بسترة رمادية على قميص أبيض وقف «جوكر القصر» كما يصفه المعارضون في المغرب – وسط حشد كبير في قاعة كبرى لأحد الأندية الرياضية في الدار البيضاء، بعد حضور الجمهور من أحياء الطبقة العاملة في الدار البيضاء والمناطق الريفية المحيطة بها – على المنصة، وأمام صورة عملاقة للملك محمد السادس، قال أخنوش: إن نتائج الانتخابات الأخيرة كانت مخيبة للآمال، وأنه قد حان وقت إعادة التعبئة، على مدى السنوات الخمس المقبلة.

كان هذا اللقاء الجماهيري في يناير (كانون الثاني) 2017، بعدما تولى «عزيز أخنوش» رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، ورغم الثقة التي تحدث بها أمام الجمهور، وهو الرجل الذي يرى خصومه أنه جرى استدعاؤه على عَجلٍ، وقراءة هؤلاء الخصوم للمشهد السياسي – حينذاك – بأن القصر بنفسه هو الذي استدعى أخنوش ودعّمه من أجل مواجهة نفوذ الإسلاميين، لم يكن أحد ليتوقع أنه بعد ما يُقارب الخمس سنوات، سيتمكّن أخنوش من تصدر المشهد السياسي بأكمله.

تمكّن حزب التجمع الوطني للأحرار، برئاسة أخنوش، من حصد الأكثرية في البرلمان، بعد أن حصل على 102 مقعدًا من أصل 395 مقعدًا، في حين كان يملك 37 مقعدًا فقط في برلمان 2016، بل تمكّن حزب أخنوش من احتلال المرتبة الأولى في الانتخابات المحلية (التي جرت بالتوازي مع الانتخابات البرلمانية)، فحصل على 9995 مقعدًا من أصل 31 ألفًا و503 مقعدًا، وكذلك تصدّر انتخابات مجالس الجهات بـ196 من أصل 678 منصبًا.

المتابع الحريص للشأن المغربي، وتحديدًا خلال السنوات الخمس الماضية، ربما توقع صعود أخنوش السياسي على حساب الإسلاميين (بالطبع)، ولكن ليس بهذه السرعة؛ فمن يتتبع تاريخ الرجل السياسي يعي أن ما حدث خلال السنوات الماضية، وصولًا إلى تكليفه رسميًا بتشكيل الحكومة المغربية الجديدة في 10 سبتمبر (أيلول) 2021، يُعد تحولًا حادًا في مسيرة رجل الأعمال الأشهر في المغرب.

«سي عزيز».. سليل إمبراطورية اقتصادية

هكذا يُحب أن يناديه من حوله، فهو أحد أباطرة الاقتصاد المغربي، بل يمكن اعتباره أقوى الاقتصاديين في البلاد، إذا استثنينا العائلة المالكة، وذلك بالنظر إلى المجالات الإستراتيجية التي يستثمر فيها أخنوش، بل يحتكر بعضها.

وُلد أخنوش عام 1961 بتافراوت، إحدى ضواحي مدينة أكادير بجنوب المغرب، وحصل على شهادة في التسيير الإداري في جامعة شيربروك الكندية عام 1986، قبل أن يرث إمبراطورية أبيه الاقتصادية، فوالده هو «أحمد أولحاج أخنوش»، الأمازيغي الذي بدأ حياته موزعًا للبنزين عبر متجر صغير للغاية في «درب عمر» في الدار البيضاء، لكنه كان طموحًا وذو رؤية اقتصادية نافذة، فحاول الحصول على أول محطة وقود له في خمسينات القرن الماضي، قبل أن يمتلك محطة ثانية، ومن هنا انطلق في تأسيس العلامة التجارية «أفريقيا»، أول شركة مغربية تعمل بالكامل في مجال النفط.

احتل أخنوش الأب مكانته في المجتمع المغربي، من خلال دوره في تمويل الحركة الوطنية قبل الاستقلال (عام 1956)، وهو ما منحه علاقات سياسية بعد الاستقلال مكّنته من بناء إمبراطورية اقتصادية هائلة، ورغم ذلك لم ينخرط بقوة في السياسة، بل اكتفى فقط بالمساهمة في تأسيس حزب العمل المغربي عام 1974، فيما شغل صهره عبد الرحمان بنعبد العالي (خال أخنوش الابن) منصب وزير الأشغال العامة في خمسينات القرن الماضي.

بدأ عزيز من حيث انتهى أبوه؛ إذ بلغ صافي ثروته 2 مليار دولار، حسب تقديرات فوربس، وذلك بفضل حصته في مجموعة «أكوا»، وهي مجموعة مغربية مقرها الدار البيضاء، بالإضافة إلى كونه لاعبًا رئيسًا في صناعة النفط والغاز في البلاد؛ إذ يملك حوالي 50 مؤسسة اقتصادية بلغ متوسط ​​أرباحها 13 مليون دولار عام 2015.

وامتلك أخنوش أيضًا حصصًا في شركة «Afriquia Gas» (حوالي 22%)، وحصصًا في شركة «Maghreb Oxygene» (بنسبة 8%)، بالإضافة إلى مجموعة «Caractères Media Group»، ومنتجعًا فاخرًا للسياحة والجولف في خليج تغازوت.

وقد اختارت مجلة «فوربس الشرق الأوسط» زوجته وابنة عمه «سلوى إدريسي أخنوش»، في المرتبة 19 على قائمة سيدات الأعمال القويات لعام 2021؛ إذ أسست سلوى مجموعة «AKSAL» للبيع بالتجزئة في عام 2004، وجلبت العديد من الماركات العالمية إلى السوق المغربي، مثل: «Fendi»، و«Gucci»، و«Ralph Lauren»، و«Zara»، و«Pull & Bear»، و«Gap».

وخلال السنوات الأخيرة وُضعت العديد من علامات الاستفهام على مصادر ثروة أخنوش، وذلك بسبب التقارير التي كشفت أن شركة «أفريقيا» تجني أرباحًا طائلة من معاملات احتكارية، أو عن طريق رفع الأسعار خارج المعايير القانونية، وتذكر التقارير أن الشركة تحتكر وحدها 29% من حصة السوق في مجال النفط، وصارت الفاعل الأول فيه.

وفي هذا السياق تحدثت تقارير أخرى عن تضاعف ثروة أخنوش خلال جائحة كورونا؛ وذلك بسبب استثماراته مجال التكنولوجيا والرعاية الصحية والقطاعات الصناعية، وحققت شركاته خلال الوباء مكاسب تتراوح بين 36% و44%، ورغم نفي شركات أخنوش لما أوردته هذه التقارير، فإن مؤشرات فوربس تُظهِر أن ثروة أخنوش تضاعفت في الفترة من أبريل (نيسان) 2020 إلى أبريل 2021، من مليار دولار إلى 1.9 مليار دولار.

استدعاء رجل الأعمال لـ«ضبط» الساحة السياسية

من بين الأنشطة الملكية المتعددة، لم يكن من المعتاد أن يُهنئ الملك المغربي أحد السياسيين على توليه رئاسة أحد الأحزاب السياسية، لكنه في أكتوبر (تشرين الأول) 2016 قدم التهنئة لأخنوش عقب فوزه برئاسة حزب «التجمع الوطني للأحرار»، نحن نتحدث هنا عن الحزب الذي نشأ عام 1977 في كنف القصر الملكي، وكان مؤسسه «أحمد عصمان» صهر الملك الراحل الحسن الثاني، وأخنوش هو «صديق الملك» والوزير الوحيد الذي استقبل العاهل المغربي وعقيلته في منزله في الدار البيضاء لتناول وجبة إفطار خلال شهر رمضان قبل خمس سنوات مضت.

ولكن الأمر لم يبدُ وكأنه مجرد تهنئة تحكمها الصداقة والقرب السياسي، بل كان في نظر البعض إعلانًا بدخول فاعل سياسي جديد، يرعاه الملك، لإزاحة الإسلاميين من الحكومة، وربما الحياة السياسية، فقبل وصول أخنوش إلى رئاسة الحزب، لم يكن الملك ليُعوِّل على «التجمع الوطني للأحرار» في منافسة حزب العدالة والتنمية الإسلامي، وذلك بعدما حصد الحزب 52 مقعدًا فقط في انتخابات 2011، ثم 37 مقعدًا في انتخابات 2016، وكذلك فشلت محاولات موازنة حزب «العدالة والتنمية» عن طريق حزب «الأصالة والمعاصرة»، فبدا أخنوش في هذه اللحظة الرجل المناسب للمهمة.

دخل أخنوش المجال السياسي عام 2003؛ إذ تولى رئاسة مجلس «جهة سوس ماسة درعة»، ثم التحق بحزب التجمع عام 2007، ليصبح عضوًا في البرلمان وعلى أثر ذلك تولى وزارة «الفلاحة والصيد البحري» من 2007 حتى عام 2021، لكنه في عام 2011 تخلّى عن عضوية «التجمع الوطني للأحرار» الذي رفض المشاركة في حكومة «عبد الإله بنكيران»، فقرر أخنوش التمسك بمقعده الوزاري والاستقالة من الحزب، ليعود إليه مرة أخرى عام 2016 ملقيًا بنفسه بالكامل في الساحة السياسية.

كانت مهمة أخنوش الأولى تصعيب مهمة القيادي الإسلامي «عبد الإله بنكيران» في تشكيل الحكومة، بعدما استطاع حشد أحزاب المعارضة من حوله وتكوين جبهة موحدة ضد بن كيران، وهو ما نجح فيه بالفعل، لتأتي حكومة «سعد الدين العثماني»، والتي يبدو أنها رضخت لرغبات أخنوش.

وجود العثماني المعروف بشخصيته المهادنة على رأس الحكومة سهّل تقديم العديد من التنازلات للقصر، التي أضعفت صورة حزب العدالة والتنمية، وأفقدته نقاط قوته شعبيًا، سواء على المستوى الاقتصادي، أو الملفات السياسية المعقدة، وتحديدًا ملف التطبيع مع إسرائيل، وملف الإصلاحات الاقتصادية النيوليبرالية.

ورغم بعده نسبيًا عن أجواء التنافس الانتخابي قبل رئاسته للحزب وتركيزه على عمله وزير تكنوقراط، فإن أخنوش امتلك علاقات غير رسمية مع طيف واسع من السياسيين، ساعدته لاحقًا على الصعود السياسي السريع، فضلًا عن إمبراطوريته الإعلامية التي أسسها حديثًا، إذ استحوذت مجموعة «أكوا» على مجموعة شركات «بريس كاراكتير» الرائدة في سوق الإعلام بالمغرب، والتي تُصْدِر خمسة منابر إعلامية: الصحيفة اليومية «إيكو لايف»، والمجلة النسائية الشهرية التي تصدر باللغة الفرنسية «المرأة المغربية»، والمجلتين النسائية العربيتين «نساء من المغرب» و«نجمة»، وكذا مجلة «ميزون دي ماروك»، و«لو كوغييه دو لاطلس».

كما أن ثروته منحته القدرة على محاولة تقديم مزايا اقتصادية للقواعد الشعبية، إلى جانب إنفاقه على وسائل الدعاية، ومحاولات تجميل وجه الحزب، فأنفق خلال الشهور الستة الأخيرة أكثر من 270 ألف دولار على منشورات دعائية عبر منصتي «فيسبوك» و«إنستجرام»، وخلال أسبوع واحد، وهي الفترة المخصصة للدعاية الانتخابية من 29 أغسطس (آب)  – 4 سبتمبر، أنفق الحزب حوالي 65 ألف دولار.

وإلى الآن يبدو أن أخنوش نجح في هدفه، من ناحية إقصاء الإسلاميين، والوصول إلى قمة المشهد السياسي، وربما يطمح في تكرار تجربة رجال أعمال كثيرين اقتحموا مجال السياسة، ونجحوا في تثبيت أقدامهم فيه، بدءًا من «دونالد ترامب» في الولايات المتحدة، و«أندريه بابيس» في جمهورية التشيك، و«سيباستيان بينيرا» في تشيلي، وكذلك التجارب الأكثر نجاحًا مثل عائلة الحريري في لبنان، وعائلة برلسكوني في إيطاليا.

وبالنظر لنموذج عائلة الحريري، كونه النموذج العربي الوحيد فيما ذكُر من أمثلة سابقة، نجد أنه نموذج منسجم أساسًا مع طبيعة الحياة السياسية في لبنان، والتي تعتمد على نظام العائلات السياسية اللبنانية التقليدية، مثل جنبلاط، وفرنجية، والجميل، والتي بدورها تُوزِع النفوذ والثقل السياسي فيما بينها، وهو الأمر غير المُتحقِّق في المغرب، إذ يملك القصر موازين القوة الحقيقية، وما تقوم به الحكومات لا يعدو كونه استغلالًا لهامش الحركة الذي سمح به النظام الملكي.

هذا إلى جانب أن نمط العائلات السياسية ليس شائعًا في المغرب، غير أن عائلة أخنوش التي تمتلك إمبراطورية اقتصادية بدأت فعليًا في ترجمة مكانتها الاقتصادية لنفوذ سياسي تجلى في حصوله على رئاسة حزب سياسي كبير وتوليه رئاسة الوزراء الأمر الذي ربما يسعفه في تأسيس لتجربة حكم تمنح العائلات الاقتصادية مساحة جديدة – وربما ثابتة – من الثقل والنفوذ السياسي في المغرب.

المصادر

تحميل المزيد