عرضت شبكة نتفلكس مؤخرًا واحدًا من أحدث إنتاجاتها السينمائية بعنوان «Awake»، وتميز الفيلم كان في فكرته التي يطرحها منذ البداية، فالبشر لم يعودوا قادرين على النوم، إذ يصيب العالم نوع من الهستيريا بعد كارثة غامضة عطلت عمل جميع الأجهزة الإلكترونية وسلبت قدرة البشر على النوم، لذلك، بدأ العلماء سباقًا مع الزمن لإيجاد علاج للأرق الذي أصاب البشرية قبل أن تقضي آثاره القاتلة على الجنس البشري كله.

قد تبدو جملة أن الأرق يقضي على كامل الجنس البشري مبالغًا فيها للبعض، فعندما نتحدث عن حاجات الإنسان الأساسية، دائمًا ما نجدهم يقولون إن الإنسان لا يستطيع العيش بدون طعام لبضعة أسابيع، ودون ماء لبضعة أيام، ودون عواء لبضعة دقائق، لكن البعض ينسى حاجة أساسية وهامة، هي النوم، وكما أن الإنسان لا يمكنه العيش طويلًا دون طعام وماء وهواء، فإنه لا يستطيع العيش بلا نوم أيضًا، وهذا ما أظهره الفيلم بكفاءة.

والسؤال: إلى متى يستطيع الإنسان العيش بلا نوم؟ وما أبرز الآثار الجانبية حال البقاء لأيام دون نوم؟ وهل الحرمان من النوم قاتل مثل الحرمان من الماء والهواء؟

البقاء بلا نوم

أطول وقت مسجل بدون نوم هو حوالي 264 ساعة، أو ما يزيد قليلًا عن 11 يومًا متتاليًا، ومن غير الواضح بالضبط كم من الوقت يمكن للبشر أن يستمروا دون نوم، لكن المشكلة هنا لا تكمن في طول المدة الزمنية، بل في ظهور آثار الحرمان من النوم.

فبعد ثلاث أو أربع ليال فقط دون نوم، يمكنك أن تبدأ في الهلوسة، ويمكن أن يؤدي الحرمان من النوم لفترات طويلة إلى التدهور المعرفي والإدراكي، والتهيج، والأوهام، والشعور بجنون العظمة، بل وحتى الهوس والاضطرابات العقلية.

فيلم «Awake» تطرق إلى هذه الجزئية، عندما أظهر أن أعراض الحرمان من النوم ذاتها تمثل خطرًا على البشر فيما بينهم، فقد ظهر هذا في قيام الجنود بإطلاق النار وقتل بعضهم البعض نتيجة حالة التهيج والهلوسات التي بدأوا يتخيلونها، لدرجة أنهم ظنوا أن زملاءهم هم أعداء يجب القضاء عليهم.

مراحل وأعراض قلة النوم

على الرغم من أن الموت من الحرمان من النوم أمر نادر للغاية، إلا أنه يمكن أن يحدث، وبشكل عام، هناك خمس مراحل للحرمان من النوم، وتنقسم هذه المراحل عادةً إلى فترات زمنية كل 12 ساعة أو 24 ساعة. وبالطبع، تزداد الأعراض سوءًا كلما طالت مدة استيقاظك.

بعد 24 ساعة

ربما هذه الفترة الأشهر التي يمكن لبعضنا تفويتها في النوم نتيجة ضغوط الحياة والحالات الطارئة، وهذا الأمر لن يسبب لك مشاكل صحية كبيرة، لكن يمكنك توقع الشعور بالتعب والإحساس بقلة الطاقة والنشاط، ووفقًا لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة «CDC»، فإن الحرمان من النوم لمدة 24 ساعة يعطي تأثيرات تعادل تأثيرات تركيز الكحول في الدم بنسبة 0.10%، وهذا أعلى من الحد المسموح به للقيادة بشكل قانوني في الولايات المتحدة.

البقاء مستيقظًا لمدة 24 ساعة قد يسبب أعراضًا مثل النعاس، والتهيج، والغضب، وزيادة خطر الإجهاد، وانخفاض اليقظة، وضعف التركيز، وضبابية الدماغ، والتعب، والارتعاش، وانخفاض مهارات التنسيق، وزيادة خطر الوقوع في الأخطاء أو الحوادث، والرغبة الشديدة في تناول الطعام، والعيون المنتفخة، وظهور دوائر داكنة تحت العين.

 بعد 36 ساعة

عندما يفوتك 36 ساعة من النوم، تصبح الأعراض السابقة أكثر حدة. وستشعر بأن لديك رغبة غامرة في النوم، لدرجة أنك قد تغفو لأوقات قصيرة دون أن تدرك ذلك.

ستواجه الأجزاء المختلفة من دماغك صعوبة في التواصل مع بعضها البعض، وهذا الأمر يضعف بشدة الأداء المعرفي، ويسبب أعراضًا مثل ضعف الذاكرة، وصعوبة تعلم واستيعاب معلومات جديدة، والتغييرات السلوكية، وضعف اتخاذ القرار، وصعوبة معالجة الإشارات الاجتماعية من حولك، وردود الفعل البطيئة، وزيادة الأخطاء، كما يمكن أن تتعرض لتأثيرات جسدية مثل زيادة الشهية، وزيادة الالتهابات، وضعف وظائف المناعة، والتعب الشديد.

بعد 48 ساعة

يعرف عدم النوم لمدة 48 ساعة بالحرمان الشديد من النوم، وفي هذه المرحلة قد تبدأ هنا في الشعور بالهلوسة، ويحدث هذا عندما ترى أو تسمع أو تشعر بأشياء ليست موجودة بالفعل، وتشمل التأثيرات المحتملة الأخرى تبدد الشخصية (أي أن تشعر بأنك غير متصل بجسمك وأفكارك)، والقلق، وارتفاع مستويات التوتر، وزيادة كبيرة في التهيج، والتعب الشديد.

بعد 72 ساعة

بعد ثلاثة أيام من قلة النوم، ستزداد رغبتك في النوم سوءًا، وقد تواجه نوبات نوم دقيقة أكثر تواترًا وأطول، والحرمان من النوم سيضعف إدراكك بشكل كبير، وقد تصبح الهلوسة لديك أكثر تعقيدًا، والأعراض الأخرى تشمل الأوهام والهلوسات، والتفكير المضطرب، واستمرار تبدد الشخصية.

 96 ساعة أو أكثر

بعد 4 أيام أو أكثر من قلة النوم، سيتشوه إدراكك للواقع بشدة، وستشعر أيضًا أن رغبتك في النوم لا تطاق، ويمكن أن تصاب بما يسمى «ذهان الحرمان من النوم»، وهو عدم قدرتك على تفسير الواقع من حولك بسبب قلة النوم، وعادةً ما يختفي ذهان الحرمان من النوم بمجرد حصولك على قسط كافٍ من النوم.

المشكلة في وصولك لمرحلة متقدمة من ذهان الحرمان من النوم والهلوسات هو أنك لن تكون قادرًا على تمييز الخطأ من الصواب، وستبدأ في ارتكاب كوارث ربما تصل إلى حد ارتكاب جرائم أو أفعال سيئة دون أن تشعر.

وقد حدثت أشهر تجربة للحرمان من النوم في عام 1964، عندما تمكن طالب ثانوية أمريكي بولاية كاليفورنيا يُدعى راندي جاردنر، من البقاء مستيقظًا لمدة 264 ساعة. وقرب نهاية هذه الفترة، أصيب الطالب بجنون العظمة وبدأ في الهلوسة.

الحرمان من النوم قاتل

نعود إلى فيلم «Awake»، فقد أظهر الفيلم ظرفًا استثنائيًا أصبح البشر فيه غير قادرين على النوم رغم رغبتهم في ذلك، ونتيجة لهذا الحرمان الإجباري من النوم بدأ البشر في قتل بعضهم وبدأ الجنس البشري في الفناء، وفي الواقع، سيصعب على أي إنسان البقاء مستيقظًا لفترة طويلة برغبته، لأن الجسم سينهار في لحظة ما طالبًا النوم بشكل إلزامي.

هناك حالة نادرة تسمى «الأرق المميت»، وهو عبارة عن اضطراب وراثي نادر في الدماغ يتسبب في عدم قدرة المريض على النوم، والذي يزداد سوءًا بشكل تدريجي متسببًا في تدهور جسدي وعقلي كبير، ولا يوجد حاليًا علاج للأرق المميت، وعادةً ما تحدث الوفاة في غضون 12-18 شهرًا من ظهور الأعراض لأول مرة.

ساعة واحدة تتطلب 4 أيام! التعافي من الحرمان من النوم

إذا تعرضت لظرف أجبرك على الحرمان من النوم لوقت طويل، فعملية التعافي ستشمل بالطبع النوم لفترات أكثر لتعويض الجسم عما حدث له، يمكنك البدء بالنوم مبكرًا بدلًا من النوم متأخرًا، ومن الجيد أيضًا أن تحصل على ما لا يقل عن سبع إلى ثماني ساعات من الراحة كل ليلة، فسيساعد هذا جسمك على العودة إلى الجدول الزمني المحدد.

قد يستغرق التعافي من نوبة الحرمان من النوم أيامًا أو أسابيع. إذ إن ساعة واحدة فقط من فقدان النوم تتطلب أربعة أيام للتعافي، وبالتالي، كلما طالت مدة استيقاظك، طالت المدة التي ستستغرقها للعودة إلى المسار الصحيح.

علوم

منذ 10 شهور
يغلبك النوم طوال الوقت وفي أي مكان؟ احترس فقد تكون مصابًا بداء «النوم القهري»

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد