ما زلنا مع أسباب الإلحاد، واستكمالا للحُجَج التي يطرحها الملاحدة نذكر:

 

6- الله لا معنى له

الفلسفة النسبية

يعتقد بعض الفلاسفة أن النصوص [اللغة] الدينية لا معنى لها أساسا، فلا يوجد داعٍ إطلاقا أن تسأل إن كان الله [كاتب هذه النصوص] موجودا أم لا؟!

مثلا إن سألتَ عن جملة (ِفي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) [العهد القديم، سفر التكوين، 1/1] قائلًا: هل هي صحيحة أم خاطئة؟ فإن هذا السؤال يكون لا معنى له في الحقيقة، وهو من قبيل أن تقول: (أفكار خضراء بلا لون تنام في غضب).
فتلك الجُمَلُ ونظائرها فاقدة المعنى.

الوضعيّة المنطقيّة

يقول الوضعيّون المنطقيّون: أنّ الجملة إن لم يمكن إثباتها أو نفيها منطقيا فإنها تكون فاقدة للمعنى، وتكون الجملة صحيحة أو خاطئة فقط إن كان من الممكن أن تخضع للتجربة، أو يمكن صياغتها في تعريف مفهوم كأن يقال مثلا: المثلث شكل هندسي ذو ثلاث زوايا.

يمكن توضيح هذه الفكرة من خلال الآتي:
ما دام لا يمكن التحقق من وجود الله عن طريق التجربة، ولا يمكن تعريفه أيضا؛ فلا فائدة من السؤال عنه أصلا؛ لأن الإجابة عنه لا يمكن أن تكون لا بالسلب ولا بالإيجاب.

وللعلم.. هذه الفلسفة لا تقف هذا الموقف السلبي تُجاه الخطاب الديني فقط، وإنما تقف نفس الموقف إزاء المداولات الفلسفيّة الأخرى التي لا تخضع للتجريب، كالبحث فيما وراء الطبيعة مثلا؛ فكل هذا فاقد للمعنى. وهذه الفلسفة لم تعد رائجة في الأوساط إلى حد بعيد؛ لأن الاهتمام قد توجّه إلى البحث عن تعريف الله، والتحقق من وجوده وعدمه.
يقول ألفريد آير (A. J. Ayer):

“إننا نقول: أن الجملة تكون غير فاقدة للمعنى لأيّ شخص، فقط إنْ استطاع أن يتحقّق من الفرض الذي يطرحه، وإن كان يعرف الملاحظات التي أدتْ – تحت ظروف خاصّة – إلى قبول فَرْضِه إنْ كان صادقا، أو رفضه إنْ كان كاذبا”.

آثر ألفريد آير (A. J. Ayer) أن يصيغ تلك الفكرة الفلسفية في نسختها الضعيفة؛ لأنه لا يمكن بحال من الأحوال إيجاد برهان تجريبي حاسم تمامًا، وإن كان لابد، عندها سيُعتَبَر كلّ كلامنا عن الكون فاقدا للمعنى.

لذا يقول:

“إن تلك الفكرة الفلسفية لا تكون قابلة للتحقق من معناها القويّ إلا إذا كان من الممكن إجراء التجريبات التي تؤدي إلى نتائج قطعية، ومن الممكن تحقيقها في نسختها الأضعف فقط إن كان من الممكن إجراء التجارب لجعل الشيء المُمْتَحَن محتملا على الأقلّ”.

إن تلك الفكرة قد أدت بألفريد آير (A. J. Ayer) إلى إنكار وجود الله بطريقة فيها من الجرأة ما فيها؛ إذ يقول: “لا يمكن بحال من الأحوال أن نقرّ بوجود الله بطريقة قطعية؛ لأن وجوده قضية محتملة، وإن قلنا باحتمال وجوده ستتحوّل القضية إلى فرضية تجريبية؛ لذا سيكون من الممكن أن نفرّع عنها ونستخلص منها بعض الافتراضات التجريبية الأخرى. بالتأكيد لا يمكن أن نستخلص بعض الافتراضات من هذه القضية بمفردها.
لكن – في الحقيقة – ليس ممكنا أن نقول: [الله موجود]؛ لأن هذه الجملة من قبيل البحث الغيبي (الميتافيزيقي) الذي لا يمكن إثبات صحته من خطئه، ووجوده من عدمه”.

7- الله عامل نفسيٌّ فقط لا غير

التفسير النفسي للدين

كان علماء النفس – ولا يزالون – في انبهار دائم لوجود الدين في أيّ أمة من الأمم. لذا تساءلوا عما إذا كان الدين في الواقع استجابة لوجود الإله أو الآلهة، أم أنه مجرد اسم للدوافع النفسية المختلفة؟
هذا القول الأخير قول إلحاديّ محض؛ فالدين بالنسبة إلى الرجل العاميّ – اعتمادًا على هذا القول – ما هو إلا كما يقول سيجموند فرويد (Sigmund Freud ) في كتابه :الحضارة وسخطها -Civilization and its Discontents:

“الدين هو مجموعة من المنظومات العقدية والوعود الإلهية؛ فهو يشرح كثيرًا من الألغاز في مفاهيم كليّة يُحْسَد عليها، وكذلك يؤكد على أن العناية الإلهية لن تفارق الإنسان أبدا في حياته وبعد مماته، فلو عانى كثيرًا في هذه الحياة الدنيا سيجازى أخيرًا بالإحسان لا محالة”.

مصدر الدين العاطفة

يؤمن الإنسان بالله لأنه يريد:
1-أبا يحيمه من هذا العالم المخيف.
2- كيانا كالله يُضْفي على وجوده شيئا من المعنى والغائيّة.
3- فكرة لا تقول أننا وُجدنا لنموت فقط.
4- أن يشعر أنه جزء مهم من هذا العالَم، وأنه محطّ عناية الله وتكريمه.

فالإيمان بالله – لذلك – متغلغل في النفوس البشرية جدًا؛ لأنه يُمكّن الإنسان من التعامل مع مخاوفه الرئيسية التي تواجهه في هذا العالم من غير تعقيد.

لذا يرى الملاحدة أن الدين ما هو إلا قضية نفسيّة مصدرها الخيال البشري، وعلى الإنسان أن ينبذ الدين تمامًا حتى يستطيع فهم هذا العالم بطريقة صحيحة، ومن ثمّ يكون قادرًا على التعامل معه.

سيجموند فرويد (Sigmund Freud)

تناول سيجموند فرويد (Sigmund Freud) الدين بالشرح والتفصيل، وله رؤى عديدة تتعلق بهذا الأمر.

تقول إحدى نظرياته عن الدين: أن مصدره لا يكون غير التجارب الشخصية أثناء الطفولة، فالإنسان يُولد طفلا صغيرا لا يقوى على شيء، ويعتمد بالكلية على أبويه اللذَيْن يحبانه حبا عظيما، ويُرضيان كلّ رغباته. ينظر الطفل إلى أبويه على أنهما قادران على تحقيق كل شيء.  هذه التجربة تشبه جدا الصورة التي يرسمها الإنسان عن الله عندما يشبّ ويكبر.

بل يقترح سيجموند فرويد (Sigmund Freud) اقتراحا يقول فيه: أن تلك التجربة الطفولية تزرع في الإنسان مشاعر مختلفة متنقاضة تُجاه والديه ونفسه والدين الذي هو عليه وطقوسه، وليس هناك شيء سوى الدين قادرًا على أن يوفّر آلية مرضية للتعامل بحزم مع تلك المعاني كلها.

ووصف سيجموند فرويد (Sigmund Freud) الدين بأنه وهْم كبير يغاير الحقيقة ويُشعر الإنسان بالسعادة الغامرة، وأنه تحت العناية والحماية الإلهية من كل ما يمكن أن يؤذيه.

8- الله نِتاج مُجتمعيّ

التفسير الاجتماعي للدين

يعتقد بعض الناس أن الأديان والاعتقادات الدينيّة ما هي إلا من اختراع المجتمعات البشرية، وليستْ نتيجة حقيقة لوجود الله.

لودفيغ فيورباخ (Ludwig Feuerbach)

يقدّم لودفيغ فيورباخ (Ludwig Feuerbach) – فيلسوف ألماني من فلاسفة القرن التاسع عشر – الدين على أنه من اختلاق الشعور البشريّ بالأبديّة واللانهائيّة. وكان يرى أن المعتقدات الإلهية هي في الحقيقة معتقدات إنسانيّة عن الله، وليستْ إلا نوعًا من التكهّنات البشرية عن الإيمان بكائن روحي من الوهْم.

إميل دور كايم (Émile Durkheim)

يعتقد إميل دور كايم (Émile Durkheim) الفيلسوف الفرنسي أن الدين صناعة بشرية من اختلاق المجتمعات، ولا يوجد ما هو خارق يتعلّق به.

يقول إميل دور كايم (Émile Durkheim) في كتابه (الأشكال الأساسية للحياة الدينية – The Elementary Forms of the Religiou Life): “إن الدين ليس سوى القوة الاجتماعية المجهولة، ومصدرها لا يكون غير الاجتماع البشري”. إنه يعتقد أن الدين حقيقة واقعيّة، ولكنّه لا يوافق على أن الحقيقة التي تكمن وراءه هي ذات الحقيقة التي يؤمن بها المؤمنون.

والدّين يساعد البشرعلى تكوين مجتمعات متماسكة يجد فيها كل واحد مكانه المحدد له. كما أن الطقوس الدينية تخلق حالة من الترابط الرّوحيّ بين أفراد المجتمع الواحد أثناء إقامتها؛ لذا فالطقوس الدينية مفيدة لأيّ مجتمع من المجتمعات؛ لأنه ليس لها دور غير تقوية معتقداتهم الاجتماعية، وتعضيد الوعي الجماعيّ.

وأما عن وظائف الطقوس الدينية، فيمكن إيجازها فيما يلي:
1- إضفاء معنى وهدف لهذه الحياة.
2- ربط الأفراد في أي مجتمع بميثاق غليظ.
3- تدعيم القوانين الأخلاقية للجماعة.
4- تدعيم القوانين الاجتماعية للجماعة أيضا.

بل اعتقد إميل دور كايم (Émile Durkheim) أنه من الكافي إعطاء البشر عن طريق الدين شعورًا بوجود شيء خارج للطبيعة يدير دّفّة السفينة الكونية.

يقول إميل دور كايم (Émile Durkheim) في كتابه (الأشكال الأساسية للحياة الدينية – The Elementary Forms of the Religiou Life): “بما أن المجتمع البشري يُفْرِز أفكاره من خلال الطرق الروحية، فإن الإنسان – لذلك – يؤمن بفكرة وجود قوة أو قوى عديدة في الخارج تتميّز بالأخلاقيّة – وفي نفس الوقت – فعّالة يمكن الاعتماد عليها”.

ويرى إميل دور كايم (Émile Durkheim) أن المعتقدات الدينية بدورها تؤدي إلى تقسيم الأشياء إلى مدنّس ومقدّس، والمدنس هو كل ما يخالطنا في الحياة اليومية الروتينية، والمقدس عبارة عن كل ما تعالى عنّا، وأوْحي بشيء من الرهْبة.
والشيء لا يكون مقدّسا بسبب تسلّط قوة خارجيّة، وإنما يكون كذلك إنْ أحاطه المجتمع ضمن مجموعة مثالية بعينها بسياج من القداسة.

9- النقد الماركسيّ للدين

نظرة كارل ماركس (Karl Marx) إلى الدين

يرى كارل ماركس (Karl Marx) أن الدين وهْم، فلا إله فى الحقيقة، ولا وجود لقوة خارقة تقف في الخارج تراقبنا، بل كان يرى أن الدين يمنع المجتمعات البشرية من التغيّر.

الدين مؤسّسة اجتماعية

يرى ماركس أن الدين ما هو إلا مؤسسة اجتماعية انعكست وبقي أثرها في مجتمع بعينه قد ازدهر وتقدّم. وتلك المؤسسة أداة يستخدمها الرأسماليون لإبقاء الطبقة العاملة تحت سطوتهم وسلطانهم.
والّدين يُجبر الطبقة العاملة على الرضى بحالتها البائسة وظروفها المقيتة، ويجعلها تستسلم وتفكّر في النعيم الأخروي الذي ينتظرها بعد الممات إنْ تحلّتْ بالصبر. كما أنه يصرفها عن مجرد التفكير في تغيير هذه الحياة وجعلها مكانا أفضل.

الدين يخدع البشريّة

يرى ماركس أن الدين يروّج لسعادة وهميّة لا أساس لها بدلا من أن يكون دافعا للقضاء على الفقر عن طريق إصلاح الفساد الاقتصادي.
أبى الدين إلا أن يكون ملجأ وهميّا لا مفر للناس إلا إليه لتكون حياتهم البائسة – ولو عن طريق الوهم – معقولة ومُحْتَمَلَة.
ما الدين إلا مخدّر، ما هو غير أفيونٍ للشعوب، ونحن بحاجة إلى أن نعالج المرض ونقضي عليه لا أن نخدّر المريض!

يقول كارل ماركس (Karl Marx): “إن الدين هو تنهّد مخلوق مُعَذَّب في عالم منزوع الرحمة. هو روح الأوضاع الاجتماعية التي لا روح فيها. إنه أفيون الشعوب”.

كان الدين المسيحي هو الهدف

كان التحليل الماركسيّ للدين ينصبّ بصورة رئيسية على الدين المسيحي؛ هذا لأن العقيدة المسيحية كانت هي العقيدة المهيمنة على المجتمعات الصناعيّة التي ألهبها ماركس بسياط نقده.

 

10- الله لا يُرَى

الله محبة (رحمة)

هذه واحدة من البراهين غير الاعتيادية التي قد يستخدمها البعض لبيان أن الله لا يُمكن وجوده.

يقول هذا البرهان: أن الله محبة (رحمة). والله يعلم – لا محالة – أن الإنسان سيكون أكثر سعادة إن أدرك تلك المحبة (الرحمة) الإلهيّة؛ لذا لو كان الله موجودًا لحرص أشد الحرص على إعلان نفسه؛ ليعرف وجوده كل أحد، وهناك الكثير ممن ينكر وجوده؛ لذا مثل هذا الإله لا يمكن وجوده بحال من الأحوال.

وتلخيصا لما سبق في هذه المقالة والتي سبقتها نقول:

للإلحاد نوعان من الأسباب.

(1) أسباب غير عقلية:
1- تقليد المجتمع.
2- التعليم.
3- التربية.

(2) أسباب عقلية:
1- نقص الأدلة.
2- الله ليس ضروريا لتفسير الكون.
3- فكرة الله ليست مقنعة.
4- مشكلة الشرّ.
5- العلم الحديث، وتاريخ الفكر البشري.
6- الله لا معنى له.
7- الله عامل نفسي فقط لا غير.
8- الله نتاج مجتمعي.
9- النقد الماركسي للدين.
10- برهان الله محبة (رحمة).

يتبع….

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد