شكَّلت الساحات العمومية في وسط المدن على مرِّ التاريخ، مكانًا لمناقشة الشأن العام وسياسة البلاد وما يهم سكَّان المدينة، خصوصًا في العهد الإغريقي وزمن الديمقراطية المباشرة، حيث كان المواطنون يصوتون على القرارات والقوانين مباشرة في مركز المدينة.

وغالبًا ما يعكس تصميم المدن وهندستها المعماريَّة وتوزيع الساحات فيها، خلفيات سياسيَّة مبطَّنة لا ترتكز فقط إلى الضروريات الهندسية البحتة، بالخصوص في الدول السلطوية التي تتحوَّل فيها هندسة الشوارع والساحات إلى وسيلة للتحكم في المجتمع.

يشير الكاتب مايكل كيملمان في كتاب «ميادين المدن» إلى أن إحدى خصائص الساحات العامة الهندسية أنَّها تملك خاصيَّة «مغناطيسية» تجلب إليها الناس للتجمُّع والتظاهر والاحتجاج، أو للتعبير عن الفرح والاحتفال «وكأنها كائن حيٌّ في قلب المدينة».

الرمزية التي تكتسبها الساحات الثورية وما تمثِّله من أيقونات في المخيال الجماعي تدفع الحكومات السلطوية إلى محوها، سواءً فيزيائيًّا بإغلاقها نهائيًّا أو تدميرها، مثلما حدث لدوَّار اللؤلؤة الذي شهد الاحتجاجات الشعبية في البحرين في سنة 2011 مما دفع بالسلطات إلى هدم الساحة، أو أدراج البريد المركزي في العاصمة الجزائر، حيث كان يشهد احتجاجات الحراك الشعبي منذ فبراير (شباط) 2019؛ أو معنويًّا من خلال حذف تاريخ هذه الميادين والتعتيم عليها إعلاميًّا، مثلما حدث في ميدان التحرير المصري، أو ميدان تيانانمين الصيني!

البريد المركزي.. قِبلة الحراكيين يزعج السلطة في الجزائر

يقع مبنى البريد المركزي في قلب العاصمة الجزائرية على مرمى حجر من البحر، ومنه تتفرَّع شوارعها الرئيسية مثل شارع ديدوش مراد، وشارع العربي بن مهيدي، وشارع أودان؛ وعندما تمشي في تلك الشوارع تقودك هندسة المكان تلقائيًّا إلى هذا المبنى العتيق الذي بُني في عهد الاستعمار، وما يزال محافظًا على طابعه الأندلسي.

في أثناء احتجاجات الحراك الشعبي المطالبة بإيقاف العهدة الخامسة ورحيل الرئيس بوتفليقة سنة 2019، تحوَّلت أدراج البريد المركزي إلى مركز للتجمُّعات والاحتجاجات، بصفتها النقطة المركزية التي تسير إليها المسيرات الشعبية المنطلقة بعد الجمعة من المساجد المجاورة، وأصبحت هذه الأدراج في الأسابيع الأولى مسرحًا مفتوحًا لعرض مختلف القضايا السياسية والاحتجاجيَّة وحتى التجاذبات بين التيارات الأيديولوجية؛ إذ حاول كلُّ تيَّار احتلال أدراج المبنى ورفع شعاراته ولافتاته. 

وقد حاولت قوَّات الشرطة في الأسابيع الأولى منع المتظاهرين من احتلال هذه المدرَّجات من خلال إنزال كبير من رجال الشرطة ومركباتها، لكن المتظاهرين نجحوا في «فك الحصار» عدَّة مرَّات.

وأمام هذا الإصرار من طرف المحتجِّين على الوصول إلى نقطة وتحوُّلها في زمن قياسي إلى أيقونة للتظاهر وقبلة وطنية «يحجُّ» إليها الجزائريون من كل الولايات ليشهدوا مجريات الحراك؛ اتَّجهت السلطة إلى حجب أدراج مبنى البريد المركزي تمامًا من خلال حواجز عالية، برَّرتها حينها بأنَّ المبنى «يخضع لأعمال ترميم» وأن أدراجه لا تحتمل ثقل المتظاهرين!

لكن طول مدَّة الغلق أثبتت أنها كانت مجرَّد حجَّة واهية من أجل إزالة هذا المعلم الأيقوني من الواجهة، وأن الثقل الحقيقي الذي لم يُتحمَّل هو ثقل مطالب المحتجِّين، وإصرارهم على التجمُّع أمام أدراج المبنى. 

دوار اللؤلؤة.. إزالة لذاكرة مهمة من تاريخ البحرين

لا يمكن التفكير في احتجاجات البحرين الشعبية سنة 2011 دون استحضار دوَّار اللؤلؤة، الموجود في العاصمة البحرينية المنامة، والذي يربط من خلال مداخله الخمسة مختلف محافظات البلاد؛ إذ تحوَّل هذا الموقع إلى أيقونة رمزية لتلك المظاهرات التي شهدتها البلاد، في سياق إقليمي ساخن تمثَّل في الربيع العربي.

فقد تجمَّع الآلاف من المتظاهرين في محيط الدوَّار في فبراير 2011، حيث اعتصموا هناك وأقاموا الخيام، ومن هناك انطلقت الخطابات والمطالبات المُعارِضة، وتحوَّل المكان إلى مقصد للمحتجِّين تنطلق منه مظاهراتهم وتنتهي إليه.

رمزيَّة المكان ترسَّخت أكثر فأكثر بعد سقوط قتلى في تلك الاحتجاجات، فأصبح يُتداول بين أوساط المتظاهرين باسم «ميدان الشهداء» تخليدًا لذكرى من سقطوا تحت رصاص النظام.

الدوَّار الذي حمل في الأصل اسم «دوَّار مجلس التعاون الخليجي» وجاء على شكل ستَّة أضلاع للإشارة إلى الدول الخليجية الستَّة، وتعلوه لؤلؤة تشير إلى مهنة جمع اللآلئ التي كانت منتشرة في منطقة الخليج قبل اكتشاف النفط؛ أصبح مصدر إزعاج كبير لنظام الدولة الخليجية التي حاولت قمع الانتفاضة الشعبية وإسكاتها بعدَّة وسائل، وقد كان هذا الميدان ضحيَّة لهذه المقاربة العنيفة.

فقد قرَّرت السلطات إزالة الدوار في الثامن من مارس (آذار) من السنة ذاتها، وبرَّرت السلطات قرارها هذا بمشروع لإقامة «إشارات مرورية لتخفيف الزحام»، ومعه اختفى جزء من ذاكرة أكبر الاحتجاجات التي شهدتها البلاد منذ استقلالها.

ميدان تيانانمين.. أجيال من الصينيين لم تسمع بالمجزرة

في سنة 1989، تجمَّع آلاف الصينيين في احتجاجات شعبية عارمة قادها طلَّاب الجامعات مطالبين بالانفتاح السياسي. آنذاك شكَّلت احتجاجات «ميدان تيانانمين» سابقة في تاريخ الصين الحديثة، في تحدٍّ استثنائي لسيطرة الحزب الشيوعي الذي يحكم قبضته على السلطة في البلاد.

دولي

منذ سنة واحدة
لي بينغ.. «جزار بكين» الذي قتل آلاف من معارضيه في ليلة واحدة!

الاحتجاجات التي جاءت على أعقاب الانفتاح الاقتصادي الذي باشره الزعيم الصيني جيوابينج، للمطالبة بانفتاح سياسي، متمثِّلًا في حرية الصحافة، وإنهاء الفساد الحكومي، وإجراء إصلاحات ديمقراطية؛ شهد انتشارًا في أنحاء الصين في أكثر من 400 مدينة أخرى. لكن بعد محاولات أوَّلية للتحاور مع قادة المظاهرات من أجل إخلاء الميدان، جاء القرار من السلطات بإعلان حالة الطوارئ، وفضِّ المظاهرات بالقوَّة العسكرية.

في صباح الرابع من يونيو (حزيران) 1989؛ كانت الصين مع أحد أكثر أيَّامها دمويَّة؛ إذ أرسلت الحكومة قوَّات مسلحة إلى الميدان لفض الاعتصام بالقوة، وجرى إطلاق النار على المتظاهرين السلميين. ولا يُعرف الرقم الرسمي لهؤلاء الضحايا؛ إذ ترفض الصين الإفصاح عنهم، ولكن بعض المراقبين يقدِّرون العدد بحوالي 10 آلاف ضحية فأكثر. تتَّسم أحداث الرابع من يونيو وتفاصيل عملية الفضِّ والأخبار عنها بالتعتيم الشديد من طرف الحكومة الصينية.

إلى اليوم، تتحسَّس الحكومة من مجرَّد ذكر الميدان أو تاريخ الرابع من يونيو، ولذلك يرمز النشطاء في هونج كونج لهذا التعتيم الإعلامي من طرف الحكومة، ومحاولة محو تاريخ المجزرة التي وقعت في الرابع من يونيو 1989 برمز «35 مايو»، من أجل التحايل على منع الحكومة لمجرَّد ذكر ذلك التاريخ؛ إذ إن مجرد الحديث عن وقائع ميدان تيانانمين تودي بأصحابها إلى السجن، فيما تمنع السلطات الصينية التي تتحكَّم في الإنترنت داخل الصين، أي تداول لهذه الأحداث على شبكتها العنكبوتية!

العمل الممنهج من أجل محو ذاكرة الميدان كان يحدث بالتوازي أيضًا على مستوى هندسة الميدان نفسه؛ إذ قامت الحكومة بعملية إفراغه من طابعه الجامع الذي كان يعمل على حشد الجماهير فيه، وقطعت كل الأشجار التي كانت توفِّر الظلَّ على أطراف الميدان، ومُلئ محيطه بالمباني الحكوميَّة، من أجل التأكد من عدم استغلاله للتجمع مستقبلًا.

Embed from Getty Images

ميدان تيانانمين سنة 2008

هذه العمليَّة المنتظمة لمحو أحداث «ميدان تيانانمين» من الذاكرة الصينية الجماعية آتت أكلها إلى حدٍّ كبير؛ إذ نشأت أجيال كاملة من الصينيين لم يسمعوا عن ما جرى في الميدان من قبل. ورغم محاولة بعض النشطاء الصينيين التحايل على الرقابة الحكومية من أجل إحياء ذكرى هذه الحادثة الدموية، فإن مجرَّد التلميح إلى التاريخ المذكور يجرُّ أصحابه إلى السجن.

مارك زكربيرج، مؤسس شركة «فيسبوك» – المحجوب في الصين كان قد تعرَّض لانتقادات حادة سنة 2016 حين نشر صورة له وهو يمارس الرياضة في ميدان تيانانمين؛ أثناء زيارة عمل في الصين، واتهمه النشطاء حينها بالمشاركة في محو ذاكرة هذا الميدان الذي شهد مجزرة في حق المدافعين عن الحرية والديمقراطية.

وقد نجحت الصين إلى حدٍّ كبير في حجب هذه الذكرى الدموية من الذاكرة الجماعية للصينيين من خلال تقييد كل الأشكال التقليدية للإعلام، من صحافة وتلفاز وكتب تتحدث عن المجزرة، لكن معركتها الجديدة هي مجال الإنترنت؛ إذ تمنع الصين النشر حول الحادثة في مواقع التواصل، وحتى مجرَّد البحث في بعض محرِّكات البحث عن تاريخ «1989» يأتي بدون نتائج.

حجم التضييق والحجب التي قد تستعمله الأنظمة لمحو الحوادث التاريخية التي تحرجها سياسيًّا، قد يصل أحيانًا إلى درجات من «البارانويا»؛ وهو ما قد يفسِّر منع الصين رمز الشمعة في برامج وتطبيقات المراسلات الذكية، بسبب استعمال النشطاء لرمز الشمعة من أجل إحياء ذكرى مجزرة تيانانمين، كما منع شبكة التواصل الاجتماعي الأشهر في الصين «ويبو» من خاصية التعليقات تحسُّبًا لذكرى المجزرة.

ميدان التحرير.. الهندسة العمرانية سلاح السلطة ضد ذكرى الثورة

كان للميادين الثورية في الربيع العربي حضور رمزيٌّ كبير، من ميدان التحرير في مصر إلى دوار اللؤلؤة في البحرين، إلى شارع الحبيب بورقيبة في تونس، وساحة الحرية في تعز اليمنية؛ ثم إلى دوار الساعة في حمص السورية، والتي دمِّرت بفعل الحرب هناك؛ وقد سعت السلطات إلى إعادة هندستها أو إغلاقها كليًّا، في محاولة لمحو ذاكرتها من الوعي الجماعي.

تحوَّل «ميدان التحرير» في العاصمة المصرية القاهرة، إلى رمز الثورة ضد الاستبداد، حين نجح المتظاهرون المصريون في إسقاط الرئيس حسني مبارك بعد 30 سنة في السلطة؛ خلال 18 يومًا قضوها معتصمين في الميدان.

Embed from Getty Images

صورة لميدان التحرير خلال الثورة المصرية سنة 2011

صحيح أن ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، التي اندلعت سنة 2011، كانت قد انتشرت إلى الكثير من الميادين المصرية، لكن «ميدان التحرير» بحكم رمزيَّته التاريخية وتوسُّطه العاصمة، ومشاركة الملايين في الاعتصام المطالب برحيل الرئيس، جعله أيقونة ثوريَّة تُؤلَّف حوله الأناشيد وتكتب عن أيَّام الاعتصام فيه الكتب والروايات، ليدخل في المخيال المصري والعربي، وحتى العالمي، بوصفه رمزًا للنشاط ضد الاستبداد والديكتاتورية.

ذلك الميدان الذي كان يمتلك في الأصل رصيدًا تاريخيًّا ضخمًا في وجدان المصريين، لحضوره في عدَّة أحداث، مثل أحداث ثورة 1919، ومظاهرات 1935 ضد الاحتلال الإنجليزي، مرورًا بـ«ثورة الخبز» سنة 1977، وانتهاءً بثورة «25 يناير».

لكن هذه الرمزية الثورية للميدان الأشهر في مصر لم تعجب السلطات، التي تمنع أي تجمُّعات أو مظاهرات فيه؛ إذ أقدمت على «خطَّة تطوير» تهدف إلى تزيين الموقع بالأضواء والآثار الفرعونية القديمة، لكن المراقبين يرون أنها تندرج في إطار محو ذاكرة الميدان الثورية، واستبدال تاريخه الذي يرمز لثورة 25 يناير التي تسعى السلطات لإزاحتها عن الأذهان.

موقع ميدان التحرير وهندسته ذات المساحة المفتوحة في قلب القاهرة المكتظة جعلته قبلة طبيعية للمظاهرات والتجمعات الشعبية، لكن هنالك مُدنًا وعواصم مصمَّمة بشكل رئيسي من أجل تفادي هذا «التهديد» الذي قد تسببه هندسة الساحات العمومية في استقطاب التجمُّعات الاحتجاجيَّة.

Embed from Getty Images

ميدان التحرير سنة 2020

عواصم عربية بنكهة فرنسية ضد الثورات الشعبية ولكن!

على سبيل المثال، كان شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة التونسية، الذي شهد مظاهرات شعبية ضخمة أطاحت الرئيس التونسي الأسبق، زين العابدين بن علي؛ أو شارع ديدوش مراد في العاصمة الجزائر، الذي يعدُّ مركز الحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير، وأجبر الرئيس بوتفليقة على الاستقالة؛ والتي بُنيت خلال العهد الاستعماري الفرنسي، وصُمِّمت على الطراز الباريسي، شديدة الشبه بشوارع الإليزيه.

فنمط التصميم العمراني المتشابه ليس له دواعٍ فنيَّة أو معمارية فقط، بل يعكس توجُّهات سياسية أيضًا؛ إذ إن نمط تصميم هذه الشوارع في فرنسا، خلال سنوات القرن التاسع عشر، خلال عهد نابليون الثالث، كان يهدف خصِّيصًا لمنع الاحتجاجات والثورات الشعبية، ولذلك تتسم هذه الشوارع بضيقها، ووجود الأشجار المتقاربة فيها، وأرصفتها المزدحمة غير المترامية، وغياب الميادين والمساحات المفتوحة التي تسمح بتجمُّع عدد كبير من الأفراد، وبالتالي تمنع قيام احتجاجات جماهيرية.

لكن وعلى الرغم من ذلك؛ هزمت روح الثورة حسابات الهندسة المعماريَّة؛ فبالرغم من تصميم الشوارع وضيقها الذي يمنع الاحتجاجات، والذي يناسب بشدَّة خطط قوَّات الأمن لتوزيع رجالها ومركباتها في كل الزوايا والأزقة، وهو ما يسمح لقوات الأمن بإحكام قبضتها على الحركات الاحتجاجيَّة، ويجعل حركة سير الحشود شديدة البطء، بل حتى مستحيلة أحيانًا؛ فإن هذه التكتيكات كانت صالحة فقط بالنسبة للاحتجاجات محدودة الأعداد، لكنها عجزت عن إيقاف السيول البشرية الضخمة التي انفجرت خلال ثورة تونس أواخر سنة 2010، أو في حراك الجزائر سنة 2019.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد