نقلًا عن عربي 21

كتب ديفيد هيرست: كان يوم الأحد يوما صائفا بحق، أغرى دفؤه البلسمي سكان لندن من أمثالي بالإحساس بأن كل شيء في العالم على خير ما يرام. دخلت على الإنترنيت لأتصفح ما وردني من رسائل إلكترونية.

كانت أولاها رسالة من أحد قراء موقع ميدل إيست آي يشكو فيها تغطية الموقع لحدث افتتاح توسعة قناة السويس التي كلفت 8.5 مليار دولار، ويقول إن ميدل إيست آي لم يهتم بما يكفي بتناول الشكوك التي أثيرت حول هذا المخطط المهيب. فقد نقلت صحف مثل الواشنطن بوست وبلومبيرغ ونيويورك تايمز والغارديان والإندبندنت عن عدد من الاقتصاديين تأكيدهم أن المشروع لا يستحق ما أنفق عليه، فلماذا لم نفعل ذلك نحن أيضا في ميدل إيست آي؟وكانت الرسالة الثانية عبارة عن بيان يتعلق بموقع ميدل إيست آي، صادر عن كيان مثير للفضول يسمي نفسه مرصد الفتاوى الشاذة والتكفيرية. حككت رأسي، واستغربت.. ماذا يمكن أن يكون موقع ميدل إيست آي قد نشره مما يعتبر فتاوى شاذة؟ وخطرت ببالي مباشرة تلك الفتوى التي كان قد أصدرها آية الله الخميني ضد سلمان رشدي. ثم تبين لي أن المرصد لم يكن يشتكي من تصريحات دينية صدرت عنا وإنما من تقرير إخباري كنا قد نشرناه.

جاء في البيان ما يأتي:

“وحول الأوضاع الأمنية في مصر وفي أعقاب ما تردد عن مقتل الرهينة الكرواتي، رصد مرصد الإفتاء تقريرا عن موقع ميدل إيست آي، أن “اختطاف الأجانب داخل مصر يؤثر على الاستثمارات الأجنبية، كما أن تنفيذ إعدام كرواتي على أيدي تنظيم “داعش” سيكون له آثار على الاقتصاد المصري الضعيف بالفعل”، ووصف التقرير الاقتصاد المصري بالاقتصاد الضعيف، الذي من شأنه البلبلة وإضعاف إقبال المستثمرين الأجانب للاستثمار داخل مصر”.

حيرني هذا الذي صدر عن المرصد المذكور، فما الذي يجعل كيانا مجال عمله القضايا الدينية يعلق على موقع في الإنترنيت مجال عمله الأخبار؟

يتبع المرصد دار الإفتاء، والتي تختص بإرشاد وتوجيه المؤمنين المسلمين في مصر في ما يتعلق بالحلال والحرام، ويترأس دار الإفتاء أعلى سلطة دينية في مصر المفتي الأكبر شوقي علام.

اشتهر عن شوقي علام أنه انتحل (سرق) صفحتين من تأليف المنظر الإسلامي والقيادي في جماعة الإخوان المسلمين سيد قطب، وصاغها في مقالة له عن فضائل الصيام ادعى أنه هو الذي ألفها. وقد حصل ذلك بعد أيام قلائل من صدور أمر عن السلطات المصرية للمساجد والمدارس بأن تخلي رفوف مكتباتها من أي كتاب ينسب لأحد من شخصيات الإخوان المسلمين وخاصة تلك التي ألفها سيد قطب تحديدا. تبين من بعد أن شوقي علام اعتاد سرقة النصوص وانتحال مؤلفات الآخرين. وكانت صحيفة (المصريون) قد أكدت أن المقالات السابقة التي كتبها المفتي الأكبر حول فضائل الصيام انتزعت مادتها من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي. وله مقالة أخرى حول فضائل التسامح في الإسلام نقل جلها من كتاب من تأليف الدكتور عبد الله بن إبراهيم الطويل.

لو أن واحدا من طلبة المفتي الأكبر قام بذلك لفصل مباشرة من الجامعة. إلا أن علام يجوز له فيما يبدو ما لا يجوز لغيره، بل بلغ به الأمر أن يذيع سره بنفسه، ومع ذلك فقد استمر في ممارسة دوره حكما على ما هو صواب وخطأ أو صالح وطالح من الأعمال، بل وعلى من يعيش ويموت من الناس، فالمفتي الأكبر هو الذي تناط به مهمة التصديق على أحكام الإعدام.

لم يكن سلفه علي جمعة أفضل حالاً منه، وهو الذي كان قد اجتمع بقادة العسكر، بما في ذلك وزير الدفاع في ذلك الوقت عبد الفتاح السيسي، وقدم لهم نصيحة في غاية الوضوح حول طريقة التعامل مع المتظاهرين في رابعة. وما لبث تسجيل اللقاء مع العسكر أن سرب بما في ذلك الكلام الذي صدر عن علي جمعة، الأمر الذي تسبب له بالحرج.

قال علي جمعة في الشريط المسرب:

“اضرب في المليان، إياك أن تضحي بأفرادك وجنودك من أجل هؤلاء الخوارج. طوبى لمن قتلهم وقتلوه. من قتلهم كان أولى بالله منهم. بل إننا يجب أن نطهر مدينتنا ومصرنا من هذه الأوباش. إنهم لا يستحقون مصريتنا. إننا نصاب بالعار منهم. يجب أن نتبرأ منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب. ناس نتنة. ريحتهم وحشة في الظاهر والباطن. ولقد تواترت الرؤى بتأييدكم من قبل رسول الله… نحن على الحق، سيهزم الجمع.. اللهم دمرهم اللهم دمرهم..”.

بكل مقياس من المقاييس يعتبر هذا الخطاب تحريضا على العنف، وليس كلمات في التسامح تصدر عن شخصية دينية مهمة.

نعود الآن إلى المرصد، الذي يقول إنه اكتشف مؤامرة ما.

يقول مرصد الإفتاء إنه اكتشف خطة وضعتها المنظمات الإرهابية لإقامة واستغلال منابر إعلامية موهومة وزائفة في الغرب، بهدف توظيفها لترويج الأكاذيب والشائعات التي تستهدف سمعة ومكانة مصر عالميا.

هل يمكن لهذا أن يكون صحيحا؟ احجزوا الصفحة الأولى للخبر إذن! فبحسب المرصد “أصيب موقع ميدل إيست آي وغيره من المنابر الإعلامية التابعة للتنظيمات الإرهابية بصفة عامة بحالة من التخبط والسعار نتيجة لضياع مصداقيتها في ظل اكتشاف عوار البنية الأيديولوجية لهذه التيارات أمام العالم كونها لا تريد استقرارا للمجتمعات، بل تمثل خطرا كبيرا على الأمن والسلم العالميين”.

إذن، فقد أضحى موقع ميدل إيست آي حراما!

ولكن، لحظة من فضلك. هل كان موقع ميدل إيست آي منفردا، حينما قال إن جريمة قتل توميسلاف سالوبيك يمكن أن تجعل مستثمرين أجانب (مثل سيمنز وبريتش بيتروليوم) يعيدون التفكير؟ من الواضح أن الحال لم يكن كذلك.

نشرت أخبار إيه بي سي مقالاً اعتمد على تقارير إخبارية من وكالة الأنباء الفرنسية ووكالة رويترز جاء فيه: “لقد استماتت مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي في إقناع المستثمرين الأجانب والشركات العالمية بأن البلاد آمنة بعد عامين من العنف والهجمات التي تشنها جماعات مسلحة متشددة”.

مجلة تايم هي الأخرى واحدة من المنابر الإعلامية المصابة بحالة من التخبط والسعار، بل لعل وضعها أسوأ من غيرها إذ إنها نشرت تقريرا عنونت له بعبارة “الشكوك تحوم حول الوضع الأمني في مصر بعد قطع رأس الرهينة الكرواتي”. ونقلت المجلة عن أنغاس بلير، رئيس معهد ساينيت، وهو مركز بحث وتفكير متخصص في الاقتصاد يتخذ من القاهرة مقرا له، قوله: “تسعى مصر إلى زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر، إلا أنها ستعسر الأمر على الأجانب الذين يرغبون في العمل كجزء من الاستثمار وسيصبح صعبا عليهم القدوم بسبب المخاطر الأمنية المحدقة”.

لا بد أن مرصد الفتاوى الشاذة والتكفيرية غابت عنه هذه التقارير ولم ينتبه إليها، وإلا لكانت أخبار إيه بي سي ومجلة تايم من المحرمات أيضا. ألا ينبغي أن يخبرهم أحد بذلك؟

يبدو أن قائمة وسائل الإعلام الغربية والمنابر الأخرى المحرمة آخذة في النمو يوما بعد آخر. يوم الأحد جاء الإعلان عن أن موقع ميدل إيست آي حرام، ويوم السبت وصف الناطق باسم وزارة الخارجية أحمد أبو زيد منظمة هيومان رايتس واتش بأنها “مشبوهة ومسيسة” لإصدارها بيانا في الذكرى السنوية الثانية لمذبحة رابعة مذكرة الجميع بأنه لم يتم حتى الآن وبعد مرور عامين محاكمة أحد.

وقبل ذلك كان الدور على النيويورك تايمز، ففي أكتوبر من العام الماضي، نشرت الصحيفة المصرية الأولى الأهرام تقريرا مترجما بشكل محرف لمراسل النيويورك التايمز المميز في القاهرة دافيد كيركباتريك. فبينما كتب كيركباتريك يقول إن خطاب السيسي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قوبل “بالصمت”، ادعت الأهرام نقلاً عن النيويورك تايمز قولها إن وجود السيسي في الأمم المتحدة أقنع الجميع بأن الإطاحة بمرسي لم يكن انقلابا عسكريا وإنما ثورة. وعندما طالبت النيويورك تايمز باعتذار عن هذا التحريف، وصلها اعتذار باللغة الإنجليزية. إلا أن صياغة الاعتذار باللغة العربية جاءت على النحو الآتي:

“من المعروف أن مراسل النيويورك تايمز يرفض المسار السياسي في مصر منذ الثلاثين من يونيو”. وذلك في إشارة إلى انقلاب الثلاثين من يونيو الذي أطاح بأول رئيس منتخب بحرية في مصر. ومضى بيان الصحيفة ليقول: “يدافع كيركباتريك بحماسة عن المنظمة الإرهابية ويعمل دائما على الترويج لفكرة أن ثمة قمع للحريات في البلاد، ويثير الشكوك حول الإرادة الشعبية التي خلعت الإخوان المسلمين من السلطة”.

وقبل ذلك وُصمت صحيفة الغارديان بأنها “بوق للثورة المضادة”. وحتى الرئيس باراك أوباما والسفيرة الأمريكية  في مصر اتهما بأنهما جزء من مؤامرة حاكها الإخوان المسلمون.

إذن، موقع ميدل إيست آي ليس وحيدا، بل هو في صحبة جيدة. ولكن لماذا يجري التنديد به من قبل سلطة دينية بدلاً من سلطة مدنية مثل وزارة الخارجية؟ يبدو أن تلك بداية توجه جديد. فإنه إثر الفشل في وقف تسرب الأخبار السيئة إلى خارج مصر، قرر السيسي الآن فيما يبدو اللجوء إلى السلطات الدينية لمنع المصريين من قراءة ما ينشر من حقائق دامغة حول بلدهم مستخدما في ذلك الفتاوى الدينية. لقد بات استخدام – أو إساءة استخدام – الإسلام من قبل السيسي علامة مميزة لحكمه الاستبدادي.

يدعي السيسي أنه مؤمن. ويعتقد بأن الله ألبسه لباس السلطان. ففي محادثة جرى تسريبها مع صحفي من صحيفة المصري اليوم، كشف السيسي النقاب عن أنه رأي في المنام نفسه يشهر سيفا كتب عليه بالدم “لا إله إلا الله محمد رسول الله” ورأى فيه الرئيس أنور السادات، الذي وقع اغتياله، وهو يعده بأنه سيكون رئيسا.

واستخدم الشخصيات الدينية مصدرا لإضفاء الشرعية السياسية على نفسه. لدى إعلانه عن خارطة الطريق التي ستنهجها مصر نحو الديمقراطية، أحضر السيسي معه إلى المنصة كلاً من رئيس الكنيسة القبطية بابا الأقباط وشيخ الأزهر، المؤسسة الإسلامية الأهم في مصر، وجلال المرة، أحد الشخصيات السلفية البارزة.

في مقال أخير له نشر في مجلة فورين بوليسي، يقول روبرت سبرينغبورد: “مصر السيسي، باختصار، ستكون بلدا يستخدم فيه الدين لتعزيز سلطوية العسكر ويستغل لتبرير قمع المعارضين، وبشكل رئيسي المعارضين الذين يستلهمون فكرهم السياسي من الإسلام نفسه. ليست هذه هي الصورة التي سعى السيسي للترويج لها أثناء حملته الانتخابية، ولكنها باتت واقعاً لعل من الحكمة أن يعد الغربيون والمصريون على حد سواء أنفسهم له”.

لقد غدت المؤسسات الإسلامية في مصر في عهد السيسي أكثر من مجرد أدوات دعم للنظام، بل أضحت جزءا من الطغيان نفسه. من المفارقات في حملة السيسي ضد التطرف الإسلامي، كما لاحظ أحد معلقي موقع ميدل إيست آي محمد المصري، هو أن هذه الحملة نفسها هي نوع من التطرف الديني.كتب المصري:

“فهاهم العلماء الداعمون لنظام السيسي يقومون بالضبط بالأعمال التي اتهموا الإسلاميين الوسطيين زوراً  بالقيام بها – مثل تكفير الآخرين والدعوة إلى اللجوء إلى أعمال عنف غير مشروعة”.

صدرت تعليمات لجميع الأئمة والخطباء بإلقاء خطبة الجمعة عن فضائل مشروع قناة السويس وما يعود به على الاقتصاد المصري من فوائد جمة. وطلب منهم أن يستذكروا النصر الذي تحقق للنبي محمد  في غزوة الخندق تشبيهاً للخندق الذي حفره النبي وأتباعه بتوسعة القناة. لا يكتفي السيسي باستخدام المؤسسة الدينية لشرعنة الانقلاب، وإنما لتقديم نفسه للعالم كرجل يعمل على تحديث وعصرنة الدين الإسلامي. وهذا ما جعل متصدري تيار اليمين في الولايات المتحدة يشيدون به ويثنون عليه بعد أن دعا في خطابه إلى الأزهر إلى ثورة دينية في الإسلام. بل ذهب بعضهم إلى اعتباره مؤهلاً لنوال جائزة نوبل للسلام واعتبره كمارتين لوثر كينغ.

في العالم المثالي، تلعب السلطات الدينية دورا مهما في مساءلة السياسيين ومحاسبتهم، فهي تعبر عن قيم المجتمع، وتعتبر جزءا من عمليات الرقابة والموازنة التي تمارس على السلطات السياسية التنفيذية، وخاصة في اللحظات الحاسمة كتلك التي سبقت قيام بريطانيا طوني بلير بغزو العراق.

لربما توقع البعض أن يجد دار الإفتاء مهتمة بالحق والحقيقة. ولكن للأسف كل ما تقوم به الدار الآن هو الافتراء ونشر الأكاذيب نزولاً عند رغبة القائد الأعلى آية الله السيسي، فلا يمكن لمثل هؤلاء المشائخ الجبناء أن يقدموا على فعل شيء دون أن يشير عليهم به. فلا شيء يتم بدون تصريح من النظام. فإذا أعلن المرصد أن تصفح موقع ميدل إيست آي حرام، فهذه فتوى لم تصدر عنهم وإنما عن السيسي نفسه.

وهذا يعيدنا إلى موضوع قناة السويس، والتي ادعى السيسي يوم الأحد أن الملاحة التي عبرت فيها حتى الآن قد سددت تكلفة توسيعها التي ادعى انها تقدر بعشرين مليار جنيه مصري (أي ما يعادل 2.5 مليار دولار أمريكي). ولكن ألم يكن المبلغ الحقيقي هو 8.5 مليار دولار؟ ثم ألم يصرح كل خبير اقتصادي معتبر بأن السعة الإضافية لن تسهم كثيراً في حل مشاكل مصر الاقتصادية لأن الملاحة بشكل عام في حالة ركود وأن القناة لم تكن تعمل بكامل قدرتها؟ يحتاج حجم التجارة العالمية إلى أن يرتفع بمقدار 9 بالمائة حتى تحقق قناة السويس هدفها المنشود من حجم الملاحة فيها، كما ورد في تقرير صادر عن كابيتول إيكونوميكس، والتي وصفت الهدف المعلن بأنه غير وارد على الإطلاق.

إلا أن السيسي لا يعير أيا من هذه الحقائق  أدنى اهتمام.

والآن، يتوجب على مصر بل وعلى العالم بأسره أن يبشر بكلام السيسي لأن ما من شيء يفعله، كما يقول هو نفسه، إلا وهو مقدر ومكتوب (وكأنه وحي إلهي). كم من الطغاة الآخرين في التاريخ أقنعوا أنفسهم بأنهم ظل الله في أرضه؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد