لم تنته الألعاب الأولمبية بعد، إذ لا يزال هناك فصل آخر في طوكيو، فالألعاب الأولمبية لأصحاب الهمم سوف تنطلق في نهاية أغسطس (آب) الحالي؛ لتستمر مشاهد التنافس والحماسة واللحظات العصيبة وصولًا إلى منصات التتويج وحصد الميداليات، وهي اللحظة الأهم التي ينتظرها كل الرياضيين والأبطال الأولمبيين منذ سنوات طويلة، ربما منذ أن كان في سنواته الأولى من الطفولة.

شهد الفصل الأول من دورة ألعاب طوكيو 2020 العديد من اللحظات البارزة التي سوف تظل عالقة في الأذهان لفترة طويلة؛ وكان من أبرزها إخفاق بطلة الجمباز الأسطورية سيمون بليز وانسحابها من بعض السباقات، بعد أن كان الجميع يتوقع أنها لن تحصد سوى الذهب في أي لعبة جمباز فردية أو جماعية.

Embed from Getty Images

سيمون بليز بعد لحظة الإخفاق 

انسحاب سيمون كان مدويًا؛ لا سيما وأنها بررت ذلك بأنها تعاني من بعض المشاكل والصعوبات النفسية، والتي فسرها البعض بالاكتئاب أو الوصول إلى درجة الاحتراق النفسي بسبب الضغوطات النفسية التي تعرضت لها قُبيل المشاركة في أولمبياد هذا العام.

في هذا التقرير نُسلط الضوء على الجانب المظلم من حياة الأبطال الرياضيين، والذي دعمناه بقصص وتحليلات وإحصائيات؛ فضلًا عن آراء اثنين من المختصين في مجال الدعم النفسي والروحاني.

وزن الذهب.. معاناة الأبطال مع الأمراض النفسية

في الوقت الذي تُميز الصحة الجسدية والقدرة البنيانية الرياضيين عن غيرهم ممن لا يمارسون الرياضة مطلقًا؛ فإنها لا تمنحهم مناعة ضد الأمراض النفسية.

 فقد أثبتت الدراسات أن الرياضيين وبالأخص الأبطال محترفي الألعاب الفردية التي تمثل الأغلبية العظمى من تكوين الأولمبياد هم أكثر عرضة من غيرهم للمرض النفسي، وذلك لأسباب عدة أهمها:

  • افتقار للهوية الشخصية خارج مساحة ممارسة الرياضة.
  • نقص وسائل الدعم النفسي والمعنوي.
  • الضغوط العامة الواقعة على عاتق الأبطال الأولمبيين كونهم يمثلون آمال داعميهم ومجتمعاتهم في حصد الذهب.

في يوليو (تموز) العام الماضي، أصدرت شبكة الإنتاج التلفزيوني الأمريكية «إتش بي أو (HBO)» فيلمًا تسجيليًّا بعنوان «وزن الذهب (The Weight of Gold)»، استعرض الفيلم مأساة الأبطال الأولمبيين ومعاناتهم مع الأمراض النفسية.

من ضمن المشاركين البارزين في الفيلم كان السباح الأمريكي، والبطل الأولمبي الأشهر في التاريخ، مايكل فيلبس صاحب أعلى رصيد من الميداليات الأوليمبة، 28 ميدالية، والذي ذكر أثناء حديثه في الفيلم أنه كان على مشارف الإقدام على الانتحار أكثر من مرة لولا تردده بشكل متكرر على أحد مراكز العلاج النفسية بالقرب من مسكنه في مدينة شيكاغو الأمريكية.

وقال فيلبس أيضًا معلومة قد تكون مهمة؛ وهي أن من خلال دراسته ومتابعته للأمر فإنه يؤمن أن 80% على الأقل من الأبطال الأولمبيين يعانون من الاضطرابات النفسية.

الفيلم يتناول العديد من القصص الأخرى الحزينة، عن أبطال آخرين منهم الذين ما زالوا يعانون مع المرض النفسي، ومنهم من أنهى حياته وانتحر، وعلى الرغم من أن الفيلم لم يقدم معلومة محددة عن عدد الأبطال الأولمبيين الذين أقدموا عن الانتحار؛ إلا أننا بحثنا بعمق في هذا الأمر، وكانت المفاجأة عندما علمنا أنه منذ عام 1928 وصل عدد الرياضيين الأولمبيين المنتحرين إلى 166 شخصًا!

Embed from Getty Images

بطلة الدرجات الأمريكية كيلي كاتلين تحمل الميدالية البرونزية (يمين الصورة) قبل أن تنتحر في عام 2019

وبالنظر إلى التقديرات الرسمية للجنة الأولمبية الدولية؛ ففي عام 2019 نشرت اللجنة دراسة بحثية تُفيد بأن 45% من الأبطال الأولمبيين السابقين والحاليين يعانون من اضطرابات القلق والاكتئاب وبعضهم وصل إلى درجة الاحتراق النفسي التي دفعتهم للاعتزال مبكرًا.

وبالحديث عن الوضع النفسي حاليًّا للرياضيين في العالم؛ فإن الإحصائيات قد تكون غير مبشرة بالمرة، فبعض الدراسات التي أجريت على فئة النخبة من الرياضيين -الحاصلين على بطولات دولية وميداليات أولمبية- أثبتت مثلًا أن حوالي 47.8% من الرياضيين في بريطانيا يعانون من اضطرابات الاكتئاب والقلق، وفي أستراليا كانت النتيجة حوالي 46.4%، وجدير بالذكر أن كلًا من بريطانيا وأستراليا حصدا 65 و46 ميدالية على الترتيب في أولمبياد طوكيو هذا العام!

ولماذا كل هذا؟

هذه الأرقام مرعبة في الحقيقة، لكنها مبررة إذا بحثنا عن أسبابها؛ مثلًا يمكن أن نتحدث في البداية عن المشقة النفسية لتحقيق حلم التتويج. فحصد الميداليات هو دائمًا الهدف الأسمى الذي يطمح له البطل الأولمبي. وفي بعض الألعاب يكون الفرق مجرد ثانية أو حركة مختلفة أو وثبة جديدة أو كيلو جرام بين ذهب المركز الأول والمركز الرابع الذي لا يحصد شيئًا. وخير من وصف ذلك كان بطل رياضة التزحلق على الجليد الأمريكي أبولو أوهنو الذي صرح خلال الفيلم قائلًا: «الفرق بين المركز الأول والمركز الرابع هو الذي يجعلك من المشاهير، أو يبقيك من المغمورين».

Embed from Getty Images

أبولو أوهنو يحصد ذهبية وبرونزية الأولمبياد الشتوية عام 2006

يتدرب جميع الرياضيين المشاركين في الأولمبياد لسنوات طويلة من أجل لحظة التتويج، وتجربة تبخر الحلم في ثوان أمام أعينهم، سبب كاف لتعرض هؤلاء إلى متاعب نفسية، وقد يدفع بعضهم إلى التقاعد.

لكن قبل التقاعد دائمًا ما يصاب العديد من الأبطال الرياضيين بما يسمى بظاهرة الاحتراق النفسي، وهو ببساطة الاضطراب النفسي الذي يُفقد الشخص الشغف بما يفعل، ويحوله من شخص نشيط جدًا ومتحمس للإنجاز، إلى شخص كسول جدًّا لا يكترث بأحلامه أو أهدافه التي غالبًا ما يشعر بفشله في تحقيقها.

وأرجع المدرب الروحاني فينيت أنداد، هذه الظاهرة عند الأبطال الرياضيين بسبب السعي وراء «التأييد» من الآخرين لما يفعلونه منذ الصغر، وقال فينيت: «غالبًا ما يبدأ الرياضي ممارسة هوايته المفضلة منذ الطفولة بسبب تشجيع والديه أو أقربائه أو أصدقائه عليها، ويظل تشجيع المقربين له هو أكبر حافز ودافع له لكي يستمر».

ويضيف فينيت في السياق نفسه قائلًا: «عندما يذهب الرياضي إلى الأولمبياد تتسع دائرة التشجيع المحيطة به، وهذا خطير للغاية؛ لأنه أولًا قد يضعه تحت ضغط ويتحول هدفه من الحصول على الميدالية التي كان يحلم بها منذ أن كان طفلًا، إلى تحقيق الميدالية من أجل استمرار تأييد مشجعيه له، وفي حالة خسارته بكل تأكيد لن يجد العدد نفسه من المؤيدين يتحولون إلى مواسين له؛ بل العكس ممكن أن يحدث ويتحولون إلى ناقدين لأدائه، وهنا قد يشعر الرياضي بالاحتراق النفسي ويفقد حماسته تجاه الرياضة».

هل يمكن أن نلوم الأبوين؟

«العائلة هي النموذج الأول والأساسي الذي يشكل الطفل من خلاله هويته وشخصيته؛ لذلك نجد أن كثيرًا من حالات الاضطراب النفسي عند المراهقين وحتى البالغين يكون سببها اضطرابات في العلاقة بينهم وبين والديهم في فترات مختلفة من المرحلة العمرية».

هكذا أجاب الأخصائي النفسي خالد خضر المتخصص في علاج الصدمات النفسية للأطفال والمراهقين، عندما وجهنا له سؤال «هل يمكن أن نلوم الأبوين على أزمات الاضطراب النفسي التي يعاني منها الأبطال الرياضيون في الكبر؟».

Embed from Getty Images

وإجابة خضر قد تعني أيضًا إن كانت علاقة الطفل بأبويه صحية؛ فإن الطفل يكون أقل عرضة للإصابة بالاضطرابات النفسية مستقبلًا.

وللحصول على إجابة أكثر تحديدًا؛ طلبنا من خالد أن يقدم لنا أمثلة لأفعال خاطئة يرتكبها الآباء تجاه أبنائهم الرياضيين في الصغر تؤدي لاضطرابات نفسية لهم في الكبر، فقدم لنا الأمثلة التالية:

  1. وضع الطفل تحت ضغط من خلال مطالبته بتحقيق نتائج إيجابية، ومقارنة نتائجه بشكل دائم مع أقرانه.
  2. حرمان الطفل من الحماية والأمان النفسي العائلي من خلال توبيخه أو عقابه إذا أخفق في الرياضة التي يمارسها. فالطفل ينظر إلى عائلته دائمًا على أنها الداعم النفسي والمعنوي الأول له؛ وتأنيبه في حالة عدم تحقيق النتائج التي كان يرجوها الأبوان؛ يجعله يشعر بفقدان عنصر الأمان، ويدفعه نحو القلق الدائم خوفًا من تكرار النتائج السلبية مرة أخرى، وهذا قد يجعله يكبر وهو يعاني من متلازمة القلق.
  3. أن ينظر الأبوان إلى الطفل على أنه فرصتهم الجديدة في الحياة؛ أحيانًا ما يكون الأبوان أو أحدهما في الأصل رياضيًّا، ولكنه لم ينجز ما كان يحلم به؛ لذلك يحاول تحفيز ودفع طفله لكي يحقق ما فشل فيه؛ وهذا يضع الطفل دائمًا تحت وطأة الابتزاز العاطفي؛ وقد يجعله يصاب بمتلازمة البحث عن التأييد الدائم وذلك كما ذكرنا في بداية التقرير قد يكون أحد الأسباب الأساسية التي تؤدي إلى الاحتراق النفسي.

فهل ما زلت عزيزي القارئ، تغبط أي بطل أولمبي حاصل على ميدالية؟ وهل ما زلت ترى حياة الشهرة والأضواء والجوائز، مثار حسد؟

الألعاب الأولمبية

منذ 3 شهور
10 أحداث أولمبية كبرى تخبرك كيف أصبحت «الألعاب الأولمبية» ساحة للحرب الباردة!

المصادر

تحميل المزيد