قبل عامين قامت صحيفة «شرق» المحسوبة على إصلاحيي إيران بوضع صورة آية الله محمود طالقاني على غلافها في الذكرى السنوية لأول جمعة أقيمت في طهران بعد الثورة وكان إمامها طالقاني، وكانت الصورة قد أثارت الجلبة والعديد من الأخذ والرد بين الصحف، المحافظ منها والإصلاحي. ذلك أن الصحيفة أجرت تعديلًا على الصورة وأخفت «السيجارة» التي كانت بيد الإمام حين التقاطها.

الكثير من الانتقادات تحملتها الصحيفة جراء فعلتها، أبرزها انتقاد مهدي طالقاني سليل الإمام الراحل الذي اعتبر ما حدث تحريفًا مطلقًا بحق أبيه، «صحيح أنها عادة ليست صحية لكن الإمام كان يأبى الاستغناء عنها».

بالطبع لم يكن الوقوف على مثل هذا الأمر البسيط مقبولًا، لولا أن الرجل له مكانة عظيمة؛ يقول بعضهم تعادل منزلة آية الله الخميني، مرشد الثورة وقائدها الأبرز، وبعضهم الآخر يقول أنها تفوق منزلة الإمام، ولولا أن اختار الموت آية الله طالقاني في السنة الأولى من عمر الجمهورية الناشئة، لربما كان له فيها شأنٌ آخر.

من هو آية الله طالقاني؟

ولد آية الله طالقاني عام 1910، واستكمل تعليمه الديني في مدينة قُم حتى وصل إلى مقام الاجتهاد ولقب بآية الله، انتقل إلى طهران في الثلاثينيات، حيث قام بالتدريس في جامعة سباهسلار. ومن هناك انخرط في الحركات المناوئة للشاه، سواءٌ بالتعاون مع جبهة مصدق، أو حتى مع جماعة «فدائيان إسلام»، التي أسسها نواب صفوي، وسُجن عدة مرات كان آخرها في منتصف السبعينيات، لكن أُفرج عنه بعد ضغوط شعبية عديدة.

ما يجعل آية الله طالقاني رجلًا مميزًا في إيران، أنه ورغم انتمائه للمؤسسة الدينية، إلا أنه لم ير أن العلماء يشكلون طبقة متميزة عن باقي الطوائف، بما يسمح لهم بالتمتع بمزايا خاصة، ومن ثم فقد هاجم هذا الوضع، مختلفًا مع آية الله الخميني.

في ذكراها الـ38: هل كانت الثورة الإيرانية إسلامية؟

يقول بحقه أروند إبراهيميان، الباحث الإيراني، في كتابه «تاريخ إيران الحديثة» أنه كان رجل الدين الأكثر شعبية في طهران إبان الثورة، وأنه لو لم يمت لربما كان قدم ثقلًا ليبراليًا موازيًا للخميني.

تمتعت إيران بداية ستينيات القرن الماضي بصعود الحركة الوطنية، التي عبّر عنها بزوغ نجم رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، الأرستقراطي المثقف، المناوئ للوجود الأنجلو-سوفيتي على أرض بلاده، وكانت بريطانيا والاتحاد السوفيتي أواخر عام 1941، في أوج الحرب العالمية الثانية، لم يجدا من سبيل أمامهما سوى التخلص من الشاه رضا بهلوي، صديق موسوليني إيطاليا، والذي تردد كثيرًا في إبداء انحيازه لحظة الحرب.

كان الغزو الأنجلو-سوفييتي مدفوعًا بأمرين، النفط الإيراني الذي تحتاجه بريطانيا والممر السهل الذي تصبوا إليه القوات السوفيتية للوصول غربًا، لا سيما وأن المدينة الروسية التي تقع على ضفتي بحر دفينا الشمالي والبحر الأبيض «أركينجل» تكون مجمدة أغلب أوقات العام، وخط السكة الحديدية عبر إيران إلى جانب الطرق الجديدة أكثر إغواءً للسوفييت.

وجد الحليفان أنه من المناسب التخلص من رضا بهلوي والإبقاء على دولته، بدأ الهجوم في 15 سبتمبر (أيلول) وبعدها بثلاثة أسابيع تنازل الشاه عن الحكم لابنه محمد رضا، ذو الـ21 عامًا، وفرّ الأب هاربًا إلى موريشيوس ثم إلى جنوب أفريقيا حيث توفي هناك عام 1944.

كان محمد مصدق رئيس الوزراء الإيراني، وأبرز من انتموا للحركة الوطنية الإيرانية يتمتع بعلاقة وطيدة مع رجال الدين، وأبرزهم في ذلك الزمان آية الله كاشاني، صاحب النفوذ العالي في البازار والعلاقة الوثيقة بجماعة «فدائيان إسلام» (من أوائل الجماعات الأصولية المتشددة في إيران) لكن شقاقًا وقع بين الفريقين، على إثر الاختلاف في الرؤى والتوجهات، وهنا حاول آية الله طالقاني بما يتمتع به من رصيد كبير لدى الجميع أن يلعب دور الوسيط بين الفرقاء، لكنه لم يُوفق.

محمد مصدق، رئيس الوزراء الإيراني (1952 – 1953)

بعد الانقلاب على حكومة مصدق وعودة محمد رضا بهلوي من الخارج، عزم الأخير على القيام ببعض الإصلاحات وإضفاء المظهر الديني على ولايته، ومن هنا بدأ يتودد لآية الله كاشاني، الذي كان شرُف على الموت، وأوفد لعيادته في المستشفى عام 1961 رئيس وزرائه علي أميني، قبّل أميني يد الشيخ ورافقت الصورة الخبر الذي طارت به الصحف. سعت الحركة الإسلامية في ذلك الوقت للعب الدور السياسي الذي يليق بها، لا سيما وأن تجربة مصدق أثبتت أن الليبراليين واليساريين لم يحققوا الآمال التي عُقدت عليهم.

الإمام «الليبرالي»

بدأت تجربة رجال الدين السياسيين بعد هزيمة مصدق من خلال جماعتين، جماعة من رجال الدين مارسوا الحياة السياسية من خلال البلاط، ولصالحه، على رأس هذه الجماعة آية الله بهبهاني، وكانت تسمى «جماعة الخميس»، لحرصهم على الاجتماع ليلة الجمعة في مقر بهبهاني، وجماعة أخرى ضمت رجال الدين المناضلين حقًا، والذين كانوا يرون في تماس الدين والمجتمع ضرورة لإخراج إيران من أزماتها وكبوتها الحالية، وعلى رأس هذه الجماعة آية الله طالقاني وكانت تسمى «جماعة الأربعاء». كانت تلك هي بداية الظهور الحقيقي لآية الله محمود طالقاني.

نادى طالقاني بضمان حق جهاد الاستبداد إذا استُنفدت طرق النصح، لكنه ربط هذا الجهاد بتوافر الإمام العادل لضمان ألا تكون مثالب هذا الجهاد أكبر من فوائده، وعليه رأى طالقاني ضرورة أن يكون للحراك قائد تلتف حوله الجماهير، وهو ما رآه في آية الله الخميني.

حاول التوسط بين الخميني والجماعات الليبرالية، لعلاقته الجيدة بالطرفين، إذ كانت علاقاته قد توطدت بالجماعات الليبرالية واليسارية في سجون الشاه، لكنّ الخميني لم يكن يولي اهتمامًا لهذه المساعي في ظل مشروعه الديني، وكانت هذه الفاصلة في العلاقة بين الرجلين، طالقاني والخميني.

بعد الثورة، عيّنه الخميني إمامًا لجُمعة طهران، لكن اختلفت مساعي الرجلين بعد الثورة، ولما كان الاحتقان السياسي هو السائد في البلاد في هذا التوقيت، عارض آية الله طالقاني التصفية السياسية للمعارضين من ذوي التوجهات الليبرالية واليسارية. عارض ذلك علانيةً وأبدى تخوفًا من عودة القمع إلى البلاد في صورة جديدة، فسُجن على الفور ولداه، ما أفضى به إلى اعتزال العمل العام وإغلاق مكتبه.

خرج محبوه إلى الشوارع مطالبين بعودته إلى المشهد، ويُقال إن الخميني أجبره على الظهور للإعلام وإعلان أنه لا توجد خصومة بينه وبين النظام الحالي، لكن لم يُكتب لهذا الصراع الاستمرارية حتى أعلن التلفزيون الإيراني وفاة الإمام طالقاني سبتمبر 1979.

«من بلاط الشاه إلى سجون الثورة».. دروسٌ من الثورة الإسلامية

بعد طالقاني.. الخميني يفتك بمعارضيه

على الرغم من كونه ابنًا لأحد آيات الله الذين أيدوا الانقلاب على مصدّق 1953، إلا أنه وقف حينها إلى جانب مصدّق، أمضى جزءًا كبيرًا من حياته الراشدة شابًا في باريس، المنفى الاختياري الذي لجأ إليه بعدما ضيّق نظام الشاه الخناق عليه وعلى أصدقائه النشطاء في الجبهة الوطنية وحركة الحرية.

شارك أبو الحسن بني صدر في الحراك الطلابي المناهض للشاه مطلع ستينيات القرن الماضي، سجن مرتين، قبل أن يسافر إلى فرنسا، حيث مارس من هناك النضال ضد الشاه، ودرس الدكتوراه في جامعة السوربون الشهيرة، وكانت اللحظة الحاسمة في حياته لحظة عاد من باريس رفقة آية الله الخميني بعد الثورة.

حال عودته تولى مناصب وزير المالية والخارجية، قبل أن يستقيل ويترشح للرئاسة، ويفوز في أول انتخابات رئاسية بعد الثورة بنتيجة مريحة (78.9%)، بعد دعم الإمام الخميني له. صحيح أنه لم يكن رجل دين، لكن الخميني في المراحل التأسيسية كان يريد لهذا المنصب أن يشغله شخص له شعبية جماهيرية، ويتحمَّل عبء تثبيت أركان الدولة المتهاوية من جراء الدولة البهلوية الراحلة.

وبالفعل ورغم الصعوبات التي مرت بها الجمهورية الناشئة، حول الدستور مرة، وأحداث السفارة الأمريكية التي رحلت على إثرها حكومة مهدي بازرجان مرة أخرى، جاءت الحرب العراقية بعكس ما كان متوقعًا من ورائها، فعضدت من حكم رجال الدين، ونزعت آخر أعمدة الدولة من خارج الجماعة الدينية، وبالفعل فرّ أبو الحسن بيو صدر بعدما اتهمه الخميني المرشد الأعلى بعدم الأهلية، والفشل في إدارة ملف الحرب، ومنذ يونيو (حزيران) 1981، ويعيش بني صدر خارج البلاد، وهو حاليًا أكبر رئيس إيراني سابق على قيد الحياة عن عمر يزيد على 85 عامًا.

أما بازرجان فبدأت قصته بعدما تعليمه الجامعي ليكون رئيسًا لأول قسمٍ للهندسة في جامعة طهران، ثم نائبًا لرئيس الوزراء محمد مصدق. هو إذن سليل الحركة الليبرالية الوطنية، وكان أول رئيسٍ للشركة الإيرانية الوطنية للنفط، وساهم فيما بعد (رفقة آية الله طالقاني وعلي شريعتي) في تأسيس الحركة الليبرالية مطلع سبعينيات القرن الماضي (وتحديدًا عام 1961)، الحركة التي استقت أفكارها من جبهة مصدق.

سُجن عدة مرات لمعارضته الشاه محمد رضا بهلوي، وكانت هذه المحطات تمهيدًا ليتولى مناصب رفيعة في الدولة الجديدة، الجمهورية الإيرانية الإسلامية.

كان لبازرجان رأيه المخالف لتطلعات خط الإمام الخميني، أبرز محاور هذا الخلاف أنه لم يكن يرى مصلحة في أن تكون الجمهورية الإيرانية إسلامية. وحمل الخلاف حول الدستور بوادر صراع صامت، بين المعسكر الليبرالي الطامح لأن يكون الدستور على نسق دستور شارل ديجول للجمهورية الفرنسية الخامسة، تصور هؤلاء الجمهورية الإيرانية إسلامية من حيث الاسم وديمقراطية من حيث المضمون.

مهدي بازرجان رفقة آية الله الخميني

كانت أولى المناوشات بين بازرجان والخميني في مارس (آذار) من العام 1979، عام الثورة، بينما كان الشعب مستعدًا للتصويت بنعم أو لا على إقامة جمهورية إسلامية، أراد بازرجان أن يعطي الشعب خيارًا ثالثًا وهو «جمهورية إسلامية ديمقراطية»، لكن ذلك لم يرق للإمام، وجادل عن رفضه بأن «ما تريده الأمة هو جمهورية إسلامية، لا جمهورية ديمقراطية ولا جمهورية ديمقراطية إسلامية، لا تستخدم هذا المصطلح الغربي، إن هؤلاء الذي يدعون إلى هذا الشيء لا يعرفون شيئًا عن الإسلام»، جاءت نتيجة التصويت الشعبي على الجمهورية الإسلامية بنسبة 99% تجاه القبول.

وبينما بدأت المعركة الثانية بين آية الله الخميني ومهدي بازرجان حول تفاصيل الدستور الإيراني الجديد الذي هو قيد الإعداد والصياغة، وقعت أحداث السفارة الأمريكي.

كان سماح الرئيس الأمريكي جيمي كارتر للشاه الهارب بولوج الأراضي الأمريكية بمثابة الشرارة التي حفزت 400 شاب من متبعي خط الإمام لاحتجاز عدد من موظفي السفارة الأمريكية بداخلها، عُرفت الحادثة بأزمة الرهائن، واستمرت لنحو 444 يومًا، حاول خلالها بازرجان إقناع المرشد الأعلى بإصدار أوامر للطلاب بالرجوع عن فعلتهم، وحل الأزمة المتفاقمة مع أكبر دول العالم، لكنه لما لم يجد من الخميني آذانًا صاغية وأدرك أن الأخير راضٍ عما يحدث، لم يجد بُدًا إلا أن يقدم استقالته ولفيف من الليبراليين، أبناء حركة مصدق.

دعا بازرجان مؤيديه للتصويت على الدستور، على الرغم من استقالته، رأى في غير ذلك الفرقة والانقسام وضياع الثورة، متبعًا في ذلك النهج الذي أرسى لها آية الله طالقاني في الخلاف، والذي كان قد رحل في ذلك بعد صراعه القصير مع الخميني.

مرت الجمهورية الإيرانية بمرحلة مبكرة من الصراع، وكان التمكين حليف الإمام الخميني والمقربين منه من رجال الدين، بعض رجال الدين الذين عارضوا الاستثناءات، والمكانة التي حظي بها رجال الدين في وقت مبكر من الثورة لم يكتب لصوتهم أن يسمع، وكان التهميش حليفهم، وأبرز من يمثل هؤلاء آية الله طالقاني.

علي السيستاني.. الإيراني الذي ينافس «خامنئي» ويتحكم في مصير العراق

المصادر

تحميل المزيد