهي النسبة الأعلى بعد أن كانت النسبة 4% فقط عندما أجريت دراسة مشابهة لمن ولدوا في الخمسينات من القرن الماضي.

أصبح من السهل الآن التواصل مع الأشخاص الملحدين وغير المهتمين بالأديان، كذلك المجموعات النقاشية التي تعقد حول الموضوع، ومجموعات أخرى خاصة بالدعم النفسي والقانوني الناتج عن اتخاذ موقف بترك الدين، أو اعتناق خيار بعدم التدين من البداية. كل تلك المتغيرات أصبحت أكثر انتشارًا، وبالتالي أكثر تأثيرًا في التكوين الثقافي لدى الأجيال الجديدة.

تلعب تلك الحركات والمنظمات دورًا في غاية الأهمية لهؤلاء المختلفين عن النمط العام لمجتمعاتهم، إنها تجعلهم يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم. أن هناك الكثيرين ممن يشتركون معهم في الفكر والأيديولوجية مهما كانت غريبة أو مختلفة عن أوساطتهم. فيقول الدكتور مايكل هوت، أستاذ السوسيولوجيا في جامعة نيويورك: «إن أهم أسباب ابتعاد الأجيال المتأخرة عن الدين هو انعدام الثقة في المؤسسات العامة لأن تأخذ القرارات الخاصة بهم، هذا الاعتقاد بأنه يجب عليهم أن يفكروا بأنفسهم لأنفسهم نابع من التعليمات التي تلقاها هؤلاء الأطفال من آبائهم الذين أصبحوا أكثر علمانية بدورهم، كذلك معدلات الثقة في القيادة أصبحت أقل لدى الصغار مقارنة بكبار السن والبالغين طبقًا للكثير من الإحصاءات العامة، هذا الأمر يجعلهم أقل ثقة في الكنيسة والحكومة والإعلام كذلك، فلقد تعلموا أن يعتمدوا على أنفسهم كليًا».

دراسة أخرى أشارت إلى أن التعارض المتزايد بين الكنيسة والعلم يعتبر سببًا مهمًا في فهم العزوف عن التدين من الشباب والمراهقين؛ ففي الوقت الذي تزايدت فيه النظريات والتطبيقات العلمية التي تتعارض مع الدين، كان على الطلاب اتخاذ موقف من هذا الصراع، وفي الوقت الذي فشلت فيه الكنيسة في تقديم مبررات وتفسيرات معقولة لتلك التعارضات، أصبح ترك الدين هو الموقف السائد بين الطلاب، حيث يعتبر الكثير من الطلاب الآن أن التوافق بين العلم والدين أصبح أمرًا مستحيلًا.

الدول الأكثر إلحادًا

حددت الدراسة بعض الدول لتكون الدول ذات النسب الأعلى من الملحدين، وربطت الدراسة بين علمانية هذه الدول، وريادتها في سن التشريعات والقوانين التي تجعل الدولة محايدة تمامًا من ناحية المعتقد الديني، هذه الدول هي فرنسا ونيوزيلاندا وهولندا، وهناك دولًا أخرى على وشك اللحاق بهذا الركب، حيث يتوقع أن يكون الإلحاد في مستقبلها القريب هو معتقد الأغلبية، شرط أن يستمر التغيير في نفس الاتجاه الحالي، وهذه الدول هي المملكة المتحدة واستراليا.

على الجانب الآخر، يحدث ازدياد كبير لنسب المتدينين في بلدان جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا، كما في دول الشرق الأوسط، وهذه المناطق تتميز بمعدل مواليد مرتفع للغاية، وتتوقع دراسات أن يكون نسب المتدينين بعد 25 عام من الآن هم الذين ولدوا في تلك المناطق، أكثر من الملحدين الذين ولدوا في كل الأرجاء الأخرى من العالم خلال نفس الفترة.

وفي الوقت الذي تسن الكثير من الدول ذات الأغلبية المتدينة قوانين تتميز بطابع التفرقة على أساس الدين، وتصل العقوبات للملحدين فيها إلى السجن وأحيانًا إلى القتل، فإن الدول التي تحظى بأغلبية ملحدة تتسم جميعها بنظم حكم علمانية تنحي الدين من الحياة العامة، لتضعه في مركز أقل أهمية في المجال العام؛ ففي دول مثل أستراليا وفرنسا، هناك تاريخ طويل من الصراع والإصلاحات المستمرة في اتجاه تقويض سلطة الكنيسة، تأتي هذه الخطوات في اتجاه ثابت، وهو تقبل الاختلافات الفكرية والعقائدية بين الأفراد، وجعلها أمور خاصة لا يتم دعم أحد أطرافها من قبل الدولة، وفقًا بالطبع للرواية الرسمية لتلك الدول.

وتعتبر الصين على رأس قائمة الدول ذات الأغلبية الملحدة في العالم حيث تبلغ نسبة المتدينين فيها 7% فقط، تليها اليابان وإستونيا والسويد والنرويج وجمهورية التشيك وهونج كونج، وتشترك أيضًا الكثير من تلك الدول في الكثير من الأمور التي أشارت إليها الدراسة، من حيث الاهتمام بالتعليم، والشبكات التأمينية التي تؤمن حياة الأفراد وتضمن لهم مستقبل مستقر، كما توفر الكثير من تلك الدول مستوى معيشة متميز ماديًا لكل مواطنيها؛ وكل تلك المتغيرات تجعل الفرد أكثر قدرة على التحكم في مصيره وصناعة القرارات الخاصة بحياته، وهو ما يجعله أقل حاجة لقوى خارجية يعتمد عليها في مثل تلك الأمور.

وأشارت الدراسة كذلك إلى أنه – ومن منظور ديني – فإن الإسلام هو أكثر الأديان انتشارًا في العالم، وتوقعت الدراسة بأن يكون الإسلام هو الدين الأكثر أعدادًا في العالم بحلول عام 2050 ليسبق بذلك المسيحية صاحبة الانتشار الأوسع في العصر الحالي.

المصادر

تحميل المزيد