يميل الإنسان بشكل عام إلى السرعة في إصدار الأحكام تجاه ما يراه من تصرفات حوله، دون أن يحاول معرفة السبب وراءها، ولعل الأطفال هم نموذج مميز لهذا الأمر، إذ سرعان ما يصدر البالغون عليهم الأحكام، إذا ما تصرفوا بطريقة تسترعي الانتباه.

لكن الطفل المصاب بمرض التوحد هو آخر شخص على هذا الكوكب يحتاج منك إلى مثل عمليات الانتقاد هذه.

وقبل التوغل في بعض النصائح التي يحتاج إليها غالبتنا عند التعامل مع الطفل المصاب بالتوحد، لنلقي نظرة سريعة على طبيعة هذا المرض.

التوحد هو حالة اضطراب في النمو العصبي، يتميز بضعف التفاعل الاجتماعي، والاتصال اللفظي، وغير اللفظي، والسلوك المقيد، والمتكرر. وعادةً ما يلاحظ الآباء علامات الإصابة بالمرض في العامين الأولين من حياة طفلهم. هذه العلامات غالبًا ما تتطور تدريجيًا، على الرغم من أن بعض الأطفال المصابين بالتوحد يصلون إلى معالمهم التنموية بوتيرة طبيعية، ثم يبدؤون في التراجع.

معايير التشخيص الخاصة بهذا المرض تتطلب أن تظهر الأعراض في مرحلة الطفولة المبكرة، عادة قبل سن الثالثة.

يشعر بالعالم بشكل مختلف

سيخبرك الطفل المصاب بالتوحد أنه يجد بعض الضوضاء والروائح والأذواق والأضواء مجهدة، أو مخيفة، أو حتى مؤلمة جسديًّا له. يمكن للمس أن يربكه بشدة، كما أنه لا يحب العناق.

لكن في المقابل يمكن للمصاب بالتوحد تجربة بعض التفاصيل التي قد تفوت الأشخاص العاديين، مثل أنه يستمتع ويضحك ويبتسم ويشعر بالسعادة، لذلك من الأفضل أن نتقرب منه، ونتبادل معه الأحاديث والنكات، وغيرها من الأمور الممتعة. من الأفضل لنا أن نقرأ بعض الكتب التي كتبها أناس عانوا من التوحد لمعرفة المزيد حول كيف يمكن لهؤلاء أن يشعروا.

سلوكه هو طريقته للتواصل

إذا لم يستطع الطفل المصاب بالتوحد التحدث، أو التعبير عن أفكاره ومشاعره فهذا أمر يحبطه ويحزنه، وقد يغضبه بشدة. من هنا فهو يحاول التعبير لكن بطريقة مختلفة، قد يرى الناس سلوكه صعبًا، أو مطيعًا، أو صعبًا بشكل متعمد، ولكن من المرجح أن هذه تكون طريقته في التواصل.


هو طفل

التوحد هو جزء من الطفل، لكنه ليس كل من هو عليه. مثلك تمامًا، هل أنت شيء واحد فقط، أم أنك شخص مع أفكار ومشاعر وتفضيلات وأفكار ومواهب وأحلام؟ هل أنت سمين (تتميز بزيادة الوزن)، قصير النظر (ترتدي النظارات)، أو شخص لا تحب التنسيق؟ قد تكون هذه الأشياء هي التي تراها في شخص عند رؤيته لأول مرة، ولكنه بالتأكيد أكثر من هذه النظرة السطحية، أليس كذلك؟

باعتبارك شخصًا بالغًا، لديك السيطرة على كيفية تعريف نفسك. إذا كنت ترغب في التركيز على سمة معينة فيك، يمكنك أن تقوم بهذا بسهولة. لكنه طفل، وهو ما يزال يكتشف الأمور داخله ومن حوله. فلا أنت ولا هو تعرفان ما قد يكون هذا الطفل قادرًا على فعله.

في النهاية هذا طفل، وعليك أن تعرف أن له جميع صفات الأطفال، ويحتاج لكل ما يحتاجه الأطفال في سنه، الفرق الوحيد هو الاختلاف في طريقة تقديم الأشياء له طبقًا لاهتماماته ووسائل تفاعله.

كما هو

يجب ألا ننظر لمرضى التوحد كأنهم قالب واحد، كل شخص هو كائن مميز لا يوجد مثله شبيه على الإطلاق، وهذه القاعدة لا تشذ في حالة المصابين بالتوحد. مثلنا تمامًا، مرضى التوحد لديهم الكثير من المهارات والقدرات المختلفة، وكذلك لديهم أشياء يجدون صعوبة في أدائها.

فقط لأن هذا الطفل مصاب بالتوحد لا يعني أنه نفس أي شخص آخر مصاب بالمرض. الحب والقبول من العائلة والأصدقاء والجميع من حوله هو أفضل وسيلة لمساعدته على النمو والازدهار.


التفاعل بوسائل يفهمها

حاول أن تكون أكثر بطئًا، وامنحه بعض الوقت. كن واضحًا حول ما تقوله، وأعطه فرصةً للرد، قد يستغرق الأمر بين 10- 15 ثانية بالنسبة له لمعالجة ما تقوله. حاول أن تتعرف إلى اهتماماته وطرق الاتصال الملائمة به، واسمح لاهتماماته أن تلهم تواصلك معه.

لا تحاول السيطرة على طريقة تفاعله، أو التحكم فيه. عندما تتعلم الاستماع مع كل حواسك عليك أن تدرك المقدار الذي يريد أن يعبر عنه لك.

يحتاج إلى أصدقاء

سلوك الطفل المتوحد الاجتماعي قد يبدو مختلفًا عن الآخرين. بالنسبة له، التواصل والتفاعل ليس فقط من خلال الكلمات. بعض الأطفال المصابين بالتوحد لا يستخدمون اللغة المنطوقة، ويتواصلون بطرق غير لفظية. هذا يمكن أن يشمل أخذ يدك إلى الشيء الذي يريده، أو النظر إليه دون كلام. حاول أن تراقب الطفل، وتتعلم لغته.

يتعامل مع الكلمات حرفيًّا

أنت تتسبب في حدوث ارتباك له عندما تقول له كلمات مثل «امسك نفسك»، أو «أريد أن أرى حصانًا يركض بقوة»، أو غيرها من التعبيرات التي تحمل تشبيهات. لا تخبره أشياء عن قطعة من الكعك ليست موجودة أمامه، كن مباشرًا معه دون مواربة أو تجميل.

الاصطلاحات والتورية والاستدلالات والاستعارات والتلميحات وتعبيرات السخرية كلها أمور لا يتمكن من استيعابها. دائمًا لا يتمكن الطفل المصاب بالتوحد من فهم الصورة الأكبر، وبالتالي تكون عملية فهم الأمور في سياقاتها صعبة بالنسبة له. أظهر له الصورة بوضوح، واسمح له أن يعرف ما يمكن أن يتوقعه.

قلق ومتوتر دائمًا

وذلك لأن لديه صعوبات في فهم العالم والتواصل مع أفكاره واحتياجاته. إن الطريقة التي يرى أو يسمع أو يشعر بها العالم يمكن أن تكون مؤلمة، والعالم يمكن أن يكون مكانًا مخيفًا ومربكًا بالنسبة له. عندما يحدث شيء أو يتغير فجأة، فقد يشعر بالذعر. الناس قد يعتقدون أنه سخيف، ولكنه حقًا يشعر بالرعب.


الروتين مهم له

الروتين التقليدي مهم جدًا بالنسبة للمصاب بالتوحد؛ لأنه يجعله يشعر بالأمان، ويساعده على التعامل. هذا لا يعني أنه لا يريد تجربة أشياء جديدة. لكنه فقط بحاجة إلى مزيد من الدعم للانضمام إلى العالم من حوله.

إذا أردت أن تساعده، يمكنك أن تجد الأنشطة والرياضات التي سوف يستمتع بها، ويمكنك الاستمتاع معه بها. حاول معرفة الأمور التي قد تساعده على الهدوء. إذا كنت أنت أقل قلقًا يستطيع هو التعامل أفضل.

ما يمكنه القيام به

ركز على ما يمكنه فعله، وليس ما لا يستطيع القيام به. المصاب بالتوحد هو ذكي ومؤنس، هو شخص كامل. قد يكون أكثر اهتمامًا في بعض المواضيع المحددة، والتقاط التفاصيل أكثر عنها، ولكن هذا هو مجال اهتمامه.

قد يقضي أخوه ساعات في مشاهدة مباريات كرة القدم، وصديقه ربما يحب الأشخاص الغرباء، لكن قد يكون هو من الذين يحبون الحديث عن أشرطة الفيديو الخاصة به، ومعرفة أسماء الناس. حاول أن تحب الطفل كما هو، وأن تتفاعل وتعمل معه، واستمتع بما تشاركه به.

عرض التعليقات
تحميل المزيد