من النادر أن تدخل بيتًا من بيوت العائلات المحافظة من الطبقات الوسطى أو العليا في العالم العربي ولا تجد كتاب «لا تحزن» يُقابلك في قاعة الضيوف، بارزًا إلى جانب الأواني الزجاجيّة الفاخرة.

فمنذ نشره سنة 2002 أصبح «لا تحزن» أكثر الكتب العربية انتشارًا، إذ بيعت منه 10 ملايين نسخة، بالإضافة إلى النسخ المقرصنة والإلكترونية، كما ترجم إلى 20 لغة، لكن شهرة كاتبه كانت أقدم من الكتاب بسنوات عدّة، إذ عُرف في تسعينيات القرن الماضي بدروسه وأشرطته الدينية التي كانت توزّع في الكثير من البلدان الإسلاميّة.

عائض القرني من مواليد محافظة بلقرن الجنوبية في المملكة العربية السعودية، درس الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض، وكان أحد أبرز وجوه ما عُرف بـ«التيار الصحوي» في تسعينيات القرن الماضي، وبفضل ظهوره المكثّف في بداية سنوات الألفية الجديدة في شاشات التلفاز، ثم حضوره في وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح القرنيّ أحد أكثر الدعاة الإسلاميين شهرة، وأكثرهم متابعة في العالم العربي والإسلامي.

لكن هذه المسيرة الحافلة بالنجوميّة والشهرة لم تخلُ من السقطات المدوّية في نظر البعض، فمن الخطاب المتقلّب اتجاه السياسة والسُّلطة، إلى السرقات الأدبيّة في كُتُبه وبرامجه، تقلصت الصورة الملائكية التي رسمها له متابعوه ومريدوه، لتبدو صورة الداعية أكثر آدميّة، بكل مزاياها وأخطائها وتناقضاتها.

بدايات الصحوة.. والزنزانة التي ولد فيها «لا تحزن»

عرف عائض القرني في تسعينيات القرن الماضي انتشارًا وشهرة في الأوساط السلفيّة، وقد اتسم أسلوبه في تلك المرحلة بالخصائص نفسها التي عُرف بها الخطاب السلفيّ الوهابي ككل؛ فهو خطاب يتّسم بالحدة والشدة في المسائل الفقهية، والتشنيع على المخالفين، وقد كان هذا التيار يحظى في أيامه الأولى بمباركة رسمية وتشجيع حكومي، لكن الواقعة التي عجّلت بالصدام بين النظام السعودي وشيوخ الصحوة كانت دخول القوّات الأمريكية إلى السعودية بعد غزو صدام حسين الكويت، وقد رأى شيوخ الصحوة آنذاك، مثل: سلمان العودة، وسفر الحوالي، وموسى العمر، وغيرهم، حُرمة ذلك، في نفس الوقت الذي أيّدت فيه هيئة كبار العلماء التابعة للنظام السعودي هذا الإجراء باعتباره أخفّ الضررين.

اقرأ أيضًا: قبل أن تصبح طي النسيان.. ذكريات المجتمع السعودي في زمن الصحوة

ورغم أن عائض القرني لم يكن ممن اعترضوا على دخول القوّات الأمريكية إلى الأراضي السعودية، إلا أنّه أُدخل السجن في تلك الأجواء المشحونة بين إسلاميي الصحوة والنظام، خصوصًا بعد توقيعه على عريضة بعنوان «مذكّرة النصيحة» تُطالب الملك بإصلاحات في مختلف المجالات، وقد أيّد هذه المذكرة كبار الشيوخ السعوديين آنذاك، من بينهم ابن العثيمين وابن باز.

يقول عائض القرني عن تلك المذكّرة التي أُدخل بسببها السجن –حسبه– إنّه «لا يتبرّأ مما جاء فيها»، وإنما يرى أن الأسلوب لم يكن مناسبًا، كما أشار في لقاء آخر بأنه دخل السجن مدّة 10 أشهر بسبب قصيدة، وقد ألّف داخل السجن أشهر كتبه «لا تحزن».

بعد خروجه من السجن، عرف أسلوب عائض القرني تغيّرًا محسوسًا، إذ أجرى مراجعات متعلّقة بأساليب الدعوة، بذلك استطاع أن يصبح أقرب إلى عموم المشاهدين العرب، كما خفّ من نقده تجاه السلطة بشكل عام، وبذلك اتّسعت شهرته، واخترق جمهورًا جديدًا من المتابعين بعد أن كان محصورًا في الدوائر السلفيّة.

ويُعرف القرني بأسلوبه الذي يمزج بين الأدب والشعر والوعظ الصريح وحتى الفكاهة، إذ كثيرًا ما تحضر أشعار المتنبي في خطبه ودروسه الدينية، بالإضافة إلى سعة اطّلاعه على الكتب، واستشهاده بنماذج غربية لتقريب أفكاره ورسائله للمستمع، فيتحدّث في خطبه عن الكتب التي قرأها كمذكّرات نيلسون مانديلا، وماكسويل، وجولدا مائير، وغيرهم، وقد اشتهر أسلوبه بالنكتة والطرفة في كثير من دروسه.

أنا أقول إن على الجماعات الإسلامية أن تعيد قراءة التجربة الأولى، وأن تخرج ملفات التصادم مع الأنظمة الحاكمة وتدرس هل بالاستطاعة تغيير الأسلوب الأول إلى أسلوب فيه حوار وفيه مرونة. *عائض القرني

وبفضل هذا الخطاب الأكثر تسامحًا والأقل تصادمًا مع الحكومات؛ استطاع القرني أن يحقّق انتشارًا أكبر، سواء بظهوره في مختلف القنوات الفضائية، مثل قنوات «اقرأ» و«الرسالة» و«إم بي سي» وغيرها، بالإضافة إلى زياراته الكثيرة لعدّة دول وتنشيطه دروسًا دينيّة يحضرها عشرات الآلاف من المتابعين والمعجبين.

الربيع العربي: حرام علينا وحلال عليكم

ما أجمل العيد من دون الطغاة وما ألذّ أن تبصر السفّاح ينتحبُ. *شعر لعائض القرني

جاءت ثورات الربيع العربي على حين غرّة، وبصورة صادمة لجميع الطبقات والتيارات المختلفة في العالم العربي، ولم يكن الدعاة والشيوخ مستثنين من هذه الصدمة، وقد ارتبك الكثيرون واحتاروا في كيفية التعامل معها، ومع وصول الإسلاميين إلى السلطة في أكثر من بلد على غرار مصر وتونس والمغرب؛ أيّد بعض الدعاة هذه الثورات وتماشوا مع النفَس الثوري الذي كان يكتسح الشارع العربي.

اقرأ أيضًا: خطة السعودية للإصلاح: قمع الإصلاحيين والليبراليين

على سبيل المثال، كتب الشيخ سلمان العودة –أحد وجوه عصر الصحوة إلى جانب القرني– كتابًا أسماه «أسئلة الثورة» ولم يُخف تفاؤله ودعمه للثورات العربية، ولم يكن عائض القرني استثناءً من هذه الحالة، إذ أيّد الثورات العربيّة وأظهر دعمه لوصول الرئيس المعزول محمد مرسي إلى السلطة في مصر، كما زار تونس في سنة 2012، وأثنى على الثورة التونسية وعلى «الربيع العربي الإسلامي» على حدّ توصيفه، كما أنّه تلا أبياتًا في هجاء الرئيس اليمني المخلوع الراحل علي عبد الله صالح، في الوقت الذي كان الشارع اليمني يتظاهر ويطالب برحيله، وأبدى تأييده للثورة السورية ضد نظام بشار الأسد، ووصفه بالسفّاح في أكثر من محاضرة له.

لم يستطع الدعاة والشيوخ تجاهل التغييرات السياسية العميقة التي تحدث في العالم العربي بفعل الثورات، ورأوا أنفسهم أمام جمهور جديد، جمهور ما بعد الربيع الذي أسقط ديكتاتوريات عتيدة، وبالتالي كان عليهم –طوعًا أو كرهًا– تغيير خطابهم ليواكب الواقع الجديد الذي فرضته هذه الثورات؛ بينما بقي تيّار سلفيّ محدّد رافضًا لها، مُعتبرًا إيّاها فتنة وخروجًا غير شرعي عن ولي الأمر.

لكن رغم ذلك، بقي النظام السعودي خطًّا أحمر فوق النقد بالنسبة للقرني، فتأييد الثورات ومطالب الإصلاح في باقي البلدان العربية لا يستلزم تأييدها في الوطن الأمّ بالضرورة، ورغم بروز حراك إصلاحي –على محدوديّته– في السعودية بعد الربيع العربي، لم يصرّح عائض القرني في أيّ مناسبة بمطالب إصلاحية أو بتأييد للنشطاء الذين رفعوا للسلطات عرائض تطالب بإجراء إصلاحات لا تتجاوز العائلة الحاكمة، كما فعل الشيخ سلمان العودة في فبراير (شباط) من سنة 2011 بتوقيعه رفقة أكثر من 120 مثقّفًا وشخصية عامة على «عريضة إصلاحات» موجّهة إلى الملك الراحل عبد الله، تطالبه بإجراء إصلاحات سياسية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، والانتقال إلى ملكية دستورية.

اقرأ أيضًا: سلمان العودة.. شيخٌ أغضب الملك كلما تحدث أو صمت

عائض القرني.. طلاق مع السياسة وزواج مع السلطة

لعلّ عائض القرني كان من بين أكبر المستبشرين بوصول الملك سلمان إلى السلطة خلفًا لأخيه، فالشيخ والملك تربطهما علاقة استثنائية تتأرجح بين «القمع والإعجاب»، فقد ذكر القرني في أكثر من لقاء تلفزيوني وقائع جمعته بالملك سلمان أثناء عمله أميرًا للرياض، إذ أبدى الملك المستقبلي -آنذاك- إعجابه بكتابه الأشهر «لا تحزن»، كما أخبره مُمازحًا: «لو نعلم أنّك ستألّف مثله لأعدناك (إلى السجن) مرّة ثانية».

في ليلة واحدة نودّع ملكًا ونستقبل ملكًا بلا انقلاب ولا صواريخ ولا ضجيج. *عائض القرني

في سنة 2015، توفي الملك عبد الله وانتقلت السلطة في السعودية إلى أخيه سلمان، وقد استبشرت بعض الشخصيات من طبقة الدعاة والمشايخ بهذا التغيير، واعتقد البعض بأنه سيأتي بإصلاحات سياسية وحقوقية.

سلمان العودة في لقاء تلفزيوني قال إنّ «قواعد اللعبة تغيّرت» بعد مجيء الملك الجديد، لكنه لم يتصوّر أنها تغيّرت للأصعب، على الأقل بالنسبة لأوضاعه الشخصية، فقد سُجن بعدها بسنتين.

اقرأ أيضًا: «جحيم تحت الأرض».. ماذا تعرف عن التعذيب في السعودية بعيدًا عن «الكليشيهات»؟

الشيخ محسن العواجي من جانبه أيضًا كان من بين المستبشرين بهذا التغيير في أعلى هرم السلطة، وفي لقاء مصوّر له ذهب بعيدًا في تصوّراته المتفائلة عن شكل المرحلة المقبلة، إذ صرّح بأنّ «عصر المجاملات انتهى، 70 سنة ونحن نجامل ونقول البلاء من البطانة وطويل العمر لم يقصّر، هذه كلّها انتهت». في الواقع كان الأمر الذي انتهى بشكل مؤكّد بعد ذلك هو البرنامج التلفزيوني الذي ظهر فيه العواجي مع المذيع عبد الله المديفر، إذ تمّت إحالتهما للتحقيق، ومنعهما من الظهور الإعلامي مجدّدًا بأمر من الملك.

فيما بقي عائض القرني متحفّظًا في التعليق على السياسة، إذ كرّر في أكثر من موضع أنّه «طلّق السياسة نهائيًّا»، لكن تطليق السياسة عند القرني معناه الحقيقي تطليق المطالب الإصلاحية وتجاهلها، بينما لا يقع الطلاق على تأييد القرارات الحكومية بشكل مُطلق، مهما بدت مثيرة للجدل أو حتّى مُصادمة للقيم التي يدعو إليها في دروسه ومحاضراته الدينية.

في مارس (آذار) من سنة 2015، بدأت السعودية بالتعاون مع عدّة دول عربية في حملة عسكرية ضد الحوثيين في اليمن، في ما سميّ بـ«عاصمة الحزم»، وقد خلّفت الضربات الجوية على المدن اليمنية آلاف القتلى والجرحى المدنيين، بالإضافة إلى كارثة إنسانية وصحية بتفشّي أمراض الكوليرا والمجاعة.

لكن القرني لم يكن ينتبه لصور الأشلاء والضحايا والأطفال الجوعى من جراء الحملة السعودية، إذ كان مشغولًا بكتابة قصائد يمتدح فيها عاصفة الحزم والقائمين عليها، ويذكر بطولاتهم وآثارهم.

اقرأ أيضًا: بعد ألف يومٍ من الحرب.. ملخص ورقة بحثية تقدم لك «كورس» شاملًا في أزمة اليمن

في سبتمبر (أيلول) من سنة 2017، وبعد أيّام معدودة من الأزمة الخليجية، أمر ولي العهد السعودي بحملة من الاعتقالات في صفوف الشيوخ ذوي التوجّهات المعارضة الإصلاحيّة، وقد شملت هذه الحملة سلمان العودة، وعبد العزيز الطريفي، وعوض القرني، وعلي العمري، ومحمد موسى الشريف، وآخرين. وقد خرج عائض القرني سالِمًا من هذه الحملة التي شملت في ما بعد رجال أعمال وأكاديميين ومثقّفين.

لم يكن غياب اسم عائض القرني من قائمة المعتقلين مفاجئًا لأحد، فقد قدم لحريته قبل هذا من خلال التصريح مرارًا بأنه «طلّق» السياسة نهائيًّا، كما أنّه لم يتأخر يومًا في مبايعة وإعلان التأييد المطلق للملك ووليّ عهده في السنوات الماضية، بينما لم يتحدث عائض القرني في قضيّة اعتقال زملائه الشيوخ، أو في الأزمة الخليجية، على الأقل في العلن، أو حتى على مواقع التواصل الاجتماعي.

اقرأ أيضًا: بعد ألف يومٍ من الحرب.. ملخص ورقة بحثية تقدم لك «كورس» شاملًا في أزمة اليمن

السرقات الأدبية.. نقطة سوداء في ثوب رمادي

لكن بعيدًا عن الآراء والمواقف السياسية ذات الطبيعة الاجتهادية، والتي كثيرًا ما تعرف التغيّر والتقلّب حسب الظروف العامة والآراء الشخصية، خصوصًا في غياب أجواء الحرية الفكرية التي يشهدها العالم العربي والسعودية خصوصًا، فإن السياسة لم تكن المشكلة الوحيدة في خطاب عائض القرنيّ، فقد وجّهت له اتهامات قوية بالسرقة الأدبية في أكثر من حادثة، أوّلها كان قضية كتاب «لا تيأس» الذي أُدين فيه بالاعتداء على الحقوق الفكرية لكتاب آخر من تأليف سلوى العضيدان، وأمرت المحكمة بسحب الكتاب من السوق ومنع تداوله.

كما أن ورثة الكاتب عبد الرحمن باشا قد رفعوا عليه قضية بتهمة سرقة محتوى كتاب والدهم المعنون بـ«صور من حياة الصحابة»، واتهموه باستخدام محتوى الكتاب «حرفيًّا» في برنامج إذاعي دون أخذ إذن مسبق، وتشير صحف إلى صدور قرار بتغريمه 150 ألف ريال سعودي تعويضًا عن انتهاكه الملكية الفكرية للكتاب.

المصادر

تحميل المزيد