مُمَنِّيَةً نفسها بـ«سبقٍ» لم يحدث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أعلنت روسيا أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط حماس كبير ونشوة وطنية، نشر «أفانجارد»، وهو أول صاروخ أسرع من الصوت، يمكنه حمل «رؤوس نووية». وإذا كانت روسيا بالفعل أول من نشر هذه الأسلحة عالميًا، فإنها ليست أول من طور مثل هذه الصواريخ، ولا يفصلها مسافة كبيرة عن باقي الدول التي تستثمر في المضمار ذاته، مثل ألمانيا والولايات المتحدة والصين وأخيرًا فرنسا. 

وإن كانت الصواريخ «أفانجارد» للـجيش الروسي تستطيع التغلب على كافة أنظمة الدفاع الجوي المتواجدة حاليًا، بما فيها الأنظمة الأمريكية، فإن دولًا أخرى تعمل على تطوير صواريخ مضادة لتحقيق الردع ضد هذا التهديد. وهناك تأثير طويل المدى لهذا الكشف، هو أن: هذه المشاريع المتعارضة دشنت بالفعل «سباق تسلح أسرع من الصوت» في العالم.

ما هي الأهداف التي تحققها روسيا من وراء «أفانجارد»؟

في أواخر ديسمبر الماضي، أعلنت وزارة الدفاع الروسية نشر صواريخ «أفانجارد» الأسرع من الصوت، في بيان رسمي، دون أن تذكر مواقعها، مضيفة أنها «أبلغت الرئيس فلاديمير بوتين بالخطوة». وعلى الفور، وصف بوتين في بيان هذا النوع من الأسلحة بأنه «سابق لعصره»، مضيفًا «الجيل الجديد من الأسلحة النووية الروسية قادر على إصابة أي بقعة في العالم تقريبًا، وبمقدوره أيضًا أن يخترق الدرع الصاروخية الأمريكية».

وقال بوتين: إن نظام «أفانجارد» بوسعه أن يخترق أي أنظمة دفاع صاروخية حالية ومستقبلية، مضيفًا «اليوم لدينا وضع فريد في تاريخنا الحديث والمعاصر. إنها (الدول الأخرى) تحاول اللحاق بنا. لا تملك أي دولة أخرى أسلحة أسرع من الصوت، ناهيك عن أسلحة عابرة للقارات أسرع من الصوت بمراحل».

ورغم أن صحيفة دي فيلت الألمانية، قالت: إن إعلان روسيا دخول هذه الصواريخ الخدمة في هذا التوقيت، إنما هو استعراض للقوة على الصعيد المحلي بالأساس، وترسيخ لأقدام النظام وصورته باعتباره نظامًا قويًّا قادرًا على إعادة البلاد لسابق عهدها وتفوقها، رأى معهد بحوث الدفاع السويدي (FOI) أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي أن روسيا أقوى من أي وقت مضى، بفضل تطوير ترسانتها العسكرية، وهدفها العسكري الرئيسي هو القارة الأوروبية.

فيما قال هاينريش براوس، نائب الأمين العام السابق للتخطيط للقوات المسلحة والدفاع في مقر حلف شمال الأطلسي «الناتو» في بروكسل: «تحت قيادة فلاديمير بوتين، أصبحت روسيا مرة أخرى قوة عدوانية لا يمكن التنبؤ بها وتريد السيطرة عالميًّا، أو على الأقل السيطرة على جيرانها».

ومضى قائلًا: «القيادة الروسية تعمل باستمرار على تطوير القوة العسكرية للبلاد، وتستثمر في مشاريع عدة منها الصواريخ فائقة السرعة»، مضيفًا «روسيا على استعداد لاستخدام القوة العسكرية في أي وقت لتحقيق أهدافها الخارجية مثلما حدث في أوكرانيا وسوريا خلال السنوات الماضية».

ما هي قدرات صواريخ «أفانجارد» الأسرع من الصوت؟

كما هو واضح من الاسم، فإن هذه الأسلحة أسرع من الصوت، وهي بالأساس صواريخ بعيدة المدى، تطير بسرعة فائقة للغاية، وهناك حديث عن أن سرعتها تعادل أربعة أو خمسة أضعاف سرعة الصوت، أي 6000 كيلومتر في الساعة، أو 1.7 كيلومتر في الثانية الواحدة. 

وقال جوتس نيونك، أستاذ الفيزياء في معهد أبحاث السلام في جامعة هامبورج، والمتخصص في أبحاث الأسلحة: «الروس قدموا صواريخ أفانجارد بقدر كبير من الحماسة، ما جذب انتباه كُثُر حول العالم»، مضيفًا «الأسلحة الأسرع من الصوت تعد من الناحية التقنية فئة جديدة نسبيًا، ويمكنها تجاوز أنظمة الدفاع الجوي المحدودة القدرات في الولايات المتحدة». وتابع: «الصاروخ أفانجارد يمكنه حمل رؤوس نووية»، مضيفًا «كما أن الروس يقولون أنه يطير بسرعة تعادل 20 ضعف سرعة الصوت».

لكن من المهم، وفق نيونك، التأكيد على أن جميع الصواريخ البالستية بعيدة المدى تصل لسرعة تفوق سرعة الصوت، لذا فالسرعة وحدها ليست بالأمر الجديد، بل القدرة على المناورة، على حد قوله. الخبير الألماني قال: «يتميز صاروخ أفانجارد بقدرته على تغيير اتجاهه عندما يخترق الغلاف الجوي، ولذلك يمكنه الهروب من أنظمة الدفاع الجوي أكثر من أي صاروخ آخر».

دولي

منذ 11 شهر
من جنود سكارى إلى جيش تهابه أمريكا.. كيف يخطط جيش روسيا للمستقبل؟

وبصفة عامة، يمكن لأنظمة الدفاع الجوي المختلفة رصد أفانجارد وقت إطلاقه، لكن بسبب سرعته الهائلة وجسمه المنزلق، وقدرته على تغيير اتجاهاته بشكل مستمر، فإن تعقب الدفاعات الجوية له وضربه بصاروخ مضاد صعب للغاية، كما أن سرعة الصاروخ الفائقة تمنح أنظمة الدفاع الجوي وقتًا قصيرًا للغاية لاتخاذ القرار والتنفيذ.

وقال الخبير العسكري أليكسي ليونكوف لـ«سبوتنك» إنه لا توجد في العالم ولن توجد شبكة بإمكانها اصطياد صاروخ يطير بسرعة تفوق سرعة الصوت بعشرين ضعف أي ما يعادل ستة كم/ثانية، مشيرًا إلى أن الصواريخ الاعتراضية الأمريكية تطير بسرعة لا تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت. وبعيدًا عن قدرات الصاروخ، يثير إعلان دخول «أفانجارد» للخدمة تساؤلات عدة، لأن روسيا لم تنه الاختبارات على الصاروخ الباليستي العابر للقارات «RS-28 Sarmat»، الذي سيقوم بإطلاق ودفع «أفانجارد».

لكن وكالتي سبوتنك وتاس الروسيتين أفادتا بأن روسيا سوف تستخدم فائضًا من صواريخ طراز «UR-100UTTKh»، والذي يطلق عليه اسم «SS-19 Stiletto»، بشكل مؤقت لحين اعتماد الصاروخ «RS-28 Sarmat» الشهير باسم «شيطان 2»، والذي يعمل بالوقود السائل، رسميًا باعتباره وسيلة إطلاق للمنظومة أفانجارد الصاروخية مفرطة السرعة (هايبرسونيك).

وتقول وسائل الإعلام الروسية إن صاروخ «أفانجارد» سيكون مجهزًا برأس حربي نووي حراري ضخم ذي طاقة تدميرية بمردود يتجاوز 2 ميجا طن. وبذلك، سيكون لدى «أفانجارد» طاقة تدميرية أكبر، كامنة في رأس حربي واحد، أكثر قوة من الصواريخ الباليستية التقليدية الحديثة، والتي لا يزيد مردودها عادة عن 500 كيلو طن.

ما هي تداعيات الإعلان عن «أفانجارد» الروسي على مستوى العالم؟

منذ إعلان روسيا دخول أفانجارد الخدمة، يدور الكثير من الجدل حول طبيعة الخطوة وتداعياتها على المستوى الدولي. الخبير الألماني نيونك قال بدوره إن أفانجارد تملك ميزة رئيسية هي القدرة على اختراق أنظمة الدفاع الجوي بسبب سرعتها الفائقة وقدرتها الكبيرة على المناورة، لذلك يبدو الصاروخ ظاهريًا ابتكارًا جديدًا، لكنه لا يمثل بأي حال ثورة كبيرة كما يوحي بوتين، وجاء الإعلان عنه استعراض قوة داخليًا وخارجيًا.

وأوضح نيونك أن أنظمة الدفاع الجوي الحالية لا تحقق الأمن، والاختبارات التي تجرى عليها ناجحة جزئيًا فقط، وهناك بالفعل العديد من الطرق لخداعها، بما فيها أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية. وتابع «الصواريخ البالستية الحالية تطير بدرجة ميل تبلغ 27 درجة وبعضها قادر على المناورة، وبالتالي تمثل مشكلة للدفاعات الجوية. وبهذا المعنى، فإن أفانجارد يمنح الروس طريقة جديدة قوية لخداع الدفاعات الأمريكية، وليس ثورة كما أسلفت».

ووفق الفيزيائي الألماني، فإن الولايات المتحدة بدأت في تطوير صواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت في أوائل الستينيات، لكنها توقفت مؤقتًا عن بذل جهود في هذا الإطار بسبب صعوبات تقنية.

وتابع «أعادت الولايات المتحدة العمل على تطوير هذه الفئة من الأسلحة في 2006 في إطار مشروع (الضربة العالمية المتزامنة) الذي أطلقه الأمريكيون ليكونوا قادرين على ضرب جميع المواقع في العالم في غضون ساعة».

ومضى قائلًا «لتحقيق هذا الهدف، فإن الأمريكيين بحاجة إلى أسلحة طويلة المدى سريعة للغاية»، مضيفًا «لم تستطيع روسيا التخلف عن الركب، ودخلت بقوة في سباق تطوير الأسلحة الأسرع من الصوت، ولحقت بها الصين».

ولفت إلى أن «نجاح روسيا في تحقيق تقدم في تطوير هذه الفئة من الأسلحة، يمكن أن يدفع الولايات المتحدة والدول الأخرى للاستثمار في تطويرها أيضًا بشكل أكبر بكثير من ذي قبل انطلاقًا من الرغبة في مجاراة التفوق الروسي، وتطوير آلية دفاعية ضد هذه الأسلحة»، مضيفًا: «نحن أمام سباق تسلح تقني متوقع».

ورغم ذلك، لا يرى الخبير الألماني تأثير لتطوير صواريخ أفانجارد على ميزان القوى بين روسيا والولايات المتحدة، لأن اتفاقية ستارت الجديدة الموقعة بين البلدين تضع حدًّا أقصى لعدد الرؤوس النووية، والصواريخ البالستية القادرة على حملها، المملوكة للبلدين، وبالتالي فإن روسيا ستخرج صواريخ من الخدمة، وتحل محلها الصواريخ الجديدة.

6 دول تخوض سباق التسلح «الأسرع من الصوت»

لا يتوقف السعي للأسلحة فائقة السرعة على روسيا؛ إذ تعمل ألمانيا منذ فترة قصيرة على برنامج طموح لتطوير أسلحة تفوق سرعة الصوت، وخاصة الصواريخ والمقاتلات، من أجل «مواجهة تهديدات مماثلة محتملة»، حسب ما ذكره الكاتب جيرارد هيجمان في صحيفة دي فيلت الألمانية في يونيو (حزيران) الماضي.

وهذا الأمر ليس جديدًا في ألمانيا، حيث طورت شركة «بايرن تشيمي» لصناعة الأسلحة محركًا في بداية الألفية الجديدة يمكنه تسريع صاروخ موجه إلى ما يفوق سرعة الصوت، وجرى اختبار المحرك بالفعل في 2003 ووصلت سرعة الصاروخ الذي كان مزودًا به إلى 8644 كيلو متر في الساعة.

ورغم هذا النجاح، أوقفت الحكومة الألمانية البرنامج لعدم وجود تهديدات عالمية من صواريخ مماثلة، وبالتالي عدم جدوى الاستثمار فيه. لكن هذا الوضع تغير، وقررت ألمانيا منذ أشهر ضخ استثمارات في هذا المضمار بعد أن أعلنت روسيا تطوير أسلحة هجومية أسرع من الصوت.

ووفق هيجمان، فإن ألمانيا تعمل بالأساس على تطوير صواريخ دفاعية تضاهي سرعة الصواريخ الهجومية الأسرع من الصوت، حتى تتمكن من اصطيادها في الهواء، ومن المقرر أن يقود هذا المشروع، لتطوير أنظمة الدفاع الجوي الألمانية ضد صواريخ أفانجارد بالأساس.

وبالإضافة إلى ذلك، تعمل الولايات المتحدة والصين بجد على تطوير الأسلحة الأسرع من الصوت، وخلال الاحتفال بمرور سبعين عامًا على تأسيس الجمهورية الصينية، في سبتمبر (أيلول) الماضي، عرضت الصين، مقاتلتها النفاثة الجديدة التي تفوق سرعتها خمس أضعاف سرعة الصوت «DL-ZF»، ويمكن تسليحها بصاروخ «دي اف 17»، وبذلك دخلت الصين بالفعل، عصر الأسلحة الأسرع من الصوت. 

وبسبب سرعة المقاتلة الكبيرة وقدرتها الكبيرة على المناورة، يمكنها خداع أجهزة الرادار، واختراق أنظمة الدفاع الأمريكية. وتعمل بكين في الوقت الحالي على تطوير المقاتلة الجديدة لتصبح سرعتها تضاهي 10 أضعاف سرعة الصوت، أي 12 ألف كيلو متر في الساعة. 

وخلال العقد الأول من الألفية، أجرت الولايات المتحدة اختبارات على نظائر محتملة لـ«أفانجارد»، مثل «Avant-garde Hyperersonic weapon»، وهو صاروخ أسرع من الصوت، لكن هذه الجهود لم تكلل بالنجاح.

ومنذ 2010، تجري واشنطن اختبارات على صاروخ كروز أسرع من الصوت «X-51A»، لكن هذه الاختبارات لم تنته بعد، وبالإضافة إلى ذلك، يوجد مشروع آخر، قيمته 63.3 مليون دولار وقعته وزارة الدفاع الأمريكية مع شركة رايثيون في أوائل مارس (آذار) 2019، أطلق عليه اسم Tactical Boost Glide، لتطوير صاروخ أسرع من الصوت.

 فيما تريد فرنسا تنفيذ أول مقاتلة فائقة السرعة بحلول عام 2021، ومن المتوقع أيضًا أن تقدم دول مثل بريطانيا واليابان مشروعاتها في هذا المضمار قريبًا، وفيما تبحث إسرائيل دخول سباق تطوير أسلحة، وخاصة الصواريخ الأسرع من الصوت، لا تزال الدول العربية بعيدة عن هذا المضمار، حتى أنها لا تملك مقاتلات جيل خامس، أو أنظمة دفاع جوي متطورة مثل «أس 400» الروسية، أو باتريوت الأمريكية. 

الدول العربية فلا يزال أمامها طريق طويل لامتلاك أسلحة باتت في عرف سباقات التسلح «عادية»، مثل مقاتلات الجيل الخامس «إف 35» الأمريكية التي تمتلكها إسرائيل، قبل أن تفكر في دخول سباق الأسلحة الأسرع من الصوت، وحين تصل إلى هذه العتبة مستقبلًا، ربما يكون العالم قد تقدم خطوات إلى ما هو أبعد من ذلك، ليستمر السباق بلا هوادة، ولا عزاء للمتخلفين عن الركب.

 

المصادر

تحميل المزيد