“نود أن نعلمكم بأننا سنقوم بتنظيم الحدث الأول الذي سيجمع أكثر من 100 ملحد عربي، وسوف يعقد في مكة المكرمة. ونود مساعدتكم لنا في نشر هذا الحدث في وسائل الإعلام”.

 

كان هذا نص الدعوة التي وجهتها منظمة الملحدين العرب باللغة الإنجليزية عبر تويتر إلى عدد من الملحدين الأجانب أبرزهم: “نيل تايسون”، و”ريتشارد دوكينز” بخصوص انعقاد “ملتقى الملحدين الأول بمكة”، والذي تم تنظيمه في الفترة من 25 إلى 28 ديسمبر، وفقًا لما جاء على الحسابات الإلكترونية لمنظمي المؤتمر على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”.

أكثر هؤلاء المنظمين تفاعلاً صاحبة حساب باسم “د. فاطمة الجهراء”. ووفقًا لبيانات الحساب الذي تم إنشاؤه في مايو 2012 فهي تسكن في محافظة الجهراء بالكويت،

فاطمة أشارت عبر عدة تغريدات إلى أنه تم تجهيز الأسماء لهذا الملتقى خلال سنة كاملة، لذلك فإن المنظمين ليس باستطاعتهم تغيير قائمة المدعوين الآن. وأنه تم التأكيد على أن المشاركين لن يتم السماح لهم بمعرفة مكان الملتقى من دون المرور بأربعة جدران أمنية للتأكد من “صدقهم”، بحيث يُضمن عدم فشل الملتقى.

في يوم الخامس والعشرين من ديسمبر بدأت عملية المتابعة الحية على تويتر لفعاليات الملتقى، حيث قالت صاحبة الحساب السابق ذكره إن الكلمة الافتتاحية ألقاها “بسام البغدادي” عبر برنامج “سكايب”، وهو كاتب وناقد للأديان عراقي الجنسية وقد قام بترجمة كتاب “وهم الإله” للعالم البيولوجي ريتشارد دوكنز إلى العربية، ويقوم بتقديم برنامج “عقلانيون” من خلال القناة الإلكترونية “الملحدين بالعربي”، البغدادي في الكلمة الافتتاحية يؤكِّد أن عقد ملتقى الملحدين بمكة ليس تحديًا كما يعتقد البعض، بل رسالة واضحة لمن يفهمها.

فيما يتعلق بالتغطية الإعلامية المحلية ظهر حساب في “تويتر” باسم “محمد العبد الله” يعرِّف صاحبه نفسه بأنه صحفي بجريدة “الرياض” الرسمية، تم تكليفه بتغطية الملتقى، ولكن الجريدة نفت أن يكون أحد محرريها يحمل هذا الاسم، وأعربت عن استغرابها من هذا الادعاء، معلنة أنها تحتفظ بحقها القانوني بملاحقة هذا الشخص، وفقًا لنظام مكافحة جرائم المعلوماتية.

بكل تأكيد فإن ملتقى الملحدين الأول بمكة مثَّل صدمة للأوساط الدينية الإسلامية بالسعودية. والمجتمع السعودي بالأخص الذي لم يعتد على مثل هذه الفعاليات، إذ تستمد دولته نظام حكمها من “كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام”، وذلك لرمزية المكان الذي انعقد فيه. فماذا بعد ذلك إذن؟

 

السعودية الأعلى إلحادًا بين الدول الإسلامية!

أظهرت دراسة أعدها معهد غالوب الدولي الذي يتخذ من زوريخ مقرًا له أن نسبة الإلحاد في المملكة العربية السعودية تتراوح بين 5 – 9% من مجموع عدد سكان المملكة، أي يتراوح عدد الملحدين بين 145 ألف و260 ألف ملحد، وبذلك تكون نسبة الملحدين في المملكة العربية السعودية تضاهي نظيرتها في بلد أوروبي مثل بلجيكا.

وتعد هذه النسبة هي الأكثر ارتفاعًا مقارنة بدول عربية حتى مع تلك التي تعرف بميولها العلمانية كتونس ولبنان، نفس الدراسة السابقة بينت أن نسبة الإلحاد في هاتين الدولتين لا تتجاوز 5% من مجموع السكان.

بعض الباحثين يرى أن ما توصلت إليه الدراسة من نتائج لا يمكن اعتباره إلحادًا بقدر ما يمكن اعتباره تشكيكًا في الخطاب الديني والسياسي السائد في المملكة، وبالتحديد مناهضة تشدد التيار الوهابي في السعودية. فقراءة الروايات العالمية، وتبني الأفكار الفلسفية والسياسية، والتمرد على الخطاب الفقهي السعودي، والاعتقاد بجدوى العلمانية كنظام سياسي للدولة… إلخ، كل ذلك قد يُصنّف إلحادًا في المجتمع السعودي، بالرغم من أن أولئك قد يكونون مؤمنين بوجود الله، وربما يحافظون على أداء الصلاة أيضًا.

لماذا يلحدون؟!

“التفسير، الحديث، التوحيد، الفقه” مواد تدرس في المدارس السعودية في مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي، لذلك فوجود ملحدين نشأوا في بيئة يُهتم فيها بتعليم الدين الإسلامي بشكل مكثَّف يعدُّ أمرًا غير مفهومٍ.

الناشط الحقوقي فهد الفهد يجيب على سؤال الإلحاد بالتالي: من ضمن أسباب الإلحاد رؤية الناس ما يقوم به رجال الدين من استرضاء للحكومة، فيصابون نتيجة ذلك بالاستياء لاعتقادهم بتقوى العلماء وأنهم أقرب فئات المجتمع إلى تطبيق العدل والسلوك القويم. بالإضافة إلى تضايق المجتمع السعودي من تحكم الدين في حياتهم وفرض اتباع تفسير واحد للدين عليهم.

 

الإلحاد قانونًا يتساوى مع الإرهاب

يُعد الإلحاد أحد التُهم المدرجة في القانون السعودي ضمن أحكام الإرهاب حيث ينص البند الأول من الأحكام على أن:

“الدعوة للفكر الإلحادي بأي صورة كانت، أو التشكيك في ثوابت الدين الإسلامي التي قامت عليها هذه البلاد، جريمة يعاقب عليها القانون”. *البند الأول من أحكام الإرهاب التي يجرمها القانون السعودي

 

الكثير من الاعتراضات الدولية جاءت على هذا البند، اللجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية جاءت على رأس المعترضين – وهي هيئة فيدرالية مكونة من ممثلين عن الحزبين الجمهوري والديمقراطي تقدم المشورة حول السياسات الخارجية المتعلقة بقضايا الحريات الدينية- معتبرةً أنَّ هذا البند القانوني ما هو إلا مزج السلطات السعودية رغباتها الأمنية بالحدّ من حرية التعبير.

 

الملحدون السعوديون في خطر

الحكومة السعودية تواجه الإلحاد بشكل تنفيذي عن طريق أجهزتها الأمنية، على سبيل المثال لجأت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الشرطة الدينية) السعودية، في يوليو 2014 إلى مخاطبة وزارة الداخلية للقبض على عدد من الملحدين. وتعاقب المملكة التي تطبق مفهومًا صارمًا للشريعة الإسلامية بالإعدام على عدة جرائم من ضمنها الارتداد عن الدين الإسلامي.

سيارة تابعة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وأعلنت صفحة قناة المجتمع السعودي على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” والتي يديرها رجال الهيئة، أنه في عام 2014 فقط قد تم إغلاق أكثر من 24500 موقع إلكتروني وحسابات إباحية وإلحادية إلكترونية، كما ألقت الهيئة القبض على ٧٦ من أصحاب الحسابات وقامت بمناصحتهم.

من القضايا الشهيرة المتعلقة بتطبيق حد الردة قضية المدوِّن والناشط الحقوقي “رائف بدوي” الذي حكم عليه في يوليو عام 2013 بالسجن سبع سنوات والجلد 600 جلدة بتهمة الإساءة للإسلام، بعد قيامه بتوجيه بعض الانتقادات إلى هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودعوته للتحرر الديني.

رائف بدري

وقد أوصى قاضٍ سعودي بإعدام رائف بدوي، داعيًا إلى محاكمته مجددًا بتهمة “الرِّدَّة”، وأحالت المحكمة الجزائية في جدة قضية بدوي إلى المحكمة العامة لعدم الاختصاص، مؤكدة ضرورة تطبيق حد “الردة”.

في مايو 2014 تم تعديل الحكم ليصبح عشر سنوات سجن وألف جلدة وغرامة تقدر بمليون ريال سعودي، وعلقت منظمة هيومان رايتس ووتش على الحكم قائلة: “بدلاً من حماية حق المواطنين السعوديين في حرية التعبير، قامت الحكومة السعودية بمعاقبة رائف بدوي، وتخويف الآخرين الذين قد ِّيجرؤون على مناقشة مسائل الدين”.

ولم تكن هذه الحادثة الوحيدة؛ ففي فبراير 2012 اعتبرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية، التي يرأسها مفتي المملكة عبد العزيز آل الشيخ، أن الكاتب والمدون السعودي حمزة كشغري المتهم بالإساءة إلى الإسلام عبر تويتر “كافر”.

الشاب حمزة كشغري

اعتذار كشغري عن تعليقاته لم يجدِ نفعًا. فقد فرَّ كشغري إلى ماليزيا بعد نشره للتغريدات التي وصفت بالمسيئة للإسلام، ولكن تم ترحيله منها إلى السعودية بعد إلقاء الشرطة الماليزية القبض عليه، ليسجن في سجن الحائر بالرياض، حتى صدّقت المحكمة الجزائية المتخصصة بالرياض على توبة حمزة لكن دون أن تأمر بالإفراج عنه، وذلك في 5 مارس عام 2012. ورغم صدور التصديق إلا أن السلطات السعودية لم تفرج عنه إلا يوم 30 أكتوبر عام 2013.

رسم كاريكاتوري لكارلوس لاتوف تضامنًا مع حمزة كشغري

 

هل من حلول غير أمنية؟!

في الفترة الأخيرة دعا تنامي الإلحاد في أوساط متعددة من السعوديين، وازدياد نسبة تداول الأفكار الإلحادية في مواقع التواصل الاجتماعي الحكومة السعودية إلى إنشاء مركز “يقين” لمعالجة النزعة الإلحادية واللادينية، والتابع للجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان بالجامعة الإسلامية، وجاء إنشاؤه باقتراح ودعم من الأمير «سعود بن سلمان آل سعود» رئيس الشرف ونائب رئيس مجلس إدارة الجمعية.

من الأهداف التي يسعى المركز إلى تحقيقها ـ كما جاء في موقعه الرسمي: التواصل مع المتأثرين بالنزعة الإلحادية ومحاورتهم لإقناعهم بالرجوع إلى جادة الحق، والتعاون مع الجهات ذات العلاقة للحد من تأثير هذه الأفكار.

ولكن يشكك الكثيرون في جدوي إنشاء هذا المركز، فالمركز الجديد يتبع لمؤسسة تقليدية هي الجامعة الإسلامية، والتي لا تمتلك ـ بحسب محللين ـ أية أدوات كافية ولا أرضية مشتركة لمناقشة الملحدين. من ناحية أخرى تعتقل السلطات السعودية الملحدين بالقوة ثم تدعوهم للتوجه للمركز للاستفادة منه، هل هو تناقض السلطات في المملكة؟ أم هو محاولات مرتبكة لاحتواء الوضع في بلد الحرمين الشريفين؟

المصادر

s