في تاريخ التشيع و إيران,كانت المرجعية هي أهم مؤسسة دينية و شعبية.و على مر تاريخ إيران المعاصر-من العصر القاجاري حتى الآن-قامت هذه المؤسسة العلمية و الشعبية المتميزة و المعتبرة في مرات عديدة بدور فعال و مؤثر في الدفاع عن مصالح البلد و الشعب.

و على عكس رأي بعض الأشخاص الجهال أو المعارضين للدين و لمؤسسة الحوزات العلمية,يحوز المراجع العظام بأعلى المستويات العلمية في الفقه الإسلامي.

و من هذه الجهة,المراجع العظام-الذين يتم اختيارهم عبر عملية زمنية بشكل طبيعي من بين آلاف المجتهدين عن طريق الإدارة الذاتية و مباشرة من الناس-أصحاب فهم إداري و اجتماعي متميز.و هذا الظهور الديني البارز-الذي يوجد نظام اجتماعي من بين آلاف المجتهدين-لهو برهان على التفوق الخاص للمراجع العظام في العلم و الإدارة و الاجتماع و الورع.

من ناحية أخرى يقوم الجهاز الديبلوماسي و الاتجاهات الديبلوماسية بدور رئيسي-كما و كيفا-في المصالح القومية و الأمن القومي و دين و دنيا أفراد الشعب.

ألزم هذا القدر المشترك في الاجتماع و السياسة هاتين المؤسستين بالتعامل وجها لوجه مع بعضهم البعض.

في العصر القاجاري أثناء الحروب الإيرانية-الروسية,كانت الحكومة خاضعة لفتاوى المرجعية.أصدر آية الله العظمي كاشف الغطاء و آية الله سيد علي الطباطبائي-صاحب الكتاب المهم”رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل”-فتوى بالجهاد الدفاعي ضد الروس.و في واقعة تحريم التنباك أيضا,بصمود المرجعية للدفاع عن المصالح القومية في وجه الشاه و الاستعمار الاقتصادي الإنجليزي,اضطر الشاه في النهاية إلى الرضوخ لأمر المرجعية.و عند اندلاع الثورة الدستورية,بوقوف المرجعية ضد الحكومة الاستبدادية و الروس و إصدارها فتوى تأسيس الحكم الدستوري,أجبر الشاه مجددا على القبول و الامتثال.و بهذا الاستعراض مرة أخرى من المشهدين الاقتصادي و السياسي,دخلت البلد و الحكومة في عصر جديد.

في الوقت الحاضر,أصدر الإمام الخميني-باعتباره مرجع مرموق-أمرا بإسقاط و إبطال شرعية الحكم الشاهنشاهي,ثم دعمت أغلبية المراجع فتواه.و في النهاية,دخلت إيران عصر الجمهورية الإسلامية بفضل مساندة أفراد الشعب الساحقة لفتوى المرجعية.

يستند الدستور و شرعية الجمهورية الإسلامية الإيرانية على موافقة المرجعية و رأي الشعب بها.لهذا يجب على مسئولي الجمهورية الإسلامية الانتباه إلى أن شرعيتهم و مصداقيتهم,تصبحان مجروحتين مالم تساندها و تؤيدها و تدعمها المرجعية.

منذ 1978و حتى 2005,كانت علاقات الحكومة و الديبلوماسية بالمرجعية إيجابية و بناءة.و لكن طوال السنوات منذ 2006 حتى2013,تدهورت تدريجيا علاقات رئيس الجمهورية و مستشاريه بالمرجعية,على النحو الذي أدى إلى مقاطعة مراجع إيران و العراق اللقاء بأحمدي نجاد,و عمليا أصبحت المرجعية أهم معارضي الحكومة,الأمر الذي لم يحدث من قبل في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

سبب مقاطعة المرجعية-كأهم مؤسسة مدنية إيرانية-لأحمدي نجاد هو السياسات الاقتصادية و الثقافية و الخارجية الخاطئة التي أدت إلى عزلة إيران عن المجتمع الدولي و التوتر و الفوضى الاقتصادية في ميدان الحياة اليومية للشعب,و الصناعة,و التجارة,و الإنتاج.

المرجعية-باعتبارها أهم مدافع عن المصالح القومية و جميع الأراضي الإيرانية-لم تملك حيلة سوى إعلان مخالفتها بالقول و الفعل-بالطبع بهدوء و احترام-و لولا خبرة و دراية القائد و المرجعية لكان الخوف من أن تعقد تلك القضية العلاقات بين المؤسستين البارزتين.

فتحت صفحة جديدة من العلاقات الجيدة و البناءة بين المرجعية و الحكومة بانتخاب الشعب الإيراني د//حسن روحاني و الدعم الساحق من المراجع العظام و ثلاث شخصيات دينية و سياسية هم:آية الله هاشمي رفسنجاني,و السيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية الأسبق,و آية الله السيد حسن الخميني حفيد و تلميذ الإمام الخميني.

يتعلق د/حسن روحاني بمؤسسة الحوزات العلمية لأنه صاحب شخصية و هوية علمية مرموقة كما أن المرجعية راضية لأن الشعب الإيراني قد جدد الثقة بأحد أبنائها المتميزين و أحد خريجي تلك المؤسسة المدنية العظيمة و انتخبوه.

فانتصار د/حسن روحاني في انتخابات رئاسة الجمهورية 2013,هو انتصار لأصوات معارضة المرجعية للحكومة السابقة.على الرغم من أن بعض وزراء الحكومة السابقة-مثل د/صالحي و د/متكي-كانوا من مريدي المراجع العظام و يحظون باحترامهم.

تقع مطالب المرجعية و د/حسن روحاني”رئيس الجمهورية المنتخب” في إطار واحد.فالمرجعية تطالب باتباع سياسات ديبلوماسية عاقلة و متزنة و مقتدرة مع المجتمع الدولي,و إجراء سياسات إزالة التوتر,و كذلك تجنب اختلاق الأزمات غير المجدية و رفع الشعارات الشعبوية التي تكلف الشعب أثمانا باهظة,و من جملة هذه المطالب أيضا:خروج إيران من العزلة المفروضة عليها,و كسر الحصار الاقتصادي و بالتالي زيادة فرص العمل,و تقليل التضخم,و متابعة فعالية أجهزة الطرد المركزي و فعالية المصانع و الإنتاج و الصناعة و التجارة,بجانب ضمان حياة كريمة لأفراد الشعب الإيراني.

و التأكيد على الاهتمام بنشر الثقافة الإسلامية المحمدية الخالصة الخالية من الخرافات-روح الشريعة و الأخلاق و الحرية و الفتوة و المروءة و الإنصاف و قبول النقد-و كذلك:رعاية و احترام الحقوق و التأكيد على منزلة و مكانة الحوزات العلمية و الجامعات و أهل الأدب و أهل القلم و أهل الإنتاج و التجارة.

يجب أن يظل خط الإمام الخميني حيا و نشيطا و يجب اتخاذ سياسات تجعل الثورة الإسلامية-يوما بعد يوم-أعمق و أعز و أقدر في إيران و العالم,و تقدم إيران و الإسلام العزيز باعتبارهما لواء دار السلام و الأمن المستقر و العدل العالمي.

و من المطالب الأخرى:التصدي لإفراط داعمي الاستكبار العالمي و تعمير ما تم تدميره خلال السنوات الثماني الماضية,و التعامل القانوني مع الفساد الاقتصادي,و إعادة الأموال المنهوبة من بيت المال-في السابق-إلى الخزانة العامة.و سيادة القانون.و أيضا من تلك المطالب العقلانية و البصيرة و الإدارة العلمية المبنية على الإيمان الإسلامي للبلاد,و هذه القائمة الطويلة قابلة للزيادة أيضا.

مطالب الشعب التي قد أعلنتها المرجعية تعهدت حكومة د/حسن روحاني بتنفيذها و قد أنجزت الحكومة-حتى الآن-في هذا الطريق-باتباع العقل و الإدارة العلمية و بمساعدة تجربة و علم و أدب د/محمد جواد ظريف وزير الخارجية-خطوات ممتازة و بناءة في مجال الديبلوماسية النووية.

على خلاف الحكومة السابقة,صار القائد و المرجعية و الحكومة على قلب رجل واحد بفضل دعم المرجعية البناء الإيجابي لحكومة د/حسن روحاني.

و هذا التعاطف قد أوجد استيعاب كبير للحكومة التي كتبت فصلا جديدا في الديبلوماسية البناءة بين إيران و العالم باقتدار و دراية و باستقرار المصالح القومية الإيرانية في ميدان العلاقات الدولية.

و في ظل ديبلوماسية تقليل التوتر التي تدعمها المراجع العظام,أتيحت إحدى شروط تحسين الوضع الاقتصادي للبلد و الشعب.و كذلك القطاع الخاص يستطيع بالابتكار و الإبداع دفع العجلة الاقتصادية للبلاد و توفير فرص العمل,كما يدعم المراجع العظام بحسم زيادة الأجور و تقليل التضخم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد