4) دوروثي راو (Dorothy Rowe)

دوروثي راو (Dorothy Rowe) عالمة نفس عالميّة مرموقة، وكاتبة غطّت أبحاثها مجالات عديدة مثل: الاضطراب العاطفي، السعادة، كبر السنّ، المعتقدات الدينيّة، السياسة، المال، الأصدقاء، الأعداء، الانبساط والانطواء، الآباء والأمهات، الأطفال، العائلة.

ماذا يعني أن تكون إنسانًا؟!

أثبتت العلوم العصبية (Neuroscience) أن الحرية الإنسانية لها وجود على الحقيقة، وأصبحتْ حرية الإرادة هذه وسيلة من وسائل الإعلام الدماغية غير الاعتياديّة، ولم لا؟ ربما تكون حالة اعتيادية لا استثنائية!

الذي أثبته علماء الأعصاب هو: أنّ صناعة القرار تتعلّق دائما بكيفية تفسير المخّ للأحداث الكائنة؛ حيث يكون الحاصل في أدمغتنا مجموعة من التفسيرات لا الأحداث نفسها، وهذا هو المُوجِّه الأساس لأفعالنا وتصرّفاتنا.

وكشفت هذه الأبحاث: أنّنا لا نرى الحدث مباشرة، بل نرى صورًا من التفسيرات التي خلقها المخّ. وهذه هي الطريقة التي يعمل بها على الحقيقة.

يقول عالم الأعصاب كريث فريث (Chris Frith) في كتابه البديع: (عالمنا العقليّ – Our Mental World):

ولو كانت كل حواسّنا سليمة تماما، ولو كانت الوظائف الدماغيّة تعمل بشكل طبيعيّ، فإننا لا نملك إذنًا بالدخول إلى العالم الماديّ مباشرة، ولو شعرنا أننا نملك هذا الإذن، فإن هذا –في الحقيقة- وهْمٌ من صناعة أدمغتنا.

فالمخّ يخلق هذه التفسيرات من خلال تجاربنا السابقة، ومن خلال الذاكرة المخزّنة فيه.

وبما أنه لا يمكن أن يكون لشخصين متغايرين نفس التجارب والخبرة الحياتية، فإنه يستحيل أن يفسّر أيُّ شخصين أيَّ حدث بنفس الطريقة.
لو لم تعمل أدمغتنا بهذا المنوال، فإن العالم الذي سيظهر لنا سيكون عالمًا بشعًا جدًا، ومغايرًا تمامًا للعالم الذي ما زال الفيزيائيون يحاولون وصفه.
وحتى نراه على حقيقته التي هو عليها سنكون مرغمين لأنْ نتحوّل إلى جسيمات نوويّة صغيرة حتى يُمَكَّن لنا.

كل الأنواع التي تعيش في العالم تخلق حجمًا مناسبًا للعالم الكائن من حولها؛ فالدماغ الإنساني يخلق حجمًا إنسانيًّا للعالم مناسبًا له، وكذلك الدماغ الحيواني يخلق حجمًا حيوانيًا للعالم يناسبه؛ فدماغ الفيل تخلق حجمًا، ودماغ النملة تخلق حجمًا آخر، وهكذا.
ومع أننا نجد أن كل شيء في هذا العالم متصل بعضه ببعض، فإنّ المخ يُنشئ أنماطًا وتفريعاتٍ لا وجود لها على الحقيقة.

ومن الممكن أن تتغير التفسيرات الإنسانية -ليس فقط في معناها- وإنما في درجة علاقتها بالواقع الجاري عن طريق محاولة البعض:
1- إنشاء تفسيرات تقترب إلى الحقيقة جدًا بقدر الطاقة البشرية، وفي الجانب العلميّ ربما تكون لها نسبة عالية من الصدق.
2- إقامة تفسيراتهم على الأوهام، والعلاقات العرضية غير الجوهرية للحدث الذي يُراد تفسيره.
3- الوقوف على الحيْدة، مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

حتى ولو كانت تفسيراتنا قريبة من الحقيقة، فإنها لا تعدو أن تكون تخمينات أو ظنونًا راجحة أو مرجوحة عما يجري ويدور حولنا.
إننا في الحقيقة نُجري عمليّة علميّة كالتي يجريها العلماء في مختبراتهم؛ حيث نفترض افتراضات غير مثبتة، ثم نقوم بامتحانها واختبارها.
إنك إنْ أردت –مثلا- أن تعبر طريقًا مزدحمًا للغاية، فإنك تُنشئ نظريّة من العدم عن سرعة الحركة المروريّة، وإنْ كانت نظريتك قريبة من الواقع عبرت في سلام، وإلا فلا.

نعم، أحيانا لا تملك حرية اختيار القرار في حياتك، ولكنك دائما حر في اختيار تفسير لهذه الأحداث، فكل حدث لا يعدو أن يكون أحد أمرين أو احتمالين من التفسيرات، إمّا أبيض أو أسود، إمّا نعم أو لا.
أحيانا كثيرة يصدر فعل من الإنسان بتلقائية، ثم يقول: لقد فعلتُ ما فعلتُ من غير قصد. اتخاذك قرار أنّك قد فعلتَ ما فعلتَ من غير قصد صادر –في الحقيقة- عن تفسيرك للحدث؛ لذا فالنتائج وحدها هي التي يدركها الإنسان طبقا لتفسيره.

والمقدرة على تفسير الأحداث هي التي تضفي معنى، وتدفع إلى الاختيار بين البدائل المختلفة. تلك وظيفةٌ من وظائف المخّ والجسد؛ فإنشاء معنى هو أحد الأنظمة التي يعمل بها الجسد/ المخّ/ العقل.

ومع كل ما ذُكر، فإنّ معدّل المعاني التي يمكن أن نختار تفسيراتنا من بينها محكومة ومحددة بالمعرفة التي يملكها الإنسان.
لهذا؛ كونك طفلا يعرقل صناعة قراراتك، ولهذا؛ كل المنظّمات التي تريد أن تتسلط على عقول الناس كالدولة والكنيسة والشركات التجارية الكبرى تحاول أن تتحكم فيما يعرفه الناس؛ فكلما كانت معارفنا أقلّ، كلما كانت اختياراتنا أقلّ.

وادّعاء أنك تملك الحقيقة المطلقة كادّعاء المستحيل؛ لأن كل ما يمكن امتلاكه ما هو إلا تفسير للخبرة التي تلقيناها وتعلّمناها. فلو فرضنا أن الله قد خلقنا فعلا، فإن هذه هي الصورة التي خلقنا عليها، ومن نتائج هذه الصورة: أنْ خلقنا فرقًا دينية مسيحية متنافرة متشاكسة. قل مثل هذا في باقي الأديان.

يفسّر كثير من الناس ما تعلّموه عن طريق علماء الدين بطريقة من الممكن أن تكون سببًا في إيلام أنفسهم أو إيلام غيرهم، وسببًا لأن يعانوا هم أو يعاني غيرهم.

مثلا، الاعتقاد المسيحي القائل: أن الإنسان قد وُلد من رحم الخطيئة، وأنّ عليه أن يسعى إلى الخلاص. هذا الاعتقاد جعل الإنسان يعيش حياته في فزع وهلع أنْ يعذّبه الله؛ لذا عليه أن يعيش طول حياته يسعى للوصول إلى درجة عالية من الصلاح والتقوى؛ ليُخلّص نفسه. مثل هذه التفسيرات –حقيقة- تقود إلى الكآبة والبؤس واليأس.

ويعتقد كثيرون أنّهم ما داموا يؤمنون بأفكار معيّنة، فهم أخلاقيًا أعْلى درجة، وأرفع مقامًا من هؤلاء الذين لا يؤمنون بشيء من أفكارهم.
هذا الاعتقاد يدفع هؤلاء إلى ارتكاب خطيئة عظيمة كخطيئة [الكِبر]، تلك الخطيئة التي تدفعهم إلى معاملة غيرهم باستعلاء واحتقار، وأحيانا –تحت ظروف خاصّة- يقومون بتشويههم، أو ربما قتلهم أيضا.

إليك الآلية التي يعمل بها المخّ: أننا نختار دائمًا تفسيرًا لكلّ حدث يقع في حياتنا، ومن ثمّ يترتّب على هذا التفسير التصرّفات الناتجة عنه.

وبما أننا نملك حرية وإرادة بشريّة؛ فإننا لا يمكن أن نتملّص من الشرطين اللازمين للاختيار، وهما: نعم أو لا، أبيض أو أسود؛ فالاختيار لا معنى له إلا في حالة عدم التأكّد، ومع ذلك نحن مسؤولون عن اختياراتنا.

وعندما يخشى الإنسان تحمّل تبعات أفعاله تجده يبتدع كذبة ثم يصدقها: [أنه غير مسؤول]؛ لأنه [عبد المأمور]، أو طفل أو عبد لا يملك إلا ما يمليه عليه أبوه أو سيده. [الله أو مسؤول عسكري] مثلا.
عندها يفقد الإنسان إنسانيّته بفقده حريته، وعندها عليه أن يتعلم ما الذي يعنيه أن يكون إنسانًا؟!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد