يردد البعض ساخرًا هذه الأيام، أن الإجراءات الأمنية التي تقوم بها السلطات العربية من أجل منع تسرب اختبارات الباكالوريا تشبه إلى حد كبير جهود منع تسرب الإشعاعات من المفاعلات النووية، إذ لا تخلو في كل عام اختبارات الباكالوريا من الفوضى والتسريبات والغش، رغم كل المجهودات الأمنية لتأمينها. وكانت الجزائر والمغرب ومصر أبرز الدول التي عرفت تسريبات لامتحانات الباكالوريا هذه السنة.

الجزائر تعيش فضيحة التسريب

لاتزال وسائل الإعلام الجزائرية تتحدث حتى الساعة عن الفضيحة المدوية بخصوص امتحانات الباكالوريا، حيث جرى تسريب اختبارات مواد التاريخ والجغرافيا والفيزياء والفرنسية، وتم تداولها بين الطلاب على مواقع التواصل الاجتماعي قبل موعد الاختبار، مما خلف موجة استياء وجدل لدى الرأي العام بالجزائر.

https://www.youtube.com/watch?v=eN16NleBT9U

وبحسب وزارة التربية الوطنية الجزائرية، رُصدت 15 صفحة و150 حسابًا على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، قام بتسريب الاختبارات.

وسببت الفضيحة ارتباكًا واضحًا لدى وزارة التربية الوطنية الجزائرية، في تعاملها مع تداعيات القضية، حيث طالب التلاميذ بإعادة جميع اختبارات الباكالوريا، بينما رأت الوزارة أن تعاد فقط المواد التي ثبت تسريبها.

من جانبها، اعتبرت وزيرة التربية الجزائرية نورة بن غبريط، أن من سرب امتحانات الباكالوريا كان يسعى بالأساس إلى المساس بالدولة الجزائرية متهمة جهات خارجية، وأعلنت فتح تحقيق قضائي بشأن المتورطين، تتكلف به مصالح الوقاية من جرائم الإعلام الإلكتروني وجرائم المعلوماتية.

في السياق ذاته، اعتقلت مصالح الدرك الجزائرية أكثر من 50 شخصًا يشتبه تورطهم في التسريب، وقدم 10 أشخاص أمام المحكمة على خلفية تورطهم في تسريب أسئلة الباكالوريا، فيما تم التحقيق مع 20 موظفًا بالديوان الوطني للامتحانات والمسابقات، المشرف على إعداد اختبار الباكالوريا، وأصدرت في حقهم مذكرة لمنعهم من مغادرة التراب الوطني بينما ما تزال التحقيقات متواصلة في مشتبهين آخرين.

أما بالنسبة للطلبة المتلبسين بالغش، فقد أعلنت وزارة التربية الوطنية إقصاء 221 مترشحًا فورًا بسبب استعمالهم للهواتف النقالة، فيما حرم 907 مرشحين من اجتياز مباراة الباكالوريا نتيجة تأخرهم عن الموعد المحدد للاختبار. واعترفت الوزارة ببعض الأخطاء المرتكبة في تنظيم دورة اختبارات الباكالوريا لهذه السنة، ووعدت بتطوير أساليب العمل لجعلها تتماشى مع التطور التكنولوجي، الذي أصبح يخلق تحديات صعبة أمام المؤسسات ذاتها.

المغرب يطارد المسربين

المغرب كعادته في كل سنة لم يكن خارج فضيحة تسريبات اختبارات الباكالوريا، فبعد أن تعهد وزير التربية الوطنية المغربي رشيد بلمختار بمنع تكرار ما وقع في باكالوريا 2015، عندما سربت اختبارات بعض المواد قبل موعدها بيوم، مؤكدًا على اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتأمين امتحانات باكالوريا 2016، لم يجد ذلك نفعًا، إذ تكررت فضيحة التسريب مرة أخرى وإن بدرجة أقل.

وقد تمكنت مصالح الشرطة القضائية في جهودها لزجر مسربي امتحانات الباكالوريا من توقيف 21 شخصًا مشتبهًا تورطهم في محاولة التسريب، بكل من سلا، والرباط، وتمارة، والقنيطرة، وطنجة، ومراكش، وفاس. ومن بين المتورطين مرشحون في امتحانات الباكالوريا، وتقنيون في نظم المعلومات، وطلبة من معاهد التكنولوجيا.

ونجحت التحريات الأمنية بالتنسيق مع قسم مكافحة الجرائم المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة ومختبرات التحليل الرقمية، في رصد مجموعة من الصفحات بأسماء مختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي وكذا العديد من الإعلانات المنشورة على شبكة الإنترنت، التي كانت تسرب أسئلة الاختبارات مع الأجوبة.

المشتبهون في تسريب بعض مواد امتحانات الباكالوريا، شيدوا مجموعات سرية على تطبيق «واتساب»، ثم عرضوا التسريبات أمام مرشحي الباكالوريا لقاء مبالغ مالية. وتم فتح تحقيق قضائي مع جميع المشتبه فيهم، تحت إشراف النيابات العامة المختصة، فيما قامت السلطات الأمنية المعنية بإحالة المعدات الإلكترونية المحجوزة على مختبرات تحليل الآثار الرقمية بهدف إخضاعها لمزيد من التدقيق.

من جهة أخرى، يغامر بعض المرشحين لامتحانات الباكالوريا بالرغم من كل العقوبات الزجرية بالاعتماد على الغش كطريق للنجاح، مستعينين بخبراتهم الإبداعية في هذا المجال وبشتى الوسائل التي لا تخطر على بال، بداية من التمائم، ومرورًا بالأجهزة الذكية المتقدمة، وانتهاء بـ«جنود الخفاء» خارج القاعة، واعتقل حتى الآن ستة مرشحين متلبسين بالغش.

مصر تعاقب بالسجن «الغشاشين»

مصر شهدت هي الأخرى تسريبات لمادة التربية الدينية في امتحانات الثانوية العامة، حيث تلاحق السلطات الأمنية المصرية مسربي الاختبار، والقائمين على الصفحات الاجتماعية المسؤولة عن نشر التسريبات على شبكة الإنترنت.

وكان وزير التربية والتعليم المصري قد أمر بتفعيل مرسوم قانون 101 لعام 2015 بخصوص عقوبة الغش في امتحانات الثانوية العامة، المرسوم الذي أقره سابقًا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في نهاية العام الماضي.

يعاقب هذا القانون كل من ثبتت إدانته بتسريب أسئلة أو أجوبة الامتحان خارج القاعة خلال انعقاده، بالسجن لفترة تتراوح بين السنة والثلاث سنوات وبغرامة مالية تقدر قيمتها ما بين ألفين و5 آلاف يورو.

ماذا يقول المختصون عن الغش في الامتحانات؟

صارت ظاهرة الغش شائعة بين طلاب الامتحانات في العالم العربي تحديدًا، ما يثير تساؤلات حول جذور هذه المشكلة التربوية، التي تسيء إلى مبدأ تكافؤ الفرص أمام ورقة الامتحان.

بالنسبة للخبير التربوي، محمود شمال، يرى بأن الشباب اليوم يستغلون وسائل الاتصال الحديثة والأجهزة الذكية في عملية الغش، مما صَعّب مهمة ضمان الحفاظ على شفافية الاختبارات كما كان في السابق، مؤكدًا على أن الغش يعد من أبرز العوامل التي تؤثر في التحصيل العلمي لدى الطلاب مستقبلًا في المرحلة الجامعية.

أما بالنسبة للأستاذ المتقاعد موريس شربل فيشير إلى أن ظاهرة الغش هي مشكلة تربوية بالأساس ترتبط بالمنظومة التعليمية ككل، ويتحمل فيها الطلاب والمدرسون المسؤولية، مشددًا على أهمية غرس عنصر الثقة لدى الأطفال خلال التنشئة الاجتماعية لتجاوز ظاهرة الغش، العنصر لذي يبدو غيابه واضحًا لدى المتعاطين مع هذه الظاهرة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد