أقدَم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على «مغامرةٍ»، أحجم عنها جورج دبليو بوش وباراك أوباما من قبل، باغتيال أحد أبرز القيادات العسكرية الإيرانية، الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس.  بيدَ أن سيف الانتقام الذي أصبح في يد الجمهورية الإسلامية مُسلطٌ الآن ليس فقط على رقاب القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة – حيث تتداخل مجالات النفوذ الأمريكية والإيرانية تداخلًا يُنذِر بالخطر- ولكن بات أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة، أو من يُطلَق عليهم دول «محور الاعتدال»، في عين العاصفة. 

وأكثر حلفاء أمريكا هؤلاء الذين أصبحوا عُرْضَةً لتفريغ الغضب الإيراني، بعد إسرائيل، دولتان رئيسيتان هما؛ السعودية والإمارات. وتحت عباءتهما البحرين، كما يؤكد ويليام تشسلر، مدير «مركز رفيق الحريري» وبرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي.

خريطة توضح تداخل مجالات النفوذ الأمريكية والإيرانية في منطقة الشرق الأوسط. – المصدر: صحيفة الجارديان البريطانية.

قد تجلب عواقب وخيمة.. مغامرة أمريكية بلا استراتيجية متماسكة

إذا كانت أمريكا تُعَوِّل على أن اغتيال قائدٍ عسكريٍّ كبيرٍ بحجم قاسم سليماني سيكبح جماح المغامرات العسكرية الإيرانية في ربوع المنطقة؛ فقد أخطأت التقدير بحسب كبار المحللين الأمريكيين. وإلا كان كلٌّ من «حزب الله» وحركة «حماس» غَيَّرا من استراتيجيتهما ضد إسرائيل عقب نجاحها في قتل قادتهم الواحد تلو الآخر. 

صحيحٌ أن الولايات المتحدة شنَّت عملية نوعية ناجحة، وأزاحت رقمًا محوريًّا في المعادلة، لكن حتى لو انتصرت واشنطن في هذه الجولة، فإن الحرب أمدها أطول من المسافة بين سفارتها في بغداد والبيت الأبيض، ويخبرنا التاريخ بأن أمريكا ربما تكسب الحرب، ولكنها تفشل عادة في إحلال الأمن، بشهادة توماس س. واريك، زميل أول غير مقيم في مركز رفيق الحريري، وبرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، الذي يرى أن الولايات المتحدة لا تمتلك استراتيجية سياسية، وهذا تحديدًا ما تُعَوِّل عليه إيران الآن.

وفي ظل غياب استراتيجية أمريكية متماسكة (سياسة «الضغط الأقصى» لا ترقى إلى مستوى أن تكون استراتيجية) فهذا يضعها في موقفِ ضعفٍ، ويتركها تائهة بين هدفين لا تستطيع تحقيق أحدهما دون التخلي عن الآخر، هل تعيد قواتها إلى الوطن؟ أم تكبح التهديد الإيراني في المنطقة؟ و«صاحب بالين» أعجز الناس عن تحقيق أهدافه. 

فمِنَ الآن يبحث البنتاجون عن تأمين جنوده، وتسعى الشركات الأمريكية لتأمين مصالحها، ويطمح ساكن البيت الأبيض إلى تأمين فوزه بولاية رئاسية ثانية، أما حلفاء أمريكا في المنطقة فيجدون أنفسهم في أتون المواجهة، في اللحطة ذاتها التي كانوا يسعون فيها إلى تهدئة التوترات مع إيران، لمَّا أيقنوا بالطريقة الصعبة أن هذا هو الطريق الوحيد للحفاظ على عروشهم، في مواجهة المعضلات التي تكالبت عليهم من كل حدب وصوب.

ربما يكون أصدقاء الولايات المتحدة في الخليج يكرهون قاسم سليماني، لكن هذا لا يعني أنهم ينظرون إلى التداعيات المحتملة برباطة جأش، ناهيك عن أن يسهموا بدورٍ في زيادة الأمور اشتعالًا، بل يرجح ريتشارد لوبارون، زميل أول غير مقيم في «برامج المجلس الأطلسي» لشؤون الشرق الأوسط، أن يحاولوا تجنُّب تفاقم التوترات أكثر، لأنهم أكثر من يدرك أنهم أكثر الأهداف ملاءمة للانتقام، بل ربما يضطرون إلى النأي بأنفسهم قليلًا عن الولايات المتحدة، وليس تشجيعها على سكب مزيد من البنزين على النار.

دولي

منذ 6 شهور
«نيويورك تايمز»: هذه هي الأحداث التي أدت لاغتيال سليماني

هل تسعى الإمارات إلى تهدئة التوترات أم تستفيد من اشتعال المنطقة؟

هذا النهج هو بالضبط ما اتبعته الإمارات، التي لطالما كانت قوة دافعة وراء النهج المتشدد الذي اتبعه الرئيس ترامب في التعامل مع إيران، ودعمت بقوة سياسة «الضغط الأقصى» التي طبقها البيت الأبيض ضد الجمهورية الإسلامية. فقبل أقل من شهرين، وجه وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، أنور قرقاش، دعوةً علنية لإيران كي تنخرط مع القوى العالمية ودول الخليج في حوارٍ على طاولة المفاوضات، وقال: إن «المزيد من التصعيد في هذه المرحلة لا يخدم أحدًا، ونحن نعتقد بقوة أن هناك مجالًا لنجاح الدبلوماسية الجماعية». 

هؤلاء ورطهم ترامب في مغامرته باغتيال سليماني.. من سيدفع الثمن؟

وفي الأسابيع التي تلت إرسال الولايات المتحدة تعزيزات بحرية إلى الخليج لردع التهديدات الإيرانية للنقل البحري؛ أرسلت حكومة الإمارات وفدًا من حرس السواحل إلى طهران لمناقشة قضايا الأمن البحري، مما جعل صحيفة «واشنطن بوست» تقول إن الإمارات على خلافٍ مع هدف واشنطن المتمثل في عزل إيران، مستشهدة بتصريح نقلته عن أحد المسؤولين الإماراتيين، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، لأنه غير مخول له مناقشة قضايا السياسة الخارجية الحساسة، قال فيه: «الإمارات لا تريد الحرب. وأهم شيء بالنسبة لها هو الأمن، والاستقرار، وتحقيق السلام في هذا الجزء من العالم».

لذلك ذهب دبلوماسيون ومحللون إلى التشكيك في إمكانية أن تعتمد الولايات المتحدة على الدعم الإماراتي إذا تفاقمت التوترات الحالية، وانزلقت الأمور إلى مستنقع الحرب مع إيران. يؤيد هذا الرأي ثيودور كاراسيك، وهو مستشار بارز في معهد «تحليلات دول الخليج» ومقره واشنطن، قائلًا إن: «الإمارات العربية المتحدة تنأى بنفسها على نحو متزايد بعيدًا عن أهداف الولايات المتحدة. هل هذه هي الحلقة الضعيفة في سياسة ترامب الخاصة بالضغط الأقصى؟ من الممكن أن تكون كذلك».

وما يبدو في ظاهره تناقضًا إنما ينطوي على سياسة متماسكة تتبعها الإمارات، أو على الأقل هكذا يؤكد مسؤولون إماراتيون لصحيفة «واشنطن بوست»، قائلين إن بلادهم «لم تقصد أبدًا أن يقود انسحاب الولايات المتحدة من الصفقة النووية إلى مواجهات مثل تلك التي حدثت في الخليج»، ناهيك عن تصعيد الأمور إلى حد قتل الأمريكيين في عقر سفارتهم، واغتيال قاسم سليماني في قلب العراق، بل كان جُلّ أملهم في أن يقود الضغط الأمريكي إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات. 

أما وقد انفلتت شياطين الانتقام من عقالها، فلا بد وأن صدى التهديد الإيراني المُبَطَّن، باستهداف منشآت النفط الإماراتية على غرار مهاجمة منشآت «أرامكو» السعودية، يتردد في عقول المسؤولين الإماراتيين، وأعينهم على الاقتصاد الذي يدركون أنه لا يتحمَّل توترًا إقليميًّا، فكيف بضربةٍ تستهدف عقر دارهم. وكل ما يتطلبه الأمر صاروخان إيرانيان يضربان دبي، والنتيجة التي توقعها رئيس تحرير صحيفة «يني شفق»، إبراهيم كاراجول، ألا يبقى حجر فوق حجر، وأن يدفع الاقتصاد الإماراتي الثمن الأكبر. 

صحيحٌ أن دولة الإمارات العربية من الناحية النظرية على الأقل تعد «دولة عميلة» للولايات المتحدة؛ وفق تعريف نظرية العلاقات الدولية الكلاسيكية، الدولة العميلة (Client state) بأنها: «دولة تابعة اقتصاديًّا أو سياسيًّا أو عسكريًّا لدولة أخرى أكثر قوة». لكن بينما توفر الولايات المتحدة الأسواق والأسلحة والحماية العسكرية للإمارات، فإن مصالح هذه الدولة الخليجية وأهدافها ظلت لفترة تبدو وكأنها تقود سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، كما يقول تايلر بيلستروم في تحليله المنشور على صفحات مجلة «نيو ريبابلك».

وفي حين يرى بيلستروم أن «الحرب مع إيران ستفيد الإمارات، وليس الولايات المتحدة»، إلا أن تصاعد الأمور بهذه الوتيرة المحمومة منذ فترةٍ يدفع الإمارات إلى إعادة النظر في التشابكات الإقليمية، ويكشف النقاب عن القيود المتزايدة المفروضة على السياسة الخارجية العدوانية التي يتبعها ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان، حسبما يخلُص تحليل نشرته وكالة «بلومبرج». 

فخُ منصوب للسعودية.. هل تؤدي الحرب إلى تقسيم المملكة؟

الحديث عن المخاطر المحتملة للحرب على السعودية لا يتطلب رجمًا بالغيب؛ لأن «المستقبل موجود هنا بالفعل»، وفق ما ذكره توماس إي ريكس في مقالٍ نشرته مجلة «فورين بوليسي»، وأن رحى الحرب دائرة بالفعل، ووقودها وكلاء السعودية وإيران في اليمن، وسوريا، والبحرين، والمنطقة الشرقية الشيعية في المملكة. 

بل يذهب رئيس تحرير صحيفة «يني شفق»، إبراهيم كاراجول، إلى أن استمرار حالة التوتر الحالية، أو اندلاع حربٍ مفتوحة أوسع نطاقًا؛ يمكن أن يؤدي إلى تقسيم السعودية. قائلًا: «هذا هو الفخ المنصوب للسعوديين. والحديث عن هذا الفخ ليس وليد الهجوم الأخير على منشآت النفط، ولا اغتيال قاسم سليماني، بل تعزف مراكز الفكر الغربية منذ سنوات على وتر «التمييز والتحريض الطائفي» الذي تتعرض له الأقلية الشيعية في المملكة منذ تأسيسها عام 1932».

السعودية

وكانت كلما نشبت أزمة، أطلت التحذيرات برأسها متحدثة عن «أماني وتطلّعات الشيعة، وشكوك السنّة، وتعميق الانقسامات العقائدية في كافة أنحاء المنطقة»، حتى إن وزارة الخارجية الأمريكية سجلت قلقها رسميًّا في عام 2004 من القيود السعودية المفروضة على الحريّة الدينيّة. 

صحيحٌ أن الكبار لا يحتاجون إلى مناطحة بعضهم بعضًا مباشرة، طالما هناك ما يكفي من الصغار لتحمّل العواقب، حتى إن هناك «مزحة قديمة» في الشرق الأوسط يُضرَب بها المثل حول إحجام السعودية عن خوض حروبها بنفسها، تقول: «ستقاتل المملكة حتى آخر باكستاني أو سوداني». لكن بقدر ما هي مقولة ثقيلة الوطأة على نفوس هذين الشعبين، فإنها أيضًا انعكاسٌ لواقعٍ رصدته نسرين مالك قبل فترة في تقرير نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية، وسوف يستمر طالما هناك بلدان أفقر مستعد لإرسال أبنائهاو- ولو كانوا أطفالًا–  للقتال نيابة عن المملكة الثرية، طالما ستدفع الثمن المناسب. 

وعلى الرغم من أن السعودية وإيران لا تتخيلان نشوب حربٍ تقليديةٍ مفتوحة بينهما، فإن ولي العهد السعودي وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان يدرك خطورة هذا السيناريو الذي وصف مؤخرًا بأنه «كارثة كبرى»، وعينه على احتمالية حدوث مناوشات على حدودهما الساحلية المشتركة وفي الفضاء الخليجي. وحقول الغاز المشتركة، والجزر المتنازع عليها، إنما هي نقاط احتكاك واضحة، ومع زيادة التوتر قد تصل صواريخ إيران إلى نقاط أقرب من الممرات البحرية والسواحل الخليجية.

لذلك سعت السعودية هي الأخرى بهدوء إلى تهدئة التوترات، لبيس فقط مع إيران ولكن أيضًا مع غيرها من منافسيها الإقليميين، لمَّا غزا القلق قلوب المسؤولين في المملكة بشأن المخاطر التي يشكلها الصراع على اقتصادها الذي يعتمد على النفط، على حد وصف تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، ناهيك عن اندلاع حرب شاملة لا تبقي ولا تذر. 

شيعة البحرين يعلنون حربًا مفتوحة على «الباطل»

إذا كانت الدولة التي كانت أكبر مستورد للأسلحة في العالم منذ عام 2014 حتى عام 2018، وفقًا لتقرير صادر عن «معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام»، بحاجة إلى من يساعدها في حروبها الخارجية، فكيف بها إذا وجدت نفسها تخوض معركة في عقر دارها، وتحديدًا المنطقة الشرقية التي تتركز فيها الطائفة الشيعية. ولا يستبعد أن تبدأ إيران في إثارة العنف ليس فقط في المنطقة الشرقية السعودية بل أيضًا في البحرين، ناهيك عن تعزيز قدرات الحوثيين الصاروخية عن طريق إمدادات موجهة إلى اليمن عن طريق البحر.

البحرين - هؤلاء ورطهم ترامب في مغامرته باغتيال سليماني.. من سيدفع الثمن؟

ويكفي لتوضيح الخطر المحدق بالبحرين استدعاء البيان المشترك الذي أصدره عدد من المجموعات التي تدعمها إيران هناك لتأبين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، واستخدم لغةً غنيَّة عن التحليل، إذ يقول: «نؤكد نحن في المقاومة الإسلامية في البحرين، بجميع فصائلها، بأن المعركة اليوم هي معركة الحق مع الباطل، وأننا جزء لا يتجزأ من هذه المعركة التي سيكون النصر حتمًا حليف محورنا المقاومة». 

وتابع البيان الذي وقعت عليه «سرايا المختار»، و«سرايا ثار الله»، و«سرايا المقاومة الشعبية»، و«سرايا الأشتر»، و«سرايا وعد الله»: «إننا معنيون بهذه المعركة المفتوحة، وإنه من الواجب علينا الرد بحزم على هذه الجريمة، وأن نكون من الصفوف الأولى في الرد على الطغاة وعلى رأسهم المستكبر الأمريكي، وإننا نعتبر كل مصالحه ووجوده في البحرين هو هدف مشروع لنا، وسيكون لنا دورٌ وموقف في الانتقام للدماء العزيزة للشهداء الأبرار».

حتى أسواق النفط تترقَّب الانتقام الإيراني لاغتيال سليماني

وفي ظل طبول الحرب التي تُدَقُّ في المنطقة، والمخاوف الذي تطرق عروش الخليج، قفزت أسعار النفط يوم اغتيال  قاسم سليماني. صحيح أن المحللين يتوقعون انخفاض الأسعار، على غرار العديد من الاضطرابات التي شهدتها أسواق المنطقة خلال الأشهر الأخيرة ثم سرعان ما أتبعها انتعاش سريع في الأسعار؛ بيدَ أن سيسيليا سميث شوينوالدر تخلُص في تقرير نشرته «يو إس نيوز» إلى أن «حالة عدم اليقين سوف تظل مخيمة على السوق ترقبًا للرد الإيراني».

صحيحٌ أيضًا أن ردود الفعل المعتادة من الأسواق في أوقات الصدمات الجيوسياسية تميل إلى التلاشي بمرور الوقت، إلا أن «هذا التطور بالذات (اغتيال سليماني) يختلف عن التطورات الأخرى»، حسبما نقلته «فوربس» عن مذكرة أعدها آدم كريسافولي، مؤسس «فايتال نوليدج» يوم الجمعة.

ويخلُص تحليل نشره موقع «ستراتفور» إلى أن «اغتيال قاسم سليماني يُمَهِّد الطريق لارتفاع طويل الأجل في أسعار النفط». وحتى من يتوقعون انتقامًا محدودًا وموجهًا من إيران، وليس حربًا شاملة، مثل هنري روم، المحلل في مجموعة «أوراسيا»، يرجحون أن تبقى أسعار النفط عند حدود 70 دولارًا للبرميل، وقد ترتفع أكثر إلى حاجز 80 دولارًا؛ إذا امتد الصراع إلى حقول النفط في جنوب العراق، أو إذا كثفت طهران مضايقاتها للنقل البحري التجاري في الخليج.

دولي

منذ 6 شهور
هل سيشعل اغتيال قاسم سليماني شرارة حرب مؤجلة بين أمريكا وإيران؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد