ماهو فنّ الكاريكاتير، الفن البسيط الذي أزعج الأنظمة المستبدة؟ ربما هي سلطة السخرية التي تستطيع من خلالها أن تنال من أي شخص أو فكرة أو موضوع. وإذا حاولت أن تقضي على الفنان صاحب الرسم فإن أول اعتراض سيقابلك: كيفَ تحجر على الفنّ؟ كيف تخاف من بضعة خطوط صغيرة مترابطة ببعضها البعض؟ لكنَّ هذه الخطوط قد تكون أحيانًا أقوى من خطوط النار في الحروب، ما هو إذن هذا الفنّ الذي تصبح سلطته أقوى من الرصاص بالفعل؟

فن الكاريكاتير، منذ البداية وحتى الآن

ما لا يعرفه الكثيرون أنَّ الكاريكاتير يصنف كأحد أشكال الفنّ التشكيلي، وكلمة “كاريكاتير” مشتقة بالأساس من الكلمة الإيطالية “كاريكير caricare” والتي تعني لغويًا “يبالغ/يحمِّل ما لا يطيق”، وهو ما يعني أنَّ الفن الكاريكاتيري مبالغة أو تحميل الشيء ما لا يطيق، لكنَّ هذه المبالغة ليست مبالغة سيئة، إنما مبالغة تستهدف نقدًا لاذعًا لمشكلة معينة أو لوضع سياسي أو اجتماعي خاطئ.

ما قد لا يعرفه الكثيرون أيضًا أن فن الكاريكاتير يمتدّ ـ حسب باحثين ـ إلى العصر الفرعوني، حيث كان الرسام الفرعوني يستخدم الرموز للتعبير عن رأيه، واستخدم الفن القبطي أيضًا الكاريكاتير كما استُخدم في عصر الفاطميين.

كاريكاتير للرسام البريطاني James Gallray عام 1878

في العصر الحديث بدأ الكاريكاتير في الانتشار في هولندا في أوائل القرن السابع عشر، ثم انتقل إلى إنجلترا وفرنسا وإيطاليا. كما بدأ انتشاره في العالم العربي في مصر في مجلة “أبو نظارة” التي أصدرها الفنان المصري “يعقوب صنوع” عام 1878.

“يعتبر البعض ليوناردو دافنشي أبو الفن الكاريكاتيري في إيطاليا”

وينقسم الكاريكاتير إلى عدة أنواع من حيث الموضوعات ومن حيث الشكل والمضمون، فمن حيث الموضوعات هناك كاريكاتير اجتماعي ورياضي وسياسي، والغرض من كل هذا نقد وضع معين أو فكرة معينة نقدًا لاذعًا من خلال السخرية. ومن حيث الشكل فإن مدارسه تختلف، فهناك رسومات فقط دون نصّ، وهناك رسومات تحتوي على نصّ صغير.

“الكاريكاتير من أصعب الفنون حيث يضطر الفنان للتعبير بأبسط الخطوط دون الإخلال بالشكل المطلوب إظهاره”    *الفنان جواد حجازي

لوحة لنفس الرسام تصور اقتسام نابليون ووليام بيت رئيس وزراء بريطانيا للكرة الأرضية، وكان هذا الكاريكاتير أشهر الرسومات السياسية في وقتها (1805)

الكاريكاتير يقضّ مضاجع السلطة!

هل قلنا إذن في بداية التقرير أنَّ الكاريكاتير”سلطة”؟ تعال إذن لنفهم كيف تتكون هذه السلطة.

السخرية في البداية سلطة مطلقة، لكنَّ هذه السلطة تجد ما يقويها عندما تدخل إلى وجدان الناس البسطاء وتعبِّر عنهم، ومثلما وُجد شعراء وأدباء حاربوا بالقلم من خلال شعرهم ومن خلال رواياتهم وجد رسامو كاريكاتير ناضلوا أيضًا من خلال خطوطهم الصغيرة التي هددت السلطات. إذن هي “سلطة” لكنها سلطة مناضلة وجريئة بخلاف السلطة المستبدة في العديد من الأنظمة، والآن لنذكر بعض الامثلة على هذه “السلطة المناضلة”.

ناجي العلي: اشتهر بشخصية حنظلة

ربما لم يشتهر رسام كاريكاتيري مثل ناجي العلي، لأن رسمه أوصله ـ في النهاية ـ إلى الاغتيال على يد الموساد الإسرائيلي. كان العلي قد تم تهجيره وهو في العاشرة من عمره وعاش في مخيم عين الحلوة بجنوب لبنان. الأديب والصحفي الفلسطيني غسان كنفاني أول من نشر له رسمًا كاريكاتيريًا، وبعدها شقَّ ناجي طريقه في الصحافة، وقد تم اعتقاله من قبل الجيش الإسرائيلي و اللبناني أيضًا أكثر من مرة، لكنه كان يرسم على جدران السجن!

“اللي بدو يكتب لفلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرف حالو: ميت” *من أقوال ناجي العلي.

اشتهر العلي برسوماته وشخصياته التي اخترعها لتعبر عن واقع القضية الفلسطينية، حنظلة كان أشهر هذه الشخصيات، ولد حنظلة عام 1969 في جريدة السياسة الكويتية وهو طفل في العاشرة، مرقع الثياب وحافٍ أيضًا، بعد العام 1973 أصبح حنظلة مديرًا ظهره للجمهور، يعتبر حنظلة أشهر الشخصيات الكاريكاتيرية في العالم العربي.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“رسم جرافيتي لشخصية حنظلة”

لا يعرف بالضبط الجهة التي اغتالت ناجي العلي، لكنَّ أصابع الاتهام تتَّجِه نحو الموساد، يوم 22 يوليو عام 1987 كان ناجي العلي يمشي في شوارع لندن متجهًا نحو مقرّ جريدة القبس الدولية يحمل آخر لوحتين رسمهما، بينما اقترب منه شاب وأطلق رصاصة على رأسه وفر هاربًا، توفي ناجي العلي يوم 29أغسطس من العام نفسه على إثر الاغتيال.

رسم لناجي العلي في ذكرى وفاته الخامسة والعشرين في رام الله

علي فرزات: لوحاتي قوضت أركان النظام!

يصنَّف الفنان التشكيلي السوري علي فرزات كأحد أهمّ مائة رسام كاريكاتير في العالم، وقد نال العديد من الجوائز العالمية بينها جائزة ساخاروف لحرية الفكر وجائزة حرية الصحافة، بدأ علي من خلال جريدته الساخرة “الدومري” التي أغلقها النظام السوري بعد تأسيسها بعامين فقط، تناول فرزات النظام السوري بالنقد اللاذع والساخر من خلال رسوماته.

كاريكاتير يمثل نضال فرزات ضد نظام الأسد


يعتبر فرزات أنَّ رسوماته الكاريكاتيرية قد هزت أركان نظام الأسد، يدلل على ذلك بمحاولة اغتياله التي نفذها النظام السوري بسبب تأييد فرزات للثورة السورية في أغسطس 2011 عندما تعرض له ملثمين بالضرب وتم التركيز في الاعتداء على وجهه وأصابعه، وكأنها رسالة له بأن أصابعه تلك التي ترسم ربما يقطعها النظام!

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“فرزات بعد الاعتداء عليه”

محمَّد سباعنة: الرسام الذي حوَّل رقم زنزانته إلى أيقونة نضال

“كم مرة رسمت القيد، لكن محاولاتي كانت دائما تبوء بالفشل لعجزي عن رسم برودته”  *محمَّد السباعنة.

في زنزانة في شمال الضفة الغربية بفلسطين كان رجال المخابرات الإسرائيلية يحققون مع السباعنة ويواجهونه برسوماته الكاريكاتيرية ضد الاحتلال الإسرائيلي، هذه الخطوط الصغيرة جعلت الاحتلال لا يرقد له جفن فاعتقل رسامها. حين عودته من الأردن تم القبض عليه وسجن لمدة ستين يومًا رسم خلالها بعض اللوحات وهربها مع محاميه، وعندما خرج من الأسر عرض لوحاته التي رسمها جميعًا داخل المعتقل في معرض يحمل رقم زنزانته “زنزانة 28”.

والآن عزيزي القارئ هل عرفت الآن ممَّ تتكون سلطة الكاريكاتير؟ إنها بضع خطوط تتشابك ولكنها أقوى من الرصاص، لأن صاحبها أعزل لا يملك إلا قلمًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد