يشهد الآباء نوبات غضب أبنائهم المصابين بالتوحد مرارًا، ورغم ذلك لا يكونون عدائيين تجاه أي شخص سوى أنفسهم. لا يحتاج الطفل المتوحد في تلك الأوقات سوى تواصل جسدي واحتضان، وشخص يخبره بأنه يحبه، ويجلس بجانبه حتى تمر النوبة، ويساعده في العودة إلى روتين حياته اليومي. هذه أحداث يوم معتاد في حياة مصاب بالتوحد.

أنا متوحد.. هل هناك من يلاحظني؟

من أقدم الأفكار المتعلقة بالتوحد، هو أنه يأتي في شكلين، أحدهما موجود منذ الولادة، والآخر يظهر فجأة في مرحلة الطفولة. النوع الأخير، أو هكذا تقول الفكرة، يعلن نفسه من خلال فقدان الطفل السريع لمهاراته. وفي هذه الصورة الكلاسيكية لـ«الانحدار»، ينسحب طفل ثرثار وفضولي يبلغ من العمر عامين من مجتمعه المحيط فجأة.

يكبر غير مبالٍ بمن ينادي عليه، ويبدأ في التحدث أقل من ذي قبل، أو يتوقف تمامًا. يتحول من حب اللعب مع الناس إلى اللعب بالأشياء، من استكشاف العديد من الأشياء والأنشطة، إلى تحديد نطاق حركته. فيفقد العديد من المهارات التي أتقنها، ويبدأ في الدوران أو المشي على أصابع قدميه، أو فرد يديه استعدادًا للطيران.

على جانب آخر، فإن عدد الأطفال المصابين بالتوحد أكبر بكثير مما يعتقد الباحثون؛ إذ يعتمد اكتشافهم على دقة ملاحظة آبائهم. فيفقد العديد من الأطفال الذين جرى تشخيص إصابتهم بالتوحد مهاراتهم الاجتماعية بين عمر 18 شهرًا وثلاث سنوات، لكن قليلًا من الآباء من يلاحظون ذلك.

تأكد ذلك في الاجتماع السنوي للجمعية الدولية لأبحاث التوحد عام 2018، عندما عُرضت فيه نتيجة دراسة غير منشورة، أشارت إلى أن الآباء لاحظوا تراجعًا في 2% فقط من الأطفال الذين فقدوا مهاراتهم الاجتماعية، قبل تشخيصهم بالتوحد. فيفقد الطفل قدرته على التكلم والتفاعل والانتباه مرة واحدة أو تدريجيًّا دون أن يلحظ الأب أو يتذكر هل فقد ابنه مهاراته، ومتى حدث ذلك.

ويتسبب هذا التغافل عن تراجع المهارات الاجتماعية للطفل في سن صغيرة في إصابته الحتمية بالتوحد، ويعرضه  أحيانًا  إلى الإعاقة الذهنية، أو اضطراب نقص الانتباه، وفرط الحركة واضطراب النمو العصبي، وما يزال العديد من مصابي التوحد لم يُشخصوا حتى الآن، أو جرى تشخيصهم تشخيصًا خاطئًا.

المتوحدون في مواجهة التهديدات.. فرحة غائبة وصمت

تظهر علينا مشاعر الخوف عادة في وقت مبكر من حياتنا، على أن يلحق بنا القلق في وقت لاحق مع البلوغ. وكذلك اعتقد الباحثون لعقود طويلة أن الأطفال المصابين بالتوحد أكثر خوفًا من غيرهم. وذلك بسبب القلق البالغ الذي يسيطر على الشخص المتوحد من بيئته المحيطة، فكان من الطبيعي الاعتقاد بأن هذا القلق الرهيب مصدره خوف رهيب، لكنه ليس كذلك.

نشرت مجلة الأكاديمية الأمريكية لطب نفس الأطفال والمراهقين، في أغسطس (آب) 2018، دراستها الأهم، لتؤكد لنا أن الأطفال الصغار المصابين بالتوحد يُبدون درجة أقل كثيرًا من الخوف، عندما يواجهون شيئًا مرعبًا، من الأطفال غير المصابين. ما يفسر كثرة تعرضهم لحوادث السيارات، والسقوط من المرتفعات، وحتى الغرق. فبالنظر إلى أهمية العواطف في تشكيل التطور الاجتماعي والمعرفي، يفتقد المصابون بالتوحد لمشاعر قوية كالخوف والفرح، فيلقون بأنفسهم بين أحضان الخطر، ويغضبون من أشخاص يحاولون لمسهم.

Embed from Getty Images

أجريت الدراسة على مجموعتين من الأطفال، مختلفتين في درجة التوحد، لحثهم على الغضب والفرح والخوف، وقياس درجات هذه الانفعالات في تعبيرات وجوههم، وتردد أصواتهم، ونبضات قلوبهم، وكمية العرق على جلودهم عن طريق جهاز لاسلكي.

لم يكن هناك فرق بين المجموعتين في شدة الفرح، فكلتا المجموعتين المصابتين بالتوحد لم تشعر بالفرح المعتاد من الأطفال عند تلقي الهدايا والألعاب. لكن اختلفت درجة الغضب والخوف بينهما؛ فالمجموعة التي تعاني من حدة أعراض التوحد كان غضبها أكثر حدة في مواقف مخصصة لإثارة بهجتهم، مقابل الخوف الذي لم يشعروا به تمامًا كالفرح.

فعند مواجهة الأطفال برجل ملثم، ومفرقعات تصدر أصواتًا مخيفة، ومجسمات كبيرة كالديناصورات أو عناكب، كانوا يصمتون دون أية تعبيرات على ملامحهم؛ فقط ينظرون نحو الشيء أو الشخص المخيف بثبات، ما يشير إلى أن ردود الفعل غير المتوقعة ليست نتيجة عدم اهتمامهم.

الهروب من مجتمع لا يبالي

إن الشعور بعدم الانتماء لشيء، والغرق في الوحدة من جانب، والشعور بكونك عبئًا، حتى لو كان هذا تصورك وحدك من جانب آخر، والافتقاد للدعم الاجتماعي، هي دوافع كافية لتحفيز الرغبة في الانتحار، وهو بالضبط ما يشعر به المتوحد. وحتى عام 2014، كان 40% من مصابي التوحد قد حاولوا قتل أنفسهم بسبب القلق، وأشارت الأبحاث إلى أن الأفكار والرغبات الانتحارية ذات صلة بالتوحد.

أثارت نتائج هذه الدراسات أسئلة كثيرة في مجال الطب النفسي وطب نفس الأطفال، لأن الخوف يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقلق، وكان يعد لسنوات طويلة نتيجة حتمية له. لكن في مجتمع المتوحدين تختلف المعادلة. فكثير من القلق، وقليل من الخوف، وهرولة نحو الهلاك، وصعوبة في تحديد هل كان السقوط من فوق مبنى رفضًا للواقع أم محاولة فاشلة للتحليق فوق المدينة.

Embed from Getty Images

ناقشت ذلك دراسة منشورة في مجلة التوحد واضطرابات النمو، في ديسمبر (كانون الأول) 2019. وكان أحد العوامل التي يحتمل أن تكون ذات صلة برغبة المتوحدين في الانتحار، هي محاولتهم للتوافق مع المجتمع بتمويه سمات التوحد لديهم، وهو ما وصفه المتوحدون بمحاولة نشطة لإخفاء وتعويض صفاتهم الخاصة بالتوحد في المواقف الاجتماعية. وسط سعي محموم للتوافق بشكل أفضل مع الآخرين على المستوى الاجتماعي.

الأمر الذي ينتج منه صعوبات في إخفاء الشخص لخصائص التوحد لديه، من خلال المراقبة المستمرة لسلوكياته؛ كتبادل النظرات بالعين، وتعبيرات الوجه، والإيماءات، وإجبار نفسه على التفاعل من خلال التظاهر؛ وكل ذلك لتقديم نفسه للآخرين كشخص غير متوحد، ما يرتبط بشكل كبير بتدهور الصحة العقلية والنفسية.

افترض الباحثون أيضًا أن الأشخاص الذين لديهم مستويات عالية من سمات التوحد الظاهرة، سيكونون أكثر عرضة لتمويه هذه السمات في المواقف الاجتماعية اليومية، مما يوحي بأن أولئك الذين لديهم سمات توحدية عنيفة هم أشخاص اجتماعيون جدًّا؛ لكن محاولاتهم تلك تزيد من خطر الشعور بالإحباط المجتمعي، وبالتالي الأفكار والسلوكيات الانتحارية.

غاضبون في مواجهة كورونا.. كيف يتعامل الطفل المتوحد مع العزل المنزلي؟

«يفضل ابني الالتزام بالروتين. ويفعل كل شيء بسرعة، ويفكر دائمًا في نشاطه التالي. لكنه الآن محبط. فلا يمكننا مغادرة المنزل للذهاب في نزهة على الأقدام؛ لأنه يتجه مباشرة نحو الناس. وأكبر شيء أخافه هو أنه إذا حدث وأصابنا الفيروس أنا وزوجي، لن يعرف هو إذا أصابه. أنا أعيش كابوسًا» *أم مصاب بالتوحد يبلغ 31 عامًا.

مع أطفال لا يرون خطرًا في شخص ملثم يقترب منهم، أو عنكبوت بأقدام طويلة؛ قد يكون من الصعب إقناعهم بفيروس مميت ينتقل بين البشر دون رؤيته. لكنهم فقط يلحظون أثره في حياتهم. فالأنشطة الروتينية والاجتماعية، وتنظيم الرحلات جميعها مهمة في حياة الأطفال والمراهقين والبالغين المصابين بالتوحد. ومع فرض ضوابط صارمة من الحكومات للسيطرة على انتشار فيروس كورونا التاجي، أُغلقت كل الأنشطة ومراكز الدعم والمدارس والرحلات. ولم يعد المتوحدون قادرين على التجمع في لقاءاتهم اليومية. وأصبح على الآباء القيام بدور المدرب والمعالج النفسي.

صحة

منذ سنة واحدة
«المتوحد عنيف ولا يمكنه التعلم».. 5 من أشهر الأساطير الشائعة عن التوحد

انتشرت بين الآباء والأطباء مخاوف من أن يكون للحد من الحركة والتجمع تأثيرات خطرة في الصحة العقلية والبدنية للمصابين بالتوحد. فما زال من الصعب على المصابين بالتوحد من أطفال وبالغين، فهم قاعدة تلزمهم بالبقاء على بعد مترين من الآخرين عندما يكونون في الخارج، والكثير منهم لا يفهم سبب منعه من الخروج، وإذا أصابه لن يعرف.

المصادر

تحميل المزيد