ارتبط اسم «كامب ديفيد » في مُخيلة المواطن العربي بكونها اتفاقية «السلام» المنعقدة بين مصر وإسرائيل بوساطة أمريكية تجسدت، آنذاك، في شخص الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، والتي أدت بدورها إلى تغيير كبير في خريطة الشرق الأوسط، وموازين القوى، وصنعت تحالفاتٍ جديدة.

الصورة الأخرى لكامب ديفيد التي تغيب عن المواطن العربي، هي أنها منتجعٌ سياحيّ يقع بمنطقة جبلية، ذات مناظر خلابة، يرتاده رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية لقضاء إجازتهم، فضلًا عن احتضان هذا المنتجع عشرات المؤتمرات الدولية بين كبار الساسة في العالم، والتي يغُلب عليها صفة السرية، ومناسبات اجتماعية للرؤساء والملوك.

منتجع سياحي للرؤساء.. «ترامب» آخر من قضى عطلته فيه

في مقاطعة فريدريك بولاية ميريلاند، بمنطقة جبلية مُحاطة بمناظر طبيعية خلابة، يقع منتجع كامب ديفيد الذي بدأت أعمال بنائه عام 1935 واكتملت في 1938، ليتحول بعد ذلك لواحدٍ من أشهر المنتجعات السياحية لرؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، فضلًا عن احتضانه كُبرى القمم السياسية حول العالم.

ويتضمن المنتجع الرئاسي ملاعب للتنس وحمَّامات سباحة ومناطق اصطياد للسمك وركوب الخيل، وبحيرات كُبرى تفصل بين مناطق المنتجع، فضلًا عن مجموعة من الأبنية التي جرى تصميمها في هيئةٍ تتلاءم مع كون المكان منتجعًا سياحيًا يرتاده الزعماء للترويح عن أنفسهم، ويستخدم رواد المكان سيارة الغولف في التنقل داخل المنتجع.

ويخضع المنتجع، المُحاط بسياج أمني شديد الحراسة، للتأمين والإدارة من جانب سلاح البحرية الأمريكية وقوات المارينز، باعتبارها منشأة عسكرية، مُغلقة أمام الجمهور والزيارات العامة؛ فهو محمي ببيئة جبلية مرتفعة عن سطح البحر 548 مترًا، ويصعب اختراقها برًا للوصول إليه، فضلًا عن كونه مزودًا بكل ما يقيه من غارات الطائرات.

وارتبط المنتجع الرئاسي بعدّة أسماء كاسم «مرحبا – كاتوكتين» كمنزل لعملاء الحكومة الاتحادية وعائلاتهم، قبل أن يتبدل اسمه لـ«شانغريلا» تيمُّنًا بالفردوس التبتي، بواسطة الرئيس فرانكلين روزفلت، وظل المنتجع مستقرًّا على هذا الاسم، قبل أن يأتي الرئيس دوايت أيزنهاور، ويحوِّل اسمه إلى «ديفيد»، تيمنًا باسم حفيده ديفيد.

وأطلق البيت الأبيض سلسلة فيديوهات عن المنتجع السياحي، الذي ارتاده كافة رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية لقضاء عطلاتهم في المكان، وتضمنت الفيديوهات صورًا شخصية لرؤساء أمريكا وهم يُمارسون طقوسهم كاصطياد السمك، ومزاولة لعبة التنس، والتمشية داخل حدائق المكان.

تضمَّنت الفيديوهات كذلك سلسلة مقابلات مع ضباط البحرية الأمريكية الذين يتولون الإشراف على المكان إداريًا، وتحدثوا عبر هذه المقاطع عن امتنانهم الشديد بالخدمة والإشراف على هذا المنتجع شديد الجاذبية، وتمتعه بالأمان الكافي الذي جعله حاضنة لزيارات كبار رؤساء أمريكا، فضلًا عن تخصيصه لانعقاد كبار الاجتماعات بين زعماء الدول حول العالم.

يُذكر أن المنتجع السياحي لا يشار إلى موقعه على خرائط متنزه «جبل كاتوكتين» لدواعٍ أمنية؛ فضلًا عن كونه مكانًا معزولًا عن الأماكن المحيطة به، ويتم تأمينه بريًّا وبحريًّا وجويًا.

وكان الرئيس دونالد ترامب هو آخر رؤساء أمريكا ممن قضى إجازته داخل المنتجع، وذلك في يونيو (حزيران) العام الجاري، برفقة زوجته ميلانيا وابنهما بارون، بعد أن غادرا البيت الأبيض على متن المروحية «مارين وان» متوجهين إلى كامب ديفيد. ويأتي هذا الاختيار بعد شكاوى من جانب سكان ولاية فلوريدا جراء الإجراءات التأمينية التي تصطحب موكب ترامب خلال قضائه عطلة نهاية الأسبوع بالولاية.

ودوَّن ترامب وزوجته مجموعة تغريدات على موقع «تويتر» خلال قضائهما هذه العطلة، أشادا فيها بجاذبية المنتجع السياحي، وما يحمله من عناصر تجعله مكانًا مُفضّلًا لهما، فضلًا عن تمتُّعه بالتأمين الكافي من جانب القوات الأمريكية.

ويعدًّ الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان، هو أكثر رؤساء الولايات المتحدة قضاءً للوقت داخل المنتجع أكثر ممن سبقه، إذ تحوَّل المنتجع خلال فترة ولايته لمكانه المُفضل للاجتماع مع كبار مسؤوليه، ورؤساء الدول الضيوف في قممٍ ثنائية، بينما كان أول حفل زفاف ينعقد هناك زفاف ابنة الأمير تشارلز عام 1992، بدعوى من الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب.

واعتاد الرئيس الأمريكي باراك أوباما على قضاء بعض عطلاته في لعب كرة السلة والرماية في منتجع كامب ديفيد، ومزاولة هواية أخرى مفضلة داخل المنتجع، وهي لعبة الجولف، بينما كان الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش، يقضي إجازاته في صيد الأسماك والجري في منتجع كامب ديفيد فضلًا عن اهتمامه برياضة الدراجات الجبلية.

كيف تحولت «كامب ديفيد» لحاضنة لمؤتمرات كبار الساسة في العالم؟

تحوَّل المنتجع السياحي لحاضنة لكُبرى القمم السياسية، واللقاءات الثنائية بين رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية ونظرائهم من رؤساء الدول الأخرى، الذين وجدوا في المنتجع عوامل جاذبية جعلته مكانًا مفضلًا لإجراء مباحثاتهم الثنائية مع نظرائهم الأمريكيين.

الصورة من الموقع الرسمي للبيت الأبيض.

وبدأت أولى القمم السياسية بالمنتجع عام 1973، بلقاء قمة جمع الرئيس الأمريكي الراحل ريتشارد نيكسون والأمين العام للحزب الشيوعي السوفيتي حينها ليونيد بريجنيف، في سياق مساعي الولايات المتحدة لتغيير موازين القوى العالمية، وتدشين عهد جديد في تحالفاتها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وتوالت بعد ذلك القمم الكبرى، والتي كانت أبرزها في 1978، إذ شهد المنتجع توقيع أول معاهدة سلام عربية إسرائيلية بين مصر وإسرائيل، عرفت بمعاهدة كامب ديفيد، بحضور الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل مناحيم بيغين بعد 12 يومًا من المفاوضات في كامب ديفيد، برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.

واستكملت الاتفاقية بأخرى، جرى تسميتها بمعاهدة كامب ديفيد 2 عام 2000، بين رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، في سبيل تسوية القضية الفلسطينية.

واستمر المنتجع في استضافة كبرى القمم السياسية برعاية أمريكية كالقمة الثنائية الشهيرة بين فاروق الشرع، نائب الرئيس السوري حافظ الأسد، وبين رئيس وزراء إسرئيل آنذاك، إيهود باراك، وتناولا العشاء معًا برفقة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون.

أحد العوامل التي حولت كامب ديفيد لمقرّ لاستضافة القمم السياسية، هو سهولة تأمين هذا المنتجع من جانب قوات المارينز الأمريكية، فضلًا عن تمتُّع موقعه الجغرافي بعوامل تساعد في هذا الأمر، كعدم إحاطته بكثافة سكانية.

وكانت القمة الأبرز التي انعقدت خلال ولاية الرئيس الأمريكي باراك أوباما في المنتجع السياحي، هي القمة الخليجية الأمريكية، التي انعقدت في مايو (أيار) 2015، حيث سعت الإدارة الأمريكية عبر هذه القمة إلى تطمين الزعماء الخليجيين بشأن مواصلة دعمها لهم، على الرغم من بواعث القلق لديهم بشأن الجهود الأمريكية للتوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي.

المصادر

تحميل المزيد