معظم الأمراض التي نجهل أعراضها وكواليسها؛ تتكون عنها صورة ثابتة في أذهاننا من خلال ما تقدمه الدراما تجسيدًا لها، ولكن لا يكون العمل الفني المُقدم دقيقًا في تجسيد المرض سواء كان جسديًا أو نفسيًا، ومن الأمراض التي احتلت جزءًا كبيرًا على شاشات السينما والتلفاز، هو مرض التوحد، لما يحوم من غموض حول المصاب به، ولديمومة التساؤل: هل هو أذكى من الجميع أم أقل منهم ذكاءً وتمييزًا؟

الانطباع المبدئي عن المتوحد أنه لا يريد التفاعل مع البشر وكأنه يكرههم فإذا لمسه أحدهم ينتفض، وهذا قد يرسخ في أذهاننا أن الذي يعاني من هذه الأعراض؛ يصعب عليه تكوين حياة جنسية صحية مع طرف آخر، فإذا كان في أسرتكم طفل متوحد؛ في هذا التقرير نعرفكم على طبيعة الحياة الجنسية للمصاب بالتوحد.

قبل الدخول للموضوع.. ما هو التوحد؟

حتى الآن؛ ما زالت هناك العديد من الأسئلة غير المجابة طبيًا حول مرض التوحد، ويُعرف عن الأعراض أكثر ما يعرف عن الأسباب، وتبدأ تلك الأعراض في الظهور خلال أول عامين من عمر المصاب، ولكن تكون أعراضًا بسيطة لا يمكن تمييزها حتى يصل الطفل إلى عمر التحاقه بالمدرسة، فيلاحظ الآباء والمدرسون صعوبة في تفاهم هذا الطفل مع باقي الأطفال، وعدم رغبته في ملامسة الآخرين، كما يجد صعوبة في التواصل بالأعين.

بالإضافة إلى ذلك قد تجد الطفل المصاب بالتوحد يتحرك حركات جسدية غريبة ويجلس جلسات غير معتادة، ويتحدث أيضًا بصوت مختلف أو غريب، وفي بعض الجالات لا يكون لدى المصاب القدرة على التعاطف مع الآخرين أو فهم مشاعرهم، كما أنه يستخدم كلمات غريبة وغير معتادة للتعبير عما يريده.

ولكن حتى الأعراض ليست ثابتة لدى مرضى التوحد، فهناك مصابون بالتوحد لديهم قدرة على التواصل الجسدي مع آبائهم بغرض طلب الحماية في مواجهة الآخرين، أو حتى ملامسة الآخرين بعد أن يثقوا فيهم، ولكن هناك حالات أشد من التوحد تصل بالمصاب بالدرجة التي تمنعه من القدرة على تعلم الحديث.

المصابون بالتوحد ويعانون من أعراض ليست كبيرة، يمكن بمساعدة ذويهم أن يتقدموا خطوات للأمام في التواصل مع الآخرين وفي ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، وهو ما ظهر واضحًا في إطار الكتب المنشورة بالإنجليزية والتي كتبها مصابون بمرض التوحد، سواء كانت الكتب تناقش مواضيع عامة، أو تناقش مرض التوحد وتجربتهم الخاصة.

وعندما نتحدث عن الثقافة الجنسية؛ تذهب بعض الأذهان إلى محور واحد من محاورها، وهي طبيعة العلاقة الجنسية بين الطرفين الذكر والأنثى، ولكن التثقيف الجنسي الذي يجب أن يمر به الطفل يندرج تحت بنده محاور كثيرة أخرى، مثل تعرفه على جسده، وإدراكه للتغييرات التي تطرأ عليه عندما يخطو نحو سن البلوغ، وفهم التغييرات الهرمونية التي سيمر بها، وتأثيرها على مشاعره وتفكيره.

وإذا كان الطفل عمومًا يحتاج إلى هذا التثقيف الجنسي وإلا سيشعر بالتخبط والتشتت الذهني، فإن الطفل المصاب بالتوحد في أمس الحاجة لهذا التثقيف بجميع محاوره، ولكن في البداية – ببساطة- من هو الطفل المصاب بالتوحد بتوضيح أكبر؟

مرض التوحد أو اضطرابات طيف التوحد تعرفه منظمة الصحة العالمية على كونه عبارة عن مجموعة من الاضطرابات المعقدة في الدماغ، وتتميز هذه الاضطرابات بمواجهة الفرد المصاب لصعوبات في التفاعل مع المجتمع والتواصل معه، ويظهر المرض في سن مبكر ويعود سبب الإصابة له إلى عوامل قد تكون وراثية أو بيئية.

يعاني الشخص المصاب بالتوحد من مشاكل واضحة في التواصل مع الآخرين، فهو يجد صعوبة في فهم ما يدور في أذهان الآخرين وقراءة مشاعرهم، وبالتالي يجد صعوبة في التعبير عن نفسه سواء بالحديث أو لغة الجسد، ولذلك قد ترى المصاب بالتوحد مضطرب جسديًا في الموقف الذي لا يستطيع قراءة أبعاده، وهذا قد يجعله يواجه مشاكل في التعلم وتطوير مهاراته بشكل غير متساو مع باقي أقرانه، ولكنه أيضًا على الجانب الآخر قد يكون مميزًا في تعلم الفن أو الموسيقى او يتمتع بذاكرة قوية وقدرة على فهم الرياضيات بشكل أفضل من الآخرين.

كيف تتعامل مع الطفل المتوحد حين يصل إلى سن البلوغ؟

الطفل المصاب بالتوحد؛ مثله مثل أي طفل آخر، يتطور جسده وتجتاحه مشاعر جنسية ورومانسية أثناء سن البلوغ، ولكنه على عكس باقي الأطفال يجد صعوبة في رصد التغيير الذي يراه يحدث في أجساد الآخرين من حوله، وربطه ذهنيًا بالتغييرات التي قد تحدث له مع تقدم العمر، وإذا كان عدم التحدث مع الطفل عن سن البلوغ وتغيراته قد يصيبه بالارتباك، فالأمر يكون أصعب وأقسى على الطفل المتوحد، فيتحول الطفل المتوحد غير المثقف جنسيًا إلى مراهق غاضب وحزين ولا يعرف سبب تلك المشاعر التي تهاجمه.

سن 10 أو 11 سنة هو السن المتوقع لدخول الفتاة في سن البلوغ، بينما سن 11 و13 هو المعدل المتوسط لوصول الفتي لهذا السن، ومن المعلوم أن هناك فروقًا فردية بين الأطفال فيأتي البلوغ لدى بعض الإناث بين سن ثماني سنوات و13 سنة، ولدى بعض الذكور بين تسع و14 سنة، وتلك الفروق تحدث نتيجة للعوامل الوراثية والتغذية وعوامل نفسية واجتماعية أيضًا، ولذلك لا توجد طريقة واضحة ومثبتة علميًا تقدم لك العمر المحدد الذي سيصل فيه طفلك إلى سن البلوغ.

ولذلك عادة ما ينصح الأطباء أنه قبل الوصول للسن المعتاد للبلوغ، على أولياء الأمور –وهم الأدرى بأبنائهم- اختيار الوقت المناسب قبل الوصول هذا السن للحديث مع الطفل، وبالنسبة للطفل المتوحد يجب أن يكون الوقت في إجراء هذا الحديث أبكر من أي طفل آخر.

ربما لاحظ طفلك كيف يختلف كبار السن جسديًا عنه؛ وتلك قد تكون نقطة انطلاق رائعة للمناقشة حول الأمر، من خلال توضيح أسماء الأشياء المختلفة لدى البالغين والظاهرة للعيان، مثل شعر الذقن، أو الثدي البالغ، أو شعر الإبط، وفي المرحلة الابتدائية يمكن للآباء استخدم مصطلح «بلوغ»، ثم ربط التغيرات الجسدية في البالغين بمصطلح البلوغ في ذهن الطفل حتى يدرك الفرق بين كلمة طفل وكلمة بالغ بما تحمله الكلمة من معنى جسدي.

اختر لغتك بعناية

قد يفهم الأطفال المصابون بالتوحد ما يحدث للآخرين، ولكن يجدون صعوبة في تطبيق هذا على أنفسهم، ولذلك يجب أن تكون الجمل واضحة وتتحدث عنه هو وليس عن الآخرين فقط، بمعنى أن تقول له: «عندما تتحول من طفل إلى شخص بالغ، سينمو لك شعر تحت إبطك»، أو «عندما تتحولين من طفلة إلى بالغة؛ سيكبر صدرك عن حجمه الحالي وستحتاجين لارتداء صدرية»، وهذا لأن التحدث للطفل بالضمائر المجهولة، قد يجعله يظن أن ما تتحدث عنه يحدث للآخرين فقط، لأن عادة ما يفسر الطفل المتوحد الكلام الذي يقال له حرفيًا وهذا يأخذنا إلى نقطة مهمة وهي اللغة المستخدمة في الحديث مع الطفل المتوحد عن الثقافة الجنسية.

صحة

منذ سنة واحدة
«المتوحد عنيف ولا يمكنه التعلم».. 5 من أشهر الأساطير الشائعة عن التوحد

عندما تتحدث مع طفلك المتوحد عن أجزاء الجسم، خاصة الجنسية منها، عليك أن تذكر له الاسم العلمي، ومن ثم الاسم الشعبي لها موضحًا أن تلك الجملة تعبر عن نفس العضو ولكن لا يجب استخدامها، وأنها تعتبر عبارات بذيئة، لأنه شأت أم أبيت فتلك المصلحات قد تصل إلى أذن طفلك ووقتها لن يجد القدرة على تفسيرها، أو ربما سيرددها دون فهم أمام الآخرين أو في مدرسته.

التوحد والدورة الشهرية

تمر الفتاة المصابة بالتوحد، بنفس التغييرات التي تمر بها أي فتاة أخرى، فهذا المرض لا يؤثر في نمو الجسد ونضوجه، وواحدة من أهم التغييرات التي تحدث للفتاة بعد سن البلوغ هي الدورة الشهرية، والتي في بعض الأحيان تكون مخيفة ومفزعة لفتاة عادية لديها القدرة على فهم الأمور فهمًا سليمًا وسريعًا، أما الفتاة المصابة بالتوحد تحتاج مجهودًا أكبر في استيعاب ما يحدث من تغيرات في جسدها، والتعود على رؤية الدماء، والاهتمام بنظافتها الشخصية أثناء الدورة الشهرية؛ ولذلك آباء الطفلة المصابة بالتوحد يحتاجون مجهودًا أكبر في تجهيز طفلتهم لهذه المرحلة؛ لهذا من الأفضل أن تبدأ الأم حديث عن الدورة الشهرية مع طفلتها المصابة بالتوحد قبل البلوغ بفترة. شاهد بعض النصائح التي تفيد في التثقيف الجنسي لطفلك

في هذا الحديث يجب التركيز على العوامل النفسية بقدر التركيز على العوامل الجسدية، في البداية على الأم أن تخبرها السبب التشريحي الواضح لحدوث الدورة الشهرية، وتؤكد لها أن نزول تلك الدماء أمر صحي وليس معناه أنها مريضة، وتشرح لها بدقة وأكثر من مرة كيفية العناية بنظافتها خاصة في المدرسة، وطرق التخلص السليمة من الفوط الصحية، فمع أطفال التوحد ليس هناك شيء بديهي، ما تخبري به ابنتك تفعله بالحرف ولن ترتجل تصرفات اجتماعية بديهية بالنسبة للأطفال الآخرين، كما يجب أن تفهم -طفلة التوحد- أن الحديث عن الدورة الشهرية ليس أمرًا لائقًا أمام الجميع، وأنه أمر خاص بالنساء فقط ولا يجب مناقشته في كل وقت أو أي مكان.

متلازمة ما قبل الطمث تصيب طفلة التوحد أيضًا، فيجب تجهيزها نفسيًا لما ستعانيه من ضيق وشعور بالكآبة والحزن قبل الدورة الشهرية، فإذا كان هذا الأمر مربكًا لأي طفلة، فسيكون مخيفًا ومفزعًا للطفلة المصابة بالتوحد.

كيف تتعامل مع الأسئلة المحرجة؟

قد يظن البعض أن الطفل المتوحد لن يسأل الأسئلة المعتادة عن البلوغ والجنس مثله مثل الأطفال الآخرين، ولكن هذا ليس حقيقيًا، وقد تكون أسئلة الطفل المتوحد أكثر تعقيدًا من أي طفل، لأن عقله لن يكون قادرًا على التخمين وربط المعلومات، ولذلك توقع الأسئلة المحرجة.

إذا سألك طفلك المتوحد سؤالًا لا تعرف إجابته، كن صريحًا معه، أخبره أنك لا تعلم، وأنكما يمكنكما أن تبحثا في الأمر سويًا وتتوصلا إلى المعلومات المتاحة عنه سواء مع خبير أو مصادر موثوقة، وإذا سأل السؤال في وقت غير مناسب أو أمام الآخرين، لا تظهر رد فعل غاضب فقد يجعله هذا ينغلق على نفسه ولا يسألك مرة أخرى، قل له إن هذا سؤال مهم وإجابته مهمة، ولكن يجب أن تتحدثا فيه عندما تكونا بمفردكما.

على جانب آخر فإن الاستعانة بالصور والقصص والرسوم المتحركة المتاحة باللغة العربية؛ يعد عاملًا مساعدًا وفعالًا، وإذا لم تتوفر تلك التقنيات لك، يمكن أن تستخدم الرسم بنفسك له مع التوضيح الكامل.

طفلك المتوحد والاستمناء

الاستمناء هي مرحلة يمر بها كل مراهق تقريبًا، فمنذ الطفولة يبدأ الطفل في استكشاف جسمه مثل أصابع القدم والأيدي والقضيب والمهبل ولكن بدافع الفضول فقط، ولكن عند مرحلة البلوغ والتغييرات الهرمونية التي تحدث لجسم البالغ، يبدأ هذا الاستكشاف يصاحبه بعض مشاعر اللذة، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى ممارسة الاستمناء قبل المراهقة أحيانًا، فبعض الأطفال البالغين يمارسون العادة السرية بين سن 13 و15 عامًا.

في ذلك الوقت يبدأ فضول المراهقين تجاه أجساد الآخرين، ويبدأ كل منهم بالانجذاب الجسدي للجنس الآخر، وفيما يخص تلك التغييرات الجسدية والنفسية أثناء البلوغ لا يختلف الأمر بين الطفل المتوحد وأي طفل آخر، ولذلك لا تفترض أن الطفل المتوحد لن تزوره نفس المشاعر الجنسية ونفس الفضول.

ولكن ما يختلف فيه الطفل المتوحد، هو إمكانية عدم إدراكه الحدود الاجتماعية في الحديث عن الاستمناء أمام الآخرين وفي الأماكن العامة، أو حتى ممارسة الأمر أمام الآخرين، لأنه قد لا يدرك طبيعة هذا الفعل على أنه فعل جنسي يحتاج لخصوصية، ولذلك إذا كان بعض الآباء يتجاهلون الحديث مع أبنائهم المراهقين عن الاستمناء بذريعة أنها مرحلة طبيعية يمر بها كل مراهق، فالأمر يجب أن يكون مختلفًا مع الطفل المتوحد، ويجب أن يفسر له الآباء طبيعة الأمر، والتوعية عن عدم الافراط في تلك الممارسة مع شرح الأسباب، ويمكن أن تربط له مثال توضيحي بأن الاستمناء إن حدث فهو مثل الاستحمام ومثل التبرز إذ ليس من أنه من غير المقبول أن يمارس أمام الآخرين، والأهم من ذلك إذا رأيته يمارس الاستمناء قبل أن تجري معه الحديث لا يجب أن تكون ردة فعلك غاضبة، فقد يؤثر هذا سلبيًا على نضجه العاطفي وحياته الجنسية.

سيكون لطفلك المتوحد حياة جنسية، على عكس ما يتخيل البعض، فالمصاب بالتوحد تراوده الأفكار والرغبات الجنسية مثل الآخرين حتى وإن لم يظهر هذا على تصرفاتهم، فما أشارت له الدراسات التي أجريت حول الحياة الجنسية لمرضى التوحد أن النسبة الأكبر منهم يسعون إلى إقامة علاقة جنسية ورومانسية، ووجد الأطباء المشرفون على الأبحاث أن معظم المشاركين في الدراسات من مرضى التوحد لهم تجارب وسلوكيات جنسية سابقة.

ولذلك، مثل أي مراهق قد ينجذب طفلك إلى الجنس الآخر، ويختبر مشاعر رومانسية، ولكن عكس الأطفال الآخرين ربما لا يستطيع فهم تلك المشاعر أو التعبير عنها، وسيكون بداخله مشاعر متناقضة تجاه الشخص الذي انجذب إليه، لأنه يحرك فيه الرغبة ويشعره بالتوتر، لذلك يجب على الآباء توضيح معنى الحب والانجذاب للآخر منذ سن المراهقة للمصاب بالتوحد، فباقي الأطفال سيجدون طريقهم حول فهم هذه الأمور، أما هم سيكونون ضائعين في هذا الدرب، وكن مستعدًا أيضًا للصدمة العاطفية الأولى والتي ستكون أصعب من الصدمة التي يمر بها أي طفل آخر، فعادة ما يواجه طفل التوحد صعوبة في التعامل مع المشاعر القوية سواء كانت سلبية أو إيجابية.

وفي كتابها «The 52 Seductions» أو «52 وسيلة للإغواء»، حاولت الكاتبة الأمريكية المصابة بالتوحد بيتي هيربرت؛ توضيح أن الشخص المتوحد يمكن أن يكون له حياة جنسية صحية بل إنه من الممكن أن يتمرس عليها ويستكشف فيها الكثير من المتع، وهذا من وجهة نظرها، يكون عاملًا إيجابيًا في تقليل الأعراض الأخرى التي تخص صعوبة تواصله اجتماعيًا مع الآخرين، لأن هذا التواصل الجنسي مع شريكه يمده بالثقة والقدرة على التعبير عن النفس.

المصادر

تحميل المزيد