أثار انتقال الناشطة الأمريكية المصرية آية حجازي، من السجن في مصر إلى البيت الأبيض في أمريكا العديد من الدلالات والرسائل حول سياسة ترامب والسيسي، والنظام القضائي في مصر، ومصير عشرات آلاف المعتقلين المصريين الذين لا يحملون «الجنسية الأمريكية».

 

1-  القضاء المصري لم يلتزم بالحد الأقصى للحبس الاحتياطي

 

في الأول من مايو (أيار) 2014، اعتقلت قوات الأمن المصرية آية حجازي وزوجها محمد حسنين وستة من زملائها في «جمعية بلادي» لمساعدة أطفال الشوارع، واتهمتهم السلطات في مصر بـ«الإتجار في البشر، واختطاف أطفال، وهتك أعراضهم، واستغلالهم جنسيًا، وإجبارهم على الاشتراك في تظاهرات ذات طابع سياسي» واستمر حبس آية لنحو ثلاث أعوام قبل تبرئتها هي وزوجها وزملائها الستة من التهم المنسوبة إليهم في 16 أبريل (نيسان) الجاري.

 

وأظهرت المدة التي قضتها آية ومن معها في السجن، دون إصدار أحكام بشأنهم، والتي تقترب من ثلاث سنوات، عدم التزام القضاء المصري بإخلاء سبيلهم، بعد انقضاء الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، والذي يبلغ عامين، واستمرار حبسهم لمدة عام آخر بعد الحد الأقصى،  بالمخالفة للقانون المصري، بالرغم من المطالبات الحقوقية الأمريكية بإخلاء سبيلها.

 

إذ تنظم المادة رقم 143 من قانون الاجراءات الجنائية الحبس الاحتياطي وتنص على أنه «في جميع الأحوال، لا يجوز أن تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلة التحقيق الابتدائي، وسائر مراحل الدعوى الجنائية، ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، بحيث لا يتجاوز ستة أشهر في الجنح، و18 شهرًا في الجنايات، وسنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام».

وفي 25 سبتمبر (أيلول) 2013، أجرى الرئيس المؤقت عدلي منصور تعديلًا على الفقرة الأخيرة من هذه المادة، لا يؤثر على قضية جمعية بلادي، ألغى فيه الحد الأقصى للحبس الاحتياطي بالنسبة «للمحكوم عليهم بالإعدام أو المؤبد، في مرحلة النقض أو إعادة المحاكمة فقط».

إذ نص التعديل على: «مع ذلك، فلمحكمة النقض، ولمحكمة الإحالة (الجنايات)، إذا كان الحكم صادرًا بالإعدام أو بالسجن المؤبد، أن تأمر بحبس المتهم احتياطيًا لمدة 45 يوميًا، قابلة للتجديد، دون التقيد بالمدد المنصوص عليها في الفقرة السابقة».

اقرأ أيضًا: «في طي النسيان».. ألفا معتقل في السجون المصرية تخطوا فترة الحد الأقصى للحبس الاحتياطي

 

2-  تسلسل زمني مُريب!

 

أثار التسلسل الزمني لقضية آية، مع ربطها بزيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي  إلى أمريكا، الشكوك حول علاقة مريبة بين قضية آية وزيارة السيسي، ففي  مطلع مايو (أيار) 2014، بدأ حبس آية، وفي 18 مارس (آذار) 2017، كشفت الصحف المصرية بأن السيسي سيزور أمريكا مطلع أبريل (نيسان)، وجاء ذلك الكشف، قبل أقل من أسبوع من النطق بالحكم في قضية جمعية بلادي، إذ إن محكمة جنايات القاهرة كانت قد حددت، في جلسة 23 فبراير (شباط) أن جلسة النطق بالحكم في القضية ستكون في 23 مارس (آذار)، ولكن بعد الكشف عن زيارة السيسي لأمريكا؛ تأجلت جلسة النطق بالحكم في القضية إلى 16 أبريل (نيسان)، أي بعد انتهاء زيارة السيسي.

 

وبالفعل زار السيسي أمريكا في مطلع أبريل (نيسان) الجاري في زيارة استمرت لنحو ستة أيام، وتركزت التصريحات المعلنة بين السيسي وترامب على تبادل كلمات الإشادة والإعجاب، دون التطرق بشكل «معلن» إلى قضية حجازي وملف حقوق الإنسان في مصر، ولكن لم يكد تخلو تغطية الصحف الأمريكية للزيارة على ذكر قضية آية حجازي، ولاقت تلك القضية انتشارًا واسعًا في تغطية الصحف الأمريكية يحمل انتقادًا لعدم طرحها بشكل معلن.

 

 

 

اقرأ أيضًا:  «بغيض ومستبد».. كيف تناولت الصحف الأمريكية زيارة الرئيس السيسي لبلادها؟

وفي السابع من أبريل (نيسان) عاد السيسي إلى مصر بعد إنهاء زيارته لأمريكا، وبعد نحو عشرة أيام، جاء حكم المحكمة في 16أبريل (نيسان) بتبرئة آية والمتهمين معها في قضية «بلادي»، وفي 20 أبريل (نيسان) وصلت آية وأسرتها إلى واشنطن، بعد سفرها من القاهرة على متن طائرة حكومية أرسلها ترامب، في رحلة صاحبتها فيها المصرية الأمريكية دينا باول، نائبة مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض للشئون الاستراتيجية، وتزامن وصول آية لواشنطن مع يوم وصول وزير الدفاع الأمريكي جيمس باترسون إلى القاهرة.

3-  سياسة «الغرف المغلقة» أكثر فاعلية مع القاهرة

 

مع ضغط وسائل الإعلام الأمريكية، وانتقادها لعدم  التحدث المعلن لترامب مع السيسي عن  ملف حقوق الإنسان عمومًا، وقضية آية خصوصًا، حاول مسؤولون أمريكيون طمأنة الإعلام الأمريكي في هذا الشأن بالتأكيد على أن الحديث فيه في «الغرف المغلقة» يُعطي نتائج أكثر فاعلية.

 

إذ أفاد مسؤولون أمريكيون بأن قضية «آية» تمثل «أولوية قصوى» لترامب، بحسب صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» التي نقلت تصريح عن مسؤول بإدارته، قال فيه: إن «مناقشة تلك القضايا بخصوصية وحذر، أكثر فاعلية»، ونقلت الصحيفة  أيضًا رد جون سبيسر، المتحدث باسم البيت الأبيض، عن نقص الإدانة العلنية من البيت الأبيض لوضع حقوق الإنسان في مصر، الذي قال فيه:  «نحن نتفهم ذلك القلق، وأنا أعتقد أن هذه الأنواع من القضايا يمكن أن تحقق تقدمًا عندما تُناقش بشكل خاص».

 

وبعد خروج آية ووصولها للبيت الأبيض، قال مسؤول أمريكي لوكالة «رويترز» للأنباء «إن الرئيس الأمريكي طلب من الرئيس عبد الفتاح السيسي في حديث (خاص) المساعدة في القضية، حين زار البيت الأبيض في الثالث من أبريل (نيسان) الجاري، بينما لم يذكر ترامب القضية علنًا حين التقى السيسي».

 

وبعيدًا عن التحفظ المصري في الحديث عن «تدخل ترامب في خروج آية»، عنونت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرها عن الواقعة بشكل صريح «السجينة المصرية الأمريكية المُحررة تعود لوطنها بعد تدخل ترامب».  وقالت الصحيفة في تغطيتها – بوضوح – «إن ترامب ومساعديه عملوا مع السيسي لعدة أسابيع من أجل حماية حرية آية حجازي».

آية حجازي

عنوان واشنطن بوست عن تدخل ترامب لـ«تحرير آية حجازي»

 

وتبدو بالفعل أن سياسة الغرف المغلقة التي انتهجها ترامب مع السيسي أكثر فاعلية، من سياسة الانتقاد العلني التي اتبعهتا إدراة الرئيس الامريكي أوباما مع مصر، ففي سبتمبر (أيلول) الماضي، طالبت الإدارة الأمريكية السلطات المصرية بالإفراج عن آية. وأصدر  البيت الأبيض بيانًا، طالب فيه بإسقاط جميع التهم المنسوبة لها وإطلاق سراحها، لكن الخارجية المصرية رفضت حينها ما اعتبرته «إصرار بعض الدوائر الرسمية الأمريكية على الاستهانة بمبدأ سيادة القانون والتعامل معه بانتقائية»

 

4-  ترامب «إنسان حاسم»

 

استقبل ترامب وعائلته آية في البيت الأبيض استقبالًا صاحبه حفاوة كبيرة، وقال ترامب خلال لقائه بآية «نحن سعداء بعودة آية حجازي إلى وطنها برفقة أخيها»، ولم تتوقف حفاوة الاستقبال على هذا التصريح، وإنما نشرت إيفانكا ترامب نجلة الرئيس الأمريكي تدوينة لها خلال حسابها الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي «توتير»، قالت فيه «مرحبًا بك في وطنك يا آية».

 

وهي نفس العبارة التي استخدمها ترامب في ترحيبه بآية على «تويتر» ولكن الأخير، نشر فيديو يحمل خبر «واشنطن بوست» عن استقباله لآية تحت عنوان «السجينة المصرية الأمريكية المُحررة تعود لوطنها بعد تدخل ترامب»، بالإضافة إلى  صور تجمعه بآية، على خلفية موسيقية لأغنية وطنية أمريكية تحمل اسم« God bless USA » (أي الله يبارك الولايات المتحدة الأمريكية».

ويدلل خروج آية واستقبال ترامب لها على اهتمام ترامب بعبارة «أمريكا أولًا»، واهتمامه بحقوق «الإنسان» الأمريكي أينما كان، «حتى ولو كان مسلمًا»، بالطريقة التي يفضلها، والتي حسمت قضية كانت تشغل اهتمام الكثير من الأمريكيين، ومثلت تلك القضية انتصارًا دعائيًا – ثانيًا – على أوباما الذي فشل في سياسته من الوصول لتلك النتيجة، بالرغم من الانتقاد المعلن من أوباما لملف حقوق الإنسان في مصر.

وتأتي  تلك القضية بعد انتصار دعائي أول حققه ترامب على أوباما، رسّخ لـ«حسم» ترامب، واهتمامه ببعض القيم وحقوق الإنسان، يتمثل في ضرب مطار عسكري، تابع لبشار الأسد، بـ59 صاروخ أمريكيًا ، بعد فترة لم تتجاوز ثلاثة أيام، من شن الأسد هجومًا كيماويًا على منطقة خان شيخون أدى لمقتل 87 بينهم 31 طفلًا، في ضربة موجعة للأسد من تلك الانتقادات السياسية التي كان يوجهها أوباما للأسد، دون أي تدخل عسكري أمريكي ضد الأسد، وهي ضربة أسعدت الكثير من السوريين، ليلقب البعض منهم ترامب على أنه «بطل قومي للسوريين».

اقرأ أيضًا: كيف تحول ترامب «أبو إيفانكا» إلى «بطل قومي» للسوريين؟

5-  لو كنت مسجونًا مصريًا فقط «?so what»

 

وتظهر حفاوة ترامب الكبيرة بخروج آية من السجن في مصر  واستقباله لها في البيت الأبيض، بأنه يشعر أنه أدى ما عليه بهذا «الإنجاز الكبير» من وجهة نظره،  ولم يظهر ترامب اهتمامًا بالرفقاء السابقين لآية في السجون المصرية، والذين لا يحملون سوى الجنسية المصرية.

فآية قبل أيام قليلة  من مغادرتها السجن، كانت  واحدة من بين أكثر من ألفي معتقل مصري تعدّوا فترة الحد الأقصى للحبس الاحتياطي البالغة سنتين، دون إخلاء سبيلهم، من أبرزهم مئات المعتقلين على خلفية قضايا فض اعتصامي رابعة والنهضة، وأحداث مسجد الفتح، الذين ما زالوا محبوسين احتياطيًا منذ أكثر من 44 شهرًا، دون إخلاء سبيلهم، كما أن آية أيضًا كانت في الأمس القريب واحدة من عشرات الآلاف المعتقلين لأسباب سياسية في مصر، قدرت منظمات حكومية عددهم بـ60 ألف معتقل سياسي.

 

 

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد