1) قدماء الملحدين

يرى كثير من مؤرّخي الإلحاد أن فلاسفة اليونان والرومان – كإبيقور (Epicurus)، وديموقريطوس (Democritus)، ولوكريتيوس (Lucretius )- هم أول من كتبوا في الإلحاد ونظّروا له.
نعم، قد غيّر هؤلاء الفلاسفة التصوّر الإلهيّ الذي كان راسخًا في أذهان الناس آنذاك، ولكنّهم لم ينكروا تمامًا إمكان وجود الله.

– إبيقور (Epicurus)

وضع إبيقور (Epicurus) حجر الأساس للفلسفة الماديّة؛ حيث كان يرى أن الوجود الحقيقي الوحيد هو الذرّات والفراغ الكائن بينها.

والنفس (الرُّوح) في نظر إبيقور (Epicurus) مؤلفة أيضًا من عناصر ماديّة؛ لذلك عندما يفنى الجسد تفنى الروح معه؛ فلا وجود لحياة أخرويّة!

لم ينف إبيقور (Epicurus) وجود الآلهة مطلقًا، وإنما قال بإمكان وجودها، وإن وُجدتْ فإنها لا تتدخّل لا في الكون، ولا في حياة البشر.

ما الدين عنده إلا محاولة بشرية كي يتخلّق الإنسان بأخلاق الآلهة التي لا يدرك حتى كُنْهها.

يقول: إن الروح لا يمكن لها أن تنجو وهي بمنأى عن الجسد الحاضن لها، ولو انفصلت عن الجسد ما كان لها أن توجد، أو أن تكون لها حركة مستقلّة. ألمْ تر أنها مثل الجسد تفْنى إن أُطلق صراحها من قفصها الجسديّ؟


– لوكريتيوس (Lucretius):

كان لوكريتيوس (Lucretius) لا ينكر وجود الآلهة هو الآخر، ولكنه كان ينتقد أفكار البشر عنها؛ إذ كان يرى أن الآلهة نِتَاج خوف الناس من الموت الذي جعلهم في شقاء وبؤس.

سار لوكريتيوس (Lucretius)على نفس الخط الإلحاديّ لإبيقور (Epicurus)، فكان يرى أن الآلهة لا تكلف نفسها أدْنى مشقّة للتدخّل في شئون عالمنا الإنساني، وعلى الإنسان ألا يخاف مما وراء الطبيعة.

اقتباسات من قصيدته: (في طبائع الأشياء – On the Nature of Things)



لا يبدّد ظلمة العقولِ، ولا ذُعرَ الرجالْ
شروقُ شمسٍ، ولا نوريٌّ من جمالْ،
ولا سهامُ صُبْح.. كلا، ولا لمعانُ المآلْ
إنها الطبيعةُ، قوانينُها، فقْهُ الفِعالْ..
ذو مَعاوِل التبديدِ أبلغُ من كلِّ مقالْ.

الخوفِ سلطانٌ يفوقُ المَوْتَ الزُّؤامْ؟
أترهبونَ الأرضَ والسّماءَ، ولا تعرفون الأنامْ؛
فتعبدونَ آلهة تظنونَها تعملُ هنالك حتى وأنتم نيامْ.

أمِنْ لا شيء تعملُ كلُّ الأشياءِ؟
أيمسكُ اللا شيء أرضًا وسماءً من فناءِ؟
أتعبدون كلَّ مجهولٍ خوفًا من البلاءِ؟
إنها الطبيعةُ، وتفاعلُ عناصرِها بلا سِيمياءِ!
استرح.. لا يخرجُ من العدمِ شيءٌ من الأرزاءِ.

والنوع البشري كلّه في عناءِ الأقْدارْ.
تجده قامعًا على وجه البسيطةِ ويْكأنّه في إِسارْ.
يطلّ الدينُ عليه برأسه في خبثٍ، يصبُّ عذابَه بمِقْدارْ.
طلّ الدينُ من السماءِ برأسِه فقام يونانيٌّ مِغْوَارْ.
لم يخَفْ أن ينظُرَ إليه بعينِه الفانيةِ، وما احتجبَ وراء سِتارْ.
كان أولَ من يُجابهه، ولا يقيمُ له أدْنى اعْتبارْ.
كلا.. لم تُنْقِصْ أساطيرُهم، ولا البروقُ، ولا الرعودُ، ولا النّارْ
من عزيمتِه، بل زاد بأسُه، وما عَلِق به حتى الغُبارْ.
حتى لقدْ تَمَنَّى أنْ يُحَطّمَ أبوابَ الطبيعةِ؛ فيكشفَ كلَّ الأسْرارْ؛
لذا ترى عزيمتَه قد اشْتعلتْ، فليس له من فِرارْ
إلا أنْ يَمْضِيَ في طريقِه لا يعبأ بعالمِه وإنْ أَغَارْ.
عليْه أن يُحَلّقَ بعقلِه في الأجْواءِ والقِفَارْ،
وأن يضربَ بخَيالِه حتى الفَلَك المُدارْ،
وها هو يعودُ إليْنا مُظفّرًا مليئًا بالوَقارْ،
يمتليءُ معرفةً وعِلْمًا؛ فله كلُّ تحيّةٍ وإِكْبارْ؛
إذْ يعرفُ ما يُمكِنُ وجودُه وما يستحيلُ وما يُدار.
علّمنا فارسُنا المبادئ العليّةَ، وأنْ لا نسارعَ بإنكارْ؛
فمن تلك المبادئ تُسْتمدّ القوةُ والحركةُ.. بها تدورُ الأقْمارْ.
كل شيءٍ في مكانه يلتزمُ حدودَه؛ فلا انهيارْ.
عندها تبدّلت الأوضاعُ، واستسلمَ الدينُ، وأصبحَ في صَغَارْ.
داسَهُ النّاسُ بأقدامِهم في فَخَارْ.
وإلى عنانِ السماء نمجّد هذا النصر، وننسجُ فيه الأشعارْ.

 

2) في الأخلاق المسيحيّة

هُوجِمَتْ المسيحيّة بقوةٍ من قبل بعض الناسِ والكُتّاب كجورج إليوت (George Eliot) وغيرها؛ إذ رأوا أن تلك الديانة غير أخلاقيّة بالمرة!

الله يتصرف في الديانة المسيحية وكأنّه [مستبدّ حقود]؛ إذْ طبقًا لمعتقد الخطيئة الموروثة (original sin) الربّ لا مانع لديه أن يعاقب الناس على خطأ لم يرتكبوه، لديه استعداد أن يعاقبهم؛ لأنهم من أبناء آدم فقط!  أيُّ نوع من الآلهة هو هذا الربّ الذي قرّر أن يرفع هذا العقاب الظالم؛ لينزله على ابنه الوحيد بدلاً منا؟!

يُعتَبر جيمس فرويد (James Froude) من أوائل من رأوا هذا الرأي؛ إذ يقول عام 1849:

وإنّي لأودّ أن أتعفّن أبد العُمر، ولا أنحني أو أركع مرة واحدة لهذا الربّ القادر على سحْقي. حقيقة، إن قلبي يمنعني من أنْ أبجّله.

يقول جون ستيوارت مل (John Stuart Mill) عام 1872:

إن هذا الكائن ليس خَلُوقًا، ولا أعني هنا زملائي من المخلوقات الأخرى. وإن كان لمثل هذا الكائن أن يرسلني إلى جهنّم لهذا القول، فإنّني سوف أسير إلى جهنّم وحدي.

يستخدم الملاحدة في هجومهم على الأخلاق الإنجيليّة أسلوبًا مباشرًا أقل مكرًا وحيلة؛ إذْ يتذمرون جدًّا من النصوص الداعية إلى العنف والبذاءة، والتي تستولي على عقول كثير من الشباب المسيحيّ.

3) العلمانية

شنّتْ الحركة العلمانية هجومًا حادًّا على الكنائس المسيحية، وكان القرن التاسع عشر شاهدًا على ذلك.وكانت كنيسةُ إنجلترا الأنجليكانية كنيسةَ الدولة، فكانت هدفهم الأساسي لتسديد سهامهم وانتقاداتهم لما كان لها من امتيازات رفيعة في الدولة.

1- فحتى عام 1828 ما كان يحقّ لأحد أن ينشئ مكتبًا عامًّا من غير أن يؤمن ويصدّق بمعتقدات الكنيسة.
2- وحتى عام 1836 كان لقساوسة الكنيسة وحدهم الحقّ الكامل في إدارة شؤون الزواج.
3- وحتى عام  1871ما كان يحق لأحد أن يُدرّس في جامعاتٍ كأوكسفورد (Oxford )، وكامبريدج (Cambridge) إلا أعضاء الكنيسة فقط.

ازدراء الأديان:

سنّتْ بريطانيا الفيكتوريّة قوانين صارمة لمواجهة ازدراء الأديان، وكان جورج هوليوك (George Holyoake) [1817-1906] هو آخر من سُجن بتهمة الإلحاد عام 1842؛ إذ تمّ اعتقاله لمدة ستة شهور متتالية لخطبة ألقاها، وكان فيها قوله:

إنني أصبحتُ أهرب بعيدًا من أفعى الكتاب المقدس، وأعلن عصياني على كل ما هو مسيحيّ داخلي.


تشارلز برادلاف (Charles Bradlaugh):

كان تشارلز برادلاف (Charles Bradlaugh) [1833-1861] واحدًا من أبرز ملاحدة بريطانيا الفيكتورية، كما أنه كان واحدًا من دعاة الإصلاح الوطنيّ، والتي رُميتْ – آنذاك- بتهمة الهرطقة، وفي عام  1866أصبح تشارلز برادلاف (Charles Bradlaugh) أحد مؤسسي المجتمع العلماني الوطني.

انتُخِب تشارلز برادلاف (Charles Bradlaugh) للبرلمان عام 1880، ولكن حال بينه وبين دخول البرلمان رفضه أداء اليمين الدينيّ.
وقد أُعيد انتخابه مرات عديدة على مدار خمس سنوات متعاقبة، ولكنه لم يُمَكَّن من مقعده حتى عام 1886.
وكانت تلك هي المرة الأولى التي يتواجد فيها ملحد يعلن إلحاده صراحة في البرلمان البريطاني!

يتبع..

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد