حالة من الضبابية والتراشق الإعلامي تسود الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب تضييق الحريات، بعدما ظن المواطنون في توقيع اتفاق المصالحة وحكومة الوفاق الوطنية التي تشكلت قبل أسبوع ونصف خيرًا، إلا أن الوضع يزداد سوءًا يومًا بعد يوم خاصة مع تفاقم أوضاع الأسرى الإداريين المضربين عن الطعام في السجون الإسرائيلية لليوم الـ 49 على التوالي.

وكانت أجهزة السلطة الفلسطينية في الضفة المحتلة اعتدت على أهالي وزوجات الأسرى المضربين عن الطعام بعدما تعرضوا إلى الضرب والسحل والاعتقال، كزوجة الأسير عباس السيد (من حركة حماس)، والنائبين في المجلس التشريعي حسن يوسف وفتحي القرعاوي، والقيادي نزيه أبو عون في نابلس.

وتصاعدت ردود الفعل حيال ذلك من قبل حركة حماس في غزة والضفة، وسط مطالبات بتشكيل لجنة تحقيق للنظر في أهداف الاعتداء، والوقوف على خلفية هذه الاعتداءات التي لا تخدم إلى الاحتلال الإسرائيلي، حسب وجهة نظر حماس.

اتهامات متبادلة

زوجة الأسير عباس السيد بعد الاعتداء عليها خلال مسيرة التضامن مع الأسرى

واعتبرت الحركة أن الاعتداءات دليل واضح على الدور القذر الذي تقوم به أدوات التنسيق الأمني في الضفة، واستجابة سريعة لأوامر رئيس وزراء الاحتلال للتحرك ضدّ الحركة، داعية في الوقت نفسه جميع الأطراف بالوقوف عند مسؤولياتهم، ولجم العناصر “المنفلتة” التي تريد تخريب المصالحة وإعادة الأمور لمربع الانقسام.

وفي تعقيب له على اتهامات قيادي حماس، قال المتحدث باسم الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة المحتلة، عدنان الضميري: “إن قيادة حماس تسعى إلى تفجير الوضع الداخلي في الضفة الغربية”، مشيرًا إلى أن النائب عن حماس حسن يوسف “قام بالاعتداء بالضرب، ورش غاز في وجوه عناصر الأجهزة الأمنية”.

ونفى الضميري حصول حركة حماس على أي إذن من الجهات المختصة بالقيام بمسيرات، مضيفًا: “الحركة بالضفة الغربية تستغل قضية الأسرى لتنفيذ أجندتها، وتصدير أزمتها الداخلية”.

هذا الاعتداء والتراشق الإعلامي، وتبادل الاتهامات بين “فتح وحماس” جاء بعد أسبوع ونصف من تشكيل حكومة الوفاق الوطني التي وحدت شطري الوطن بعد انقسام دام 8 سنوات.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد في الضفة المحتلة، ليشكل إغلاق البنوك من قبل الشرطة في غزة أزمة جديدة تضاف إلى مجموعة الأزمات الماضية، لليوم الثامن على التوالي، وذلك بعدما منعت الشرطة الموظفين المحسوبين على حكومة رام الله من تقاضي رواتبهم، بسبب عدم تقاضي موظفين لحكومة حماس السابقة رواتبهم من حكومة الوفاق، كما نص اتفاق المصالحة، وفقـًا لحركتي” فتح وحماس”.

عقبات متجذرة

اعتصام موظفي رام الله أمام أحد البنوك في غزة بعد إغلاقها من قبل الشرطة

ويعد ملف التنسيق الأمني، ودفع الرواتب لموظفي غزة والضفة المحتلة من أبرز العقبات التي تواجه حكومة الوفاق الجديدة، حيث أكد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أن اتفاق المصالحة الذي تم مع حماس والذي تمخّض عن حكومة توافق وطني “كان على أرضيتنا وشروطنا”، مشيرًا إلى أن “حماس” استوعبت الدرس وقبلت المصالحة.

تأكيد على السابق

وقال الرئيس عباس، في مقابلة مع قناة “صدى البلد” المصرية: “إن حماس بدأت تفهم أنه ليس أمامها إلا أن تكون هناك مصالحة، لأن هذه التجربة التي خاضتها في غزة لا يمكن لها أن تعيش بهذا الشكل”.

وتابع “بصراحة، المصالحة تمت على أرضيتنا، وشروطنا، واتفقنا على حكومة تكنوقراط مستقلة، حكومة توافق وطني وليست حكومة وحدة وطنية والتي ربما تأتي بعد الانتخابات”.

وأضاف “اتفقنا أن تلتزم حكومة التوافق بسياستي التي أرسمها، تعترف بإسرائيل وتنبذ العنف وتقبل بالشرعية الدولية وتقبل بالمقاومة الشعبية السلمية وتقبل بالمفاوضات، وبما بيننا وبين الإسرائيليين من تنسيق أمني وغيره. أقول بمنتهى الصراحة، هذه هي الحكومة، وقبل هذا، وبما أنه قبل أن ننطلق إلى المرحلة الثانية وهي الانتخابات”.

ورفض عباس بشدة المطالبات بوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، وقال “لن أوقف التنسيق الأمني -هذا كلام ليس له شعبية- لكن لن أوقف التنسيق الأمني”، على حد تعبيره.

كما رفض الرئيس الفلسطيني اعتبار أن هناك وجودًا للمقاومة في قطاع غزة، وقال في غزة “هناك تنسيق أمني حديدي مع إسرائيل”، مذكرًا في الوقت نفسه باتفاق التهدئة عام 2012 الذي تم التوصل إليه بين المقاومة والحكومة الإسرائيلية برعاية الرئيس المصري المعزول محمد مرسي وبوجود وزيرة الخارجية الأميركية في حينه هيلاري كلينتون.


وقد قوبلت تصريحات عباس هذه بانتقادات واسعة حيث حذر الدكتور يحيى موسى، رئيس لجنة الحريات وحقوق الإنسان في المجلس التشريعي الفلسطيني، من أن تصريحات عباس الأخيرة “تقسم الوطن والشعب الفلسطيني، وتمس دستوريته رئيسًا للسلطة”.

وقال موسى “هذه التصريحات لمحمود عباس تمس بدوره الدستوري كونه رئيسًا للسلطة، لأنه بذلك يقسم الشعب إلى شعبين ويخل بالنزاهة الدستورية، ولأنه لا يساوي بين أبناء الشعب الفلسطيني”.

من جهته اعتبر القيادي في حماس النائب في المجلس التشريعي الفلسطيني يحيى العبادسة تصريحات عباس بمثابة تقديم وثائق اعتماد لدى بعض الأطراف الإقليمية والدولية، وأكد أن حكومة التوافق لا تحمل برنامجًا سياسيًا وإنما هي ذات مهمات إدارية وتنظيمية.

ونفى العبادسة وجود إشكالات حول المصالحة، وأشار إلى أن ما يثير الغموض بشأن مصير المصالحة هو التصريحات التي يطلقها الرئيس محمود عباس بشأن طبيعة هذه الحكومة ومهماتها.

وقال “الإشكال في الساحة الفلسطينية ليس في المصالحة، لكن مشكلتنا في الرئيس محمود عباس كمتفرج وكمتسلط ومصادر للقرار الوطني الفلسطيني، وهو للأسف الشديد مستمر في تشتيت الشعب الفلسطيني ومصادمة كل مواقفه الوطنية، فالرجل يحاول أن يستعمل ما لديه من أوراق بطريقة غير قانونية وغير دستورية، وهذا يدمر الوفاق ويعكس سلوكًا غير وطني وكل ذلك من أجل تقديم أوراق اعتماد لدى قوى إقليمية ودولية”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد