أصدر مؤشر الرقابة الصادر في بريطانيا، تقريرًا مبني على دراسات أجراها، يُلقي الضوء على ما يتعرض له الصحافيون في الدول الغربية، من انتهاكات، سواءً من قبل مُؤسسات الدولة، أو حتى من قبل الشعوب.

وتشير الدراسات التي أجراها القائمون على المؤشر، إلى أن العداء تجاه وسائل الإعلام والصحافيين، يرتفع يومًا بعد يوم؛ ما يؤدي إلى ارتفاع أعداد الانتهاكات والاعتداءات على الصحافيين والمؤسسات الصحافية وحرية الصحافة، لافتًا إلى أن عام 2016، هو أكثر الأعوام خطورة على الصحافيين، على مدار تاريخ الصحافة.

بدايةً.. ما هو «مؤشر الرقابة»؟

«مؤشر الرقابة» هو مؤسسة غير ربحية، تعمل على نشر حملات ودراسات وتقارير حول أوضاع الصحافيين في العالم؛ داعمةً حق حرية التعبير لجميع الأشخاص في العالم، كما أنها تفتح موقعها الإلكتروني كمنصة للكُتَّاب والفنَّانين والباحثين، والأكاديميين وغيرهم؛ للتعبير عن آرائهم بكل حرية، ولتعزيز النقاش حول حرية الرأي والتعبير، ورفض التهديدات والرقابة على الآراء المختلفة، بدون التعرض إلى أي نوع من الخوف أو الأذى أو الاضطهاد بسبب هذا الرأي.

ويقول المؤشر: إن الهدف الأسمى للمؤسسة وحملاتها، هو رفع الوعي حول التهديدات الموجهة لحرية التعبير؛ «نظرًا لأن الوعي حول الشيء هو الذي يمنع حدوثه، أي أن الوعي بالحق في حرية الرأي والتعبير سيؤدي في النهاية إلى وقف الرقابة على المنشورات».

وتأسس «مؤشر الرقابة» عام 1972، على يد عدد من الكتاب والباحثين والعلماء، بالتعاون مع مؤسسة بريطانية خيرية. وتدير شؤونها من مكتبها الرئيس والوحيد في العاصمة البريطانية لندن، غير أن نطاق عملها لا يشمل بريطانيا أو المملكة المتحدة فقط، وإنما يشمل كل دول العالم، بحيث يتم تغطية أوضاع الصحافيين في العالم أجمع؛ لضمان أكبر قدر من عدم تعرضهم لانتهاكات أو تهديدات بسبب آرائهم أو أعمالهم أو تغطيتهم الصحافية المنشورة.

شعار المؤسسة

ويضم فريق عمل المؤسسة 12 باحثًا فقط، يُغطون الانتهاكات الخاصة بحرية التعبير في العالم كله، بالتعاون مع شراكات أجرتها المؤسسة مع منظمات دولية، مثل منظمة العفو الدولية، واتحاد الحقوق المدنية الأمريكي، وغيرهما من المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية.

آليات عمل مؤشر الرقابة

وتتمثل آليات عمل مؤشر الرقابة في أربع آليات رئيسة، وهي الإعلام والتبليغ، والتأثير، والمناقشات والمناظرات، والدعم؛ وذلك من أجل الوصول إلى الهدف الأسمى بتوعية جميع الأفراد في العالم فيما يخص حرية الرأي والتعبير، التي ترى المؤسسة أنه على الدول والحكومات أن تكلفها وتضمنها.

الإعلام والتبليغ

تتمثل الآلية الاولى للمؤسسة في الإعلام والتبليغ، ويكون ذلك عن طريق عمل الموقع الإلكتروني للمؤشر بشكل أساسي، حيث تنشر عدة تقارير وإحصائيات، تساعد على فهم وضع حرية التعبير، والتهديدات الحالية لها على الصعيد العالمي.

كما أن المؤسسة تصدر مجلة ربع سنوية، تنشر فيها مقالات وأبحاث تصدرها المؤسسة، أو صادرة عن منظمات أُخرى، تتحدث عن حرية التعبير.

التأثير

وفي الآلية الثانية، تعمل المؤسسة على التأثير في الوضع العالمي للصحافيين، عن طريق تشكل حملات دولية للضغط على الحكومات والمؤسسات من أجل التغيير في التشريعات أو المواقف العامة، فضلًا عن عرض الأخطار التي تهدد حرية التعبير في جميع أنحاء العالم.

ويأخذ المؤشر عدة أشكال مختلفة، تتدرج بدايةً من إعداد التقارير والأبحاث، ومرورًا بالحملات الإعلامية، وأخيرًا إلى الدعوة المباشرة.

المناقشات والمناظرات

الآلية الثالثة للوصول إلى أهداف المؤسسة، هي المناقشات والمناظرات، وذلك من منطلق تعزيز النقاش والحوار كشكل من أشكال حل الأزمات.

وتعقد المؤسسة كل عام، مناظرات، وندوات، ومعارض، وعروض فنية، وحفلات موسيقية، لتساعد الناس على فهم أفضل لقيمة حرية التعبير.

الدعم

أمَّا الآلية الرابعة التي تعمل المؤسسة أو المؤشر من خلالها، هي الدعم المباشر وغير المباشر للصحافيين والباحثين والمؤسسات الإعلامية المختلفة، التي تواجه أشكال مختلفة من الضغوط والتهديدات، على بحوثهم وتغطياتهم الصحافية.

ومن ضمن أشكال الدعم الذي تقدمه المؤسسة أيضًا، هناك برامج وفرص زمالة لمدة عمل كامل، لعدد من الصحافيين الذين يقع الاختيار عليهم؛ بسبب تميزهم في مجالات الصحافة والفنون والحملات الدعائية.

صحفيو الغرب تحت التهديد

قد يعتقد الكثيرين أن الصحافيين في الوطن العربي والشرق الأوسط، هم فقط من يتعرضون للتهديدات والانتهاكات بسبب عملهم، وقد يعتقد آخرون أن من يشاركهم من حول العالم، هم الصحافيون في مناطق النزاع، لكن على ما يبدو، فإن الأزمة ليست جغرافية، بقدر ما أنها متعلقة بحالة عداء عامة للإعلام والصحافة.

«معدل العداء لوسائل الإعلام يتزايد عالميًا يومًا بعد يوم». *ميلودي باتري، أحد مسؤولي مؤشر الرقابة.

وتشير الإحصاءات أنه خلال أشهر يوليو (تمّوز)، وأغسطس (آب)، وسبتمبر (أيلول) الماضيين، رُصدت 406 حالة مؤكدة، تعرَّض فيها صحافيون لانتهاكات في جميع دول الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى تركيا وروسيا وأوكرانيا.

ومن جانبه، قال «ميلودي باتري»، أحد القائمين على المؤشر: إن «الهجمات على الصحافيين هذا العام لم يسبق لها مثيل على الإطلاق»، مشيرًا إلى أنها تبدأ بالضغط على الصحافي والتهديد، وقد تصل حدتها إلى مقتله في النهاية.

وأشار التقرير إلى زيادة أعداد الانتهاكات والحوادث ضد الصحافيين في القارة الأوروبية، والتي ظلت لعقود معقلًا للحريات بشكل عام، وحرية الصحافة بشكل خاص، فضلًا عن زيادة أعداد الانتهاكات والحوادث أيضًا ضد الصحافيين في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما ظهر من خلال اعتداءات مؤيدي الرئيس المنتخب دونالد ترامب على عدد من الصحافيين خلال فترة الانتخابات الأمريكية وما بعدها.

خريطة توضح عدد حالات الاعتداءات المختلفة على الصحافيين في كل دولة من دول القارة الأوروبية

من أجل عملهم.. صحافيو أوروبا يُقتلون

على مدار التاريخ، ضحَّى العديد من الأشخاص في سبيل عملهم، وربما تكون الصحافة من أكثر المهن في العالم التي تكون التضحية فيها أكثر من غيرها، وبأغلى ما يكون، أي التضحية بالحياة. ومع ذلك لا يستطيع أحد أن يمنع شغف صحافي من تغطية حدث أو نشر الحقائق، وإن كلفه ذلك حياته.

وعلى مستوى القارة الأوروبية، يواجه الصحافيون الكثير من الانتهاكات، فخلال ثلاثة شهور فقط رصد «مؤشر الرقابة» عددًا كبيرًا من الانتهاكات التي تعرَّض لها صحافيون، والتي تتراوح من أقل الانتهاكات إلى أكثرها؛ حيث قدَّم أربعة صحافيين حياتهم فداء عملهم، فضلًا عن رصد 54 حادث اعتداء جسدي، بالإضافة إلى وجود حوالي 257 صحافيًا تم اعتقالهم واحتجازهم في القارة الأوروبية خلال ثلاثة أشهر فقط.

2016 أكثر الأعوام خطورة على الصحافيين في التاريخ

ليس هذا فقط، بل إن هناك 112 حالة من الصحافيين والصحافيات الأوروبيات تعرضنْ لأشكال مختلفة من الترهيب؛ والذي يتضمن الإيذاء النفسي، والتحرش الجنسي، و«البلطجة الإلكترونية»، والتشهير، فضلًا عن 29 حالة تعرضت أعمالهم للرقابة بحيث لا يتم نشر تقاريرهم الصحفية، إلا بعد موافقة الرقابة عليها، فضلًا عن منع 29 حالة من التغطية الإعلامية والصحافية.

وتعتبر أوكرانيا وتركيا وكرواتيا، أكثر الدول الأوروبية انتهاكًا لحقوق الصحافيين ولحرية التعبير؛ ففي أوكرانيا، وتزامنًا مع أحداث العنف التي تعاقبت منذ عام 2014؛ بسبب الأزمة بين أوكرانيا وروسيا على شبه جزيرة القرم، اغتيل ثلاثة صحافيين أوكرانيين في ظروف مختلفة خلال ثلاثة أشهر، كان آخرهم «بافل شيرميت»، الذي قتل في بعد انفجار سيارته في العاصمة الأوكرانية كييف.

سيارة الصحافي بافل شيرميت التي انفجرت وهو بداخلها (المصدر: الجارديان)

ولم يختلف الوضع كثيرًا في تركيا؛ حيث تعرَّض ما يزيد عن 2500 صحافي تركي لاعتداءات، أو تهديدات، أو طرد من الوظيفة بالإجبار، من قِبل النظام التركي، فضلًا عن مقتل المصور الصحافي «مصطفى كامباز» على يد جنود الجيش التركي، وذلك بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشل الأخيرة في منتصف يوليو (تمّوز) الماضي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد