«الأذان.. نداء ورسالة، عندما تنطلق هذه الرسالة بصوت جميل ومقام جميل وموسيقى جميلة أشعر بالسعادة من أعماقي، وفي تلك اللحظات مشاعري هي التي ترفع الأذان».  محمد كوتشيغيت – مؤذن مسجد السليمانية في إسطنبول

يعتبر الأذان باستخدام المقامات الموسيقية مذهبًا عثمانيًّا خالصًا؛ إذ كان معظم السلاطين يهتمون بالموسيقى، حتى أنهم أسسوا في قصور الخلافة مدرسة «الحفاظ الأنديرون»، والتي كانت تعنى بتدريس ونشر ثقافة المقامات الموسيقية خاصة في قراءة القرآن والأذان.

وحتى اليوم ما زالت تركيا تتميز بين بقية دول العالم الإسلامي بإتقان مؤذنيها لعلم المقامات وعذوبة أصواتهم، حيث يُرفع الأذان هناك لكل صلاة بمقام مختلف، فالفجر يكون على مقام الصبا، والظهر على مقام العشاق، والعصر على مقام الرست، والمغرب على مقام السيكا، وأخيرًا العشاء على مقام الحجاز، وهناك سر يقف وراء العلاقة بين التوقيت ونوع المقام الموسيقي، وهذا ما سنفصل له في تقريرنا فلكل أذان مقام.

1- الأذان على مقام الصبا

يمتاز مقام الصبا بالروحانية الجياشة والعاطفة، ودائمًا ما يترك انطباعًا لدى السامع بالحزن والرغبة في البكاء، ويؤكد بعض الموسيقيين على أنه لا ينافسه أي مقام آخر في درجة الحزن، ويستطيع المؤذن الذي يستخدم هذا المقام أن يعبر من خلاله تعبيرًا جيدًا عن تفاعله مع كلمات الأذان، عن طريق إتقان استخدام الجواب، والذي يكون من طبقة صوتية عالية، ويتبعه القرار الذي يكون من طبقة صوتية منخفضة.

ومن المرات اللافتة للانتباه التي رفع بها الأذان بمقام الصبا عندما وثق أحد زوار الحرم المكي في عام 2014 رفع أذان الفجر في الحرم بهذا المقام لأول مرة، فعلى مدى سنوات طويلة كان الأذان يرفع غالبًا بالمقام الحجازي، وأحيانًا يكون هناك دمج بين بعض المقامات، مثلما كان يفعل الشيخ علي ملا عندما يدمج بين المقامين الحجازي، والمدني.

وفي المدينة المنورة وتحديدًا في مسجد قباء هناك تسجيل متميز للأذان بمقام الصبا بصوت الشيخ عبد المجيد السريحي، والذي انتقل الآن إلى المسجد النبوي ليصبح أحد مؤذنيه:

2- الأذان على مقام النهاوند

يمزج مقام النهاوند بين الحزن والفرح والحنين، وتقرأ به غالبًا آيات الدعاء والآيات التي تبين جلال الله، وفيها ذكر للجنة والمؤمنين، وفي التاريخ الموسيقي يعد من أعرق المقامات العربية خلافًا لما يظنه البعض، وسُمي على اسم مدينة «نهاوند» الفارسية.

وتختلف تسمية مقام النهاوند باختلاف الدولة ففي الجزائر يطلق عليه «رهاوي» أو «الساحلي»، و«محيّر سيكاه» في تونس، وفي تركيا يسمى «بوسلك» أو «سلطاني يكاه»، ويتفرع من النهاوند مقام «النهاوند المرصع» والذي يختلف عنه اختلافًا طفيفًا.

3- الأذان على مقام العجم

يطلقون عليه مقام الملوك والعظماء لأن نغماته تدل على القوة والرفع من قدر الشيء، وهو من المقامات الشرقية الأساسية، وأبدع في استخدمه أهل المشرق كالعرب والفرس والهنود والترك، ويميل مقام العجم إلى الدقة والسلاسة، ويستخدم أحيانًا في بناء الجمل اللحنية الخاصة بالدول مثل السلام الملكي أو الجمهوري، وفي القراءات يحبذ استخدامه في الآيات التي تحدد المصير، ويمكن التعرف بشكل أدق على انطباع هذا المقام في الأذان من خلال هذا المقطع الخاشع بصوت الشيخ يوسف الديك:

4- الأذان على مقام البيات

يوصف بالسهل الممتنع؛ فهو هادئ كالبحر العميق، وتظهر فيه لمحات الخشوع والرهبانية، وعندما يستخدم في قراءة القرآن تبدأ به القراءة وتنتهي، وفي الأذان يستحب استخدام مقام العشاق المتفرع من مقام البيات عند هطول المطر، أو في التبليغ أثناء الصلاة في الحرم المكي.

ومن الناحية الموسيقية المتخصصة فهو مثل مقام «الراست» و«الصبا» مقام شرقي أصيل، لا يمكن عزفه بالآلات الغربية كالبيانو والجيتار وغيرها، ومما يؤكد على شرقيته أن آلة «الربابة» المنتشرة قديمًا في الجزيرة العربية لا تعزف إلا على مقام البيات فقط.

وفيما يلي مجموعة مسجلة من روائع الأذان بمقام البيات، أو المقامات المتفرعة منه:

الأذان بمقام البيات للمنشد السعودي فيصل لبان:

الأذان بمقام العشاق للشيخ عبدالله الزيلعي- جامع الراجحي بمدينة أبها السعودية:

الأذان بمقام الحسيني للشيخ السوري رضوان عريجة:

5- الأذان على مقام السيكا

ترجع كلمة «سيكا» إلى اللغة الفارسية، وهي مكونة من جزأين «سي» وتعني ثلاثة، و«كا» أي الوتر الثالث، ويمتاز مقام السيكا بين بقية المقامات بالبطء والترسل، ويظهر فيه شيء من الندب والشجون، وعندما يتلى به القرآن فإنه يساعد على التفكر والتأمل، ومن أشهر الشيوخ الذين رفعوا الأذان بهذا المقام الشيخ محمد رفعت:

ومن أهم المقامات التي تتفرع من مقام السيكا هو مقام راحة الأرواح، وفي هذا المقطع نستمع للأذان بذلك المقام، بصوت الفنان السوري الراحل صبري مدلل، والذي اشتهر بغناء الموشحات:

6- الأذان على مقام الحجاز

يرفع معظم المؤذنين الأذان على مقام الحجاز نظرًا لما تحمله نغماته من رصانة ووقار، ويصفه الموسيقي المصري مصطفى سعيد بأنه «مقام ذو طابع معتدل، لا بسطي ولا قبضي، به وقار، به دلال، في ذات الوقت، به فرح وبه حزن لو لزم الأمر».

ومقام الحجاز هو واحد من أعرق المقامات الشرقية، وتعود أصوله التاريخية إلى أرض الحجاز، إلا أنه منتشر أيضًا في بلاد فارس والعراق والشام ومصر والمغرب العربي، وعند الاستماع إلى نغماته نلحظ غزارة الشعور، وكأنه مقام مملوء بالأسى والشفقة.

ومن نوادر التسجيلات للأذان على مقام الحجاز

بصوت الشيخ محمد صلاح الدين كبارة:

بصوت الشيخ محمد محمود الطبلاوي:

بصوت الشيخ سيد النقشبندي:

 

7- الأذان على مقام الراست

يعتبره البعض المقام الرئيسي في الموسيقى الشرقية، ولذلك يطلقون عليه أحيانًا تسمية «أبو المقامات»، نظرًا لأنه أكثر المقامات الموسيقية وضوحًا في الشخصية وتعبيرًا عنها، وهو من المقامات التي يكثر رفع الأذان بها.

وراست هي كلمة فارسية تعني مستقيم، أو أساس، وفي الكتب الموسيقية في العصر العباسي كان يعرف هذا المقام بالاسم العربي، أي المستقيم، ولكن بدايةً من القرن الرابع عشر عُرف بالراست حتى في الكتب المكتوبة باللغة العربية.

وأما طابع المقام فهو طابع بسطي على حد قول معظم المنظرين، وأيضًا المستمعون يقولون إنه مقام يبعث الانبساط والسعادة، ودائمًا كانوا يقولون: «إذا جنّ عليك الليل فارست» يعني فاعزف من مقام الرست.

ومن أفضل المقاطع المسجلة للأذان بمقام الراست هذا المقطع الذي يتبادل فيه الأذان اثنان من المؤذنين الأتراك:

وفي مصر صدح بالأذان على هذا المقام الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي:

وكذلك الشيخ راغب غلوش:

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد