إن تحرقوا القرطاسَ لا تحرقوا الذي … تضمَّنَه القرطاسُ بل هو في صدري

دعوني من إحراق رقٍّ وكاغدٍ … وقولوا بعلمٍ كي يرى الناس من يدري!

* الإمام ابن حزم مُتحديًا خصومه الذين أحرقوا كتبه

المكان هو إشبيلية حاضرة الأندلس الكبرى آنذاك، وعاصمة دولة الموحدين التي هيمنت في عصر خليفتها، المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، على جُل مساحة المغرب الإسلامي من تونس شرقًا إلى ساحل المحيط الأطلنطي غربًا، ومن وسط الأندلس شمالًا إلى غربي أفريقيا جنوبًا.

كانت إشبيلية على موعدٍ جديد مع واقعة تاريخية مؤلمة في تاريخ العلم والمعرفة، حين احتشد الآلافُ من سكانها في وسط المدينة ليشهدوا إحراق كتب ومخطوطات فيلسوف الأندلس وفقيهها، وقاضي قضاتها السابق، أبي الوليد بن رشد، والذي أمر المنصور الموحدي أيضًا بنفيه إلى جزيرة أليسانة، وجلُّ سكانها من اليهود، في استهداف معنوي ضده.

وقبل أقل من قرنٍ ونصف من واقعة ابن رشد، شهدت إشبيلية نكبة مماثلة لفقيه الأندلس الأبرز في عصر ملوك الطوائف، الإمام ابن حزم الظاهري والذي أحرقت كتبه أيضًا بأمر المعتضد بن عباد، ملك إشبيلية آنذاك.

رغم الاختلاف الكبير في تفاصيل ملابسات الواقعتيْن، وتباعد الزمان والأحداث، فإن هناك جامعًا أساسيًّا بينهما، وهو السياسة، والتي كثيرًا ما وظَّفت الدين للتنكيل بالخصوم.

ابن رشد والبلاط الموحدي.. الصعود إلى القمة

«تفقَّه وبرع، وسمع الحديث وأتقن الطب، وأقبل على الكلام والفلسفة حتَّى صار يضرب به المثل فيها، وصنَّف التصانيف، مع الذكاء المفرط والملازمة للاشتغال ليلًا ونهارًا، وتآليفه كثيرة نافعة، في الفقه، والطب، والمنطق، والرياضي، والإلهي»

* ابن العماد الحنبلي، في كتابه «شذرات الذهب»، متحدثًا عن الفيسلوف ابن رشد

ابن رشد من أشهر الفلاسفة في تاريخ الإسلام والعالم، ومن كبار فقهاء المذهب المالكي، واسمه ولقبه الكامل هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الحفيد، وسمِّي بالحفيد لأن جده كان قاضي قرطبة ومن كبار علمائها، ويُعد ابن رشد الحفيد أهم شارح لفلسفة أرسطو في العصور الوسطى، ووصفه الحافظ الذهبي في «سير أعلام النبلاء» بأنه «فيلسوف الوقت»، أي فيلسوف زمانه.

وُلِد على أشهر الروايات في قرطبة عام 1126م (520هـ)، ومع بلوغه سن الشباب انتهت الحرب الأهلية المدمرة بين الموحدين والمرابطين، والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من أبناء القبائل المغاربية؛ إذ نجح الموحِّدون في سحق المرابطين، خصومِهم سياسيًّا وقبَليًّا ومذهبيًّا، وبدأوا في العقود التالية في أخذ ما بقي من دولتهم في المغرب وما بقي من الأندلس الإسلامية في أواسطها، وجنوبها، وجنوبها الغربي.

Embed from Getty Images

تمثالٌ للفيلسوف ابن رشد في قربطة بإسبانيا

وبعد استقرار دولة الموحدين في المغرب والأندلس، شهدت البلاد، وخاصةً المدن الأندلسية، حركةً علمية كبيرة في كافة المجالات، في الفقه والطب والفلسفة والفلك والهندسة والنبات، تحديدًا في عهد الخليفتيْن عبد المؤمن بن علي، ويوسف بن عبد المؤمن.

وكانت قرطبة في زمن ابن رُشد عاصمة العلم والفِكر في الأندلس، حتى إن ابن رُشد كان يفاخر بها في إحدى مناظراته مع ابن زهر الإشبيلي في بلاط الخليفة الموحدي، فقال له إنه إذا تُوُفِّي عالم في إشبيلية، وأراد ورثته بيعَ كتبه، سيذهبون إلى قرطبة، أما إذا وافت المنية مطربًا في قرطبة، فإن آلاتَه الموسيقية ستُباع في إشبيلية.

كان ابن رشد نموذَجًا للعالم الموسوعي الذي يبحث في كل مجالٍ من مجالات المعرفة، فأتقن موطَّأ الإمام مالك في الفقه، واشتغل بالطب وبرع فيه، وحفظ ديوانيْ المتنبي وأبي تمام في الشعر. وقال عنه ابن الأبار البلنسي في كتابه «التكملة»: «يُفزَع إلى فُتياهُ في الطب، كما يُفزَع إلى فُتياهْ في الفقه»، أي يُؤخذ برأيه في الطب وفي الفقه.

وعُرف عنه اعتداده بنفسه أمامَ أهل العلم والحكم، ولكنه يظهر التواضع مع عامة الناس وطلبة العلم، وكان الوصول إليه في منزله ومجالسه سهلًا، ولم يكن مهتمًّا بأناقة الملبس والمظهر على عادة أعيان الناس في عصره، وقُدر عدد ما خطَّه بيمينه من كتب ومؤلفات بـ10 آلاف ورقة، ومن أشهر مُؤلَّفاته: «الكليات» في الطب، و«نهاية المقتصد وبداية المجتهد»، وكتاب «التحصيل» في الفقه المقارن، و«مُختَصَر المُستَصفى» في أصول الفقه، والعديد من التلخيصات والشروحات لكتب أرسطو، وكتاب «تهافت التهافت» الذي يرد فيه على الإمام أبي حامد الغزالي.

قضى ابن رُشد أعوامًا في إشبيلية، التي كانت عاصمةَ الموحدين في الأندلس، منذ أن كان الخليفة الموحدي يوسف بن عبد المؤمن واليًا عليها في عهد أبيه، وقد اشتُهر يوسف بن عبد المؤمن بالاطلاع المعرفي الواسع، وباحترام العلوم والآداب وأهلها، وتقريبهم من مجلسه، وتُوفي عام 1184م (580هـ). أعجب يوسف بسعة علم ابن رشد واجتهاده، وكان من قدَّمَه إليه في البلاط ودعمه بتوصياته هو الفيلسوف الكبير ابن طُفيْل، والذي كان طبيب الخليفة ومن كبار مُستشاريه، وسفيره إلى العلماء.

تولَّى ابن رشد قضاء إشبيلية ثم قضاء قرطبة بأمر الخليفة يوسف، وفي أواخر عهده جعله طبيبه الخاص، واهتمَّ الخليفة بالفلسفة والمنطق بوجهٍ خاص، حتى إن بعض المصادر التاريخية تذكر أنه هو من أوعز إلى ابن طفيل بضرورة جمع وتلخيص تراث الفيسلوف اليوناني الأشهر أرسطو، فأوكل ابن طفيل هذه المهمة إليه لترتبط باسمه إلى الأبد، ويصبح ابن رشد أهم شُرَّاح أرسطو في العصور الوسطى.

كيف استغلَّ خصوم ابن رشد كتاباته ضده؟

أهلٌ بأن يُسعى إليه ويُرتجى … ويُزار من أقصى البلاد على الرَّجا

عمُرَت مقاماتُ الملوكِ بذكرِه … وتعطَّرت منه الرِّياح تأرُّجا

* شاعر أندلسي يمتدح المنصور الموحدي بعد انتصاره على الصليبيين في موقعة الأرك 1195م (591هـ).

تُوفي الخليفة يوسف، وجاء من بعده المنصور يعقوب بن يوسف الموحدي 1184- 1198م (580هـ- 595هـ)، ولكن لم يكن بمثل اهتمام والده وجده بالفلسفة والفكر، وانشغل بالسياسة والحرب معظم سنواتِ حُكمه، خاصة مع تمرد بني غانية، من أتباع دولة المرابطين في تونس، والحرب ضد القتشاليين بقيادة ألفونسو الثامن دفاعًا عن الأندلس، وكان المنصور متشددًا ومتزمتًا دينيًّا، واتضح ذلك في تضييقه على اليهود في الأندلس والمغرب، على عكس سابقيه.

ورغم ذلك حافظ ابن رشد في البداية على حظوته في بلاط  المنصور، الذي أحسنَ استقبالَه في مجلسٍ شهيرٍ له في قرطبة قبل أن يتوجَّه إلى حرب القشتاليين في موقعة الأرك الشهيرة، وقرَّبه الخليفة في مجلسه حتى تجاوز كبار مُقدَّمي الموحدين، مثل أبي محمد عبد الواحد بن حفص الهنتاني، والذي كان من أصحاب الخليفة عبد المؤمن جد المنصور، فأثار هذا نفوس كبار الموحدين أكثر ضد ابن رشد. وكان بعضهم ينتقد اهتمامه بالفلسفة التي رآها كثير منهم مُخرِّبة للعقيدة، وهكذا توافقت الخصومة السياسية مع الخلاف الفكري لتكون وقودًا للوشايات التي سيوجهها هؤلاء لاحقًا ضد ابن رشد عند الخليفة.

تاريخ

منذ سنة واحدة
«معركة الأرك».. آخر انتصارات المسلمين الكبرى في الأندلس

وكان الكثير من عامة طلاب العلم والفقهاء الموحدين يكرهون الفلسفة وينتقدون ابن رشد لعمله فيها، وبسبب تعظيمه للفلاسفة غير المسلمين مثل أرسطو؛ ولذا لم يتوانوْا عن تحريض الخليفة ضده. كان طلبة العلم والفقهاء هم عصب دولة الموحدين، وإغضابهم يُهدِّد استقرار حكم الخليفة المنصور، وعدا عن هذا البعد السياسي، لنقمة المنصور على ابن رشد جانب خفي آخر، يذكره القاضي ابن مروان، وهو أن ابن رشد كان شديد الاعتزاز بنفسه ومكانته، فكان أحيانًا أثناء النقاشات العلمية في مجلس المنصور يخاطبه قائلًا: «اسمع يا أخي».

ويؤكد المؤرخ المعاصر لتلك الأحداث، عبد الواحد المُرَّاكشي، في كتابه «المُعجِب في تلخيص أخبار المغرب»، على أن المنصور رأى أن ابن رشد لا يحترمه كخليفةٍ بالشكل الكافي، وأنه كان من أبرز الأسباب غير الظاهرة لنكبة ابن رشد بأمرٍ من الخليفة، وهذا ما يفسِّر سرعة تغيُّر موقفه من ابن رشد بعد أن أطلعه بعض خصومه على ما صوَّروه إساءة أدب في خطاب الخليفة، وذلك في ثنايا تلخيص ابن رشد لكتاب الحيوان لأرسطو، حيث كان يتحدث في فصل الزرافة، فذكر أنه قد رآها عند ملك البربر (يقصد الخليفة) دونَ أن يلحقَ بهذا اللفط بعض صفات التكريم والإجلال.

/

من كتب الفيلسوف ابن رشد

ولما أراد المنصور دليلًا على «فساد عقيدة» ابن رشد، كانت الضربة عندما أحضر خصومه مقتطفًا من أحد كتبه، ينقل فيها آراء بعض الفلاسفة القدماء الذين قالوا بأن كوكبَ «الزهرة أحد الآلهة»، ورغم أنه من المعلوم أنَّ «ناقل الكفر ليس بكافر» وأنَّ دور ابن رشد هنا كان نقل رأي فيلسوف قديم، فإن خصومه شككوا في عقيدته مستدلين بهذه الجملة.

وبعد عودة المنصور الموحدي من غزوة الأرك أمرَ مباشرةً بنكب ابن رشد، وعُقِدت للرجل محاكمةً عاجلة عُرض عليه فيها ما خطَّته يداه، فأنكر أن يكون قد كتب مثل هذا من الأساس، ولكن الحُكم المُسبَق كان حاضرًا وبقي التنفيذ.

«وقوي تألبهم، واسترسالهم، فأدلوا بتلك الألقيات، وأوضحوا ما احتجنوه من شنيع الهفوات الماحية لأبي الوليد كثيرًا من الحسنات، فقرئت بالمجالس، وتؤولت أغراضها، ومعانيها وقواعدها ومبانيها، فخرجت بما دلت عليه أسوأ مخرج، وربما ذيلها مكر الطالبين»

* المؤرخ ابن عبد الملك، المعاصر لنكبة ابن رشد، يروي كيف نصب خصوم ابن رشد له الفخ وأوقعوا بينَه وبينَ المنصور، بالتأويل الخاطئ لكلامه وبالكذب عليه أحيانًا أخرى

وأمرَ المنصور بنفي ابن رشد إلى قرية أليسانة قرب غرناطة، وكانت منفىً لليهود المُضطهدين في عهد المنصور، والاغتيال المعنوي لابن رشد واضح في نفيه إلى القرية. ولكن المأساة الحقيقية أن أمرَ الخليفة بإحراق كتب ابن رشد كافة، خاصةً الفلسفية، مع استثناء كتب الطب والحساب، وأجزاء من كتب الفلك التي تفيد في تحديد القبلة والاتجاهات.

وأرسلَ المنصور منشورًا قاسيًّا عن تفاصيل تلك الواقعة وأسباب نكبة ابن رشد والدليل على استحقاقه للعقوبة، وأمر بقراءة المنشور في كافة المدن الكبرى في الأندلس والمغرب. ومما ورَد في هذا المنشور: «وما زلنا وصل الله كرامتكم، نُذَكِّرُهم على مقدار ظننا فيهم، وندعوهم على بصيرةٍ إلى ما يقربهم إلى الله سبحانه ويُدنيهم. فلما أراد الله فضيحة عمايتهم، وكشفَ غوايتهم، وُقف لبعضهم على كتبٍ مسطورة من الضلال، موجبةٍ أخذ كتاب صاحبها بالشمال، ظاهرها مُوَشَّح بكتاب الله، وباطنها مُصَرِّحٌ بالإعراض عن الله، وسمٌّ يدب في باطن الإسلام، فإنهم يوافقون الأمة في ظاهرهم وزيهم ولسانهم، ويخالفونهم بباطنهم وبهتانهم».

مصالحة في الوقت الضائع

امتدَّت المحنة والمنفى بالشيخ السبعيني لثلاثة أعوامٍ كاملة، ولم يقتصر التنكيل عليه، فقد عُوقِب أيضًا بعض المقربين من تلامذته، وحُوكم آخرون بسبب بحثهم في الفلسفة، مثل أبي جعفر الذهبي، والفقيه أبي عبد الله بن إبراهيم المهري الأصولي، وأبي العباس الحافظ الشاعر، وأبي الربيع الكفيف.

ولكن تحرَّك العديد من أعيان وعلماء إشبيلية لالتماس عفو الخليفة المنصور عن ابن رشد، وشهدوا بالأيمان المُغلَّظة بسلامة عقيدة ابن رشد، وحُسن نيته وعلوِّ مكانته العلمية، وبدأ موقف المنصور يتغيَّر؛ إذ كان ابن رشد لعقودٍ من كبار رجال الدولة الموحِّدية ونابغيها. وفي الفترة نفسها، أرسل ابن رشدٍ إلى المنصور مدافعًا عن نفسه، بأنَّ وصفَ «ملك البربر»، ما هو إلا خطأ من الناسخ، وأن الأصل هو «ملك البرَّين»، أي الأندلس والمغرب معًا.

طابت نفسُ المنصور وأمر بالعفو عن ابن رشد عام 1197م (594هـ)، وأدخله ببلاطه في مراكش تعويضًا له عن سنوات النفي، ولكن هذا لم يدُم إلا بضعة أشهر؛ إذ توفي ابن رشد عام 1198م (595هـ)، ولحقَ به المنصور بعد بضعة أسابيع، ويبدو أن المنصور لم يكن مقتنعًا بالاتهامات العقائدية الموجَّهة إلى ابن رشد من البداية، ولذا فاكتفى بنفيِه دون قتله.

وللمفارقة فقد اختُتِم بوفاة الرجليْن المتزامنة عصر النهضة العلمية وعصر القوة السياسية والعسكرية للأندلس، ولولا انتشار الكثير من إنتاجات ابن رشد خارج الأندلس والمغرب، وترجمتها ونسخها قبل نكبته، لخسرت المعرفة البشرية رصيدًا كبيرًا مما أنتجته قريحة هذا العالم الموسوعي الاستثنائي.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
المرابطون في الأندلس.. هكذا بدأت الدعوة الدينية هناك

المصادر

تحميل المزيد