استعر نشاط الجهاديون الانتحاريون في الآونة الأخيرة بمناطق العالم، إذ نفذت العناصر الجهادية في أقل من أسبوع ثلاث عمليات دموية، خلفت على إثرها مئات القتلى والمعطوبين من المدنيين

استعر نشاط الجماعات المُسلحة ـ في الآونة الأخيرة ـ بمناطق عدة في العالم؛ إذ نفذت عناصر انتحارية ـ في أقل من أسبوع ـ ثلاث عمليات، خلفت مئات القتلى والمعطوبين من المدنيين.

فبعد الهجوم المسلح على إحدى المقاهي في «بنجلادش»، والذي راح ضحيته 20 سائحًا، صدمت «بغداد» بعميلة انتحارية، هي الأكبر من نوعها في هذا العام، خلفت ما يزيد عن 250 قتيلًا من المواطنين العراقيين، كانوا يتسوقون بإحدى الأسواق التجارية؛ استعدادًا لعيد الفطر، قبل أن تباغتهم سيارة مفخخة بالتفجير.

لكن الأمر لم يتوقف عن هذا الحد، بل انتقل نشاط الجماعات المُسلحة إلى «المملكة العربية السعودية»؛ إذ استهدف انتحاريون، في حملة منسقة على ما يبدو، ثلاث مدن سعودية في يوم واحد، كان أبرزها انفجار قرب المسجد النبوي في «المدينة المنورة»، فيما كان الانفجاران الآخران في مدينتي «القطيف» و«جدة».

الهجوم الانتحاري، الذي وقع قرب المسجد النبوي، عده مراقبون تطورًا نوعيًا للعمليات المسلحة التي يقوم بها ما يُرجح أنه «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، لكنه ليس الاعتداء الأول في التاريخ الذي مس «المقدسات»؛ إذ سبق أن تعرض كل من «المسجد النبوي» و«الحرم المكي» للعديد من محاولات الاعتداء على مدار التاريخ الإسلامي.

موقعة الحرة

يعتبر الهجوم الانتحاري الذي شهدته المدينة المُنورة ـ أخيرًا ـ هينًا؛ بالمقارنة مع ما وقع في المدينة عام 63 هجريًا؛ حيث الواقعة الشهيرة في التاريخ الإسلامي، والمسماه بـ«الحرة»، وهي حادثة أُفردت لها شهادات من طرف كل من «ابن الأثير» و«السيوطي» و«الطبري» و«أبي الفداء» و«ابن طباطبا».

وفي عام 63 هجريًا، تمرد أهل المدينة المنورة ضد حكم «يزيد بن معاوية» ورفضوا مبايعته، فما كان من الأخير، إلا أن يرسل لهم جيشًا بقيادة «مسلم بن عقبة»، الذي أوصاه يزيد بن معاوية بأن يدعو أهل المدينة المنورة ثلاثة أيام بالحسنى لمبايعته من جديد، فإن رفضوا فليستبح المدينة، وينهبها ثلاثة أيام، «فكل ما فيها من مال ودابة أو سلاح أو طعام، فهو للجنود»، وفقًا لما ورد في «الكامل في التاريخ» لابن الأثير.

وحدث ما أوصى به الخليفة يزيد بن معاوية؛ إذ دخل «جيش الأمويين» المدينة؛ فقتلوا الكثير من أهلها، ونهبوها، وسبوا نساءها، كما يذكر السيوطي، في «تاريخ الخلفاء».

وبعدما انتهى جيش يزيد الأموي من قتال أهل المدينة، توجه إلى مكة؛ لمحاربة «عبد الله بن الزبير»، بعد ذلك بعام، واستمر القتال بين الجيشين من شهر «المحرم» وحتى الثالث من شهر «ربيع الأول» من عام 64 هجريًا.

ووفقًا لرواية «الطبري»، قذفوا البيت الحرام بالمنجنيق؛ فاحترقت أجزاء من الكعبة وتهدمت؛ ليعيد «ابن الزبير»، فيما بعد، بناءها، وأضاف لها ستة أذرع وجعل لها بابيْن وأدخل فيها «الحِجر الأسود».

وبعدها بتسع سنوات، حاصر جيش «الحجاج بن يوسف الثقفي» جنود عبد الله بن الزبير، الذي احتمى بالكعبة، فإذا بالحَجاج ينصب المجانيق، ويرمي بها البيت الحرام؛ حتى تهدم حائطها الشمالي، وقبض على ابن الزبير فيها؛ فقتله، ومن معه هناك. ثم أعاد الأمويون بناء الكعبة فيما بعد.

القرامطة وسرقة الحجر الأسود

«القرامطة» هي فرقة منشقة عن «الدولة الفاطمية» اجتذبت إليها الذين رأوا في زعيمها «محمد بن إسماعيل» «المهدي المنتظر». وبرزت الفرقة في المغرب، ومصر، والعراق، والبحرين ومناطق أخرى. وكان يتزعم قرامطة البحرين «حمدان بن الأشعث»، الملقب بـ«قرمطويه»، وكانوا يشنون غارات النهب والقتل على قوافل الحجاج المارة بالمناطق التي يسيطرون عليها.

وفي عام 317 هجريًا، هجم قرامطة البحرين على «مكة المكرمة» بقيادة «أبي سعيد الجنابي»، فذبحوا ـ هناك ـ جمعًا غفيرًا من المصلين والحجاج، ونهبوا أموالهم وحاجاتهم، كما يذكر المؤرخون.

وسرقوا ستار الكعبة، واقتلعوا الحجر الأسود من مكانه، واصطحبوه معهم، بالإضافة إلى غنائمهم، إلى منطقة «الأحساء» في البحرين، كما يذكر «ابن كثير»؛ ليتبعهم «ابن محلب»، أمير مكة العبّاسي، وطالَبهم بإرجاع الحجر الأسود إلى مكانه، واستأمنهم على نفوسهم وأموالهم، لكن القرامطة رفضوا طلبه، وقتلوه مع رجاله.

وظل الحجر الأسود في حوزة القرامطة بالبحرين قرابة 22 سنة، دون أن يتمكن «الخلفاء العباسيون»، و«الخلفاء الفاطميون» في إفريقيا، من إقناعهم أو إغرائهم بالمال لإعادة الحجر الأسود إلى الكعبة، حتى سنة 339 هجريًا، حين توعدهم الخليفة المهدي العلوي الفاطمي بحرب لا هوادة فيها إن لم يردوا الحجر الأسود إلى مكانه، ليذعن القرامطة للتهديد وسلموا أخيرًا الحجر الأسود، بعد أكثر من عقدين، وهو في حوزتهم.

جهيمان والاستيلاء على الحرم المكي

في الأول من المحرم 1400 هجريًا، الموافق 20 نوفمبر (تشرين الأول) 1979، وقعت محاولة لقلب نظام الحكم في «المملكة العربية السعودية»، وذلك بالاستيلاء على الحرم المكي، في حادثة هزت العالم الإسلامي آنذاك.

تبدأ قصة الحادثة، مع شخص يدعى «محمد عبد الله القحطاني»، يدعي أنه المهدي المُنتظر، تحالف مع صهره «جهيمان العتيبي»، وقررا معًا إعلان خلافة إسلامية جديدة؛ «لتصحيح أمور المسلمين» حسب ادعائهم.


بعد صلاة الفجر، دخل جهيمان العتيبي ورفيقه محمد عبد الله القحطاني إلى الحرم المكي، ووقفا معًا أمام المصلين، البالغ عددهم 100 ألف؛ ليعلنا لهم ظهور «المهدي»، مطالبين الناس بمبايعة محمد القحطاني؛ باعتباره هو المهدي الواجب اتباعه، في نفس الوقت كان يعد أتباع الرجليْن، البالغ عددهم 200، الأسلحة والذخائر، وأوصدوا أبواب المسجد الحرام، وحضروا تحصيناتهم.

بدت حينها الحكومة السعودية محرجة، وشبه مشلولة أمام الاستيلاء الفجائي على الحرم المكي، فعملت على استصدار فتوى استخدام القوة بالبيت الحرام؛ لطرد جهيمان والقحطاني وأتباعهما، لكن محاولات «الحرس الوطني السعودي» باءت جميعها بالفشل في إنجاز المهمة، وقتل 127 شخص، دون تحقيق الهدف.

أمام الحالة المربكة اضطرت السلطات السعودية، إلى الاستعانة بالقوات الخاصة الفرنسية؛ للقيام بالعملية، لكن كان عليها قبل ذلك الحصول على فتوى دينية؛ إذ يحظر على غير المسلمين دخول مكة؛ ما حدا بها إلى عمل حفلٍ شكلي؛ لتحويل القوات الخاصة الفرنسية مؤقتًا إلى الإسلام على يد الفقهاء السعوديين الكبار.

بعد انقضاء أسبوعين على الحصار، بدأ صباحًا هجوم القوات المشتركة على المتمردين، المسيطرين على المسجد الحرام، وبحلول المساء جرى الاستيلاء على الموقع وتحرير الرهائن، في معركة تركت وراءها نحو 250 قتيلًا، وقرابة 600 جريح.

قتل محمد بن عبد الله القحطاني، مدعي المهدية، في العملية، في حين نجا رفيقه جهيمان العتيبي؛ ليُعدمَ لاحقًا، ومن بقي حيًا معه من قبل السلطات السعودية، في التاسع من يناير (كانون الثاني) 1980 بساحات أربع مدن رئيسة في البلاد؛ لتنتهي إحدى الوقائع الأكثر إرباكا للعالم الإسلامي في العصر الحديث.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد