“أنتِ امرأة قبيحة ورديئة وقديمة وبالية وضعيفة الفكر”، كان هذا هو ردّ “زعيم” حزب مجتمع السلم (حمس)، الحزب الإسلامي الجزائري الذي يقاطع الانتخابات الرئاسية، على اتهامات “زعيمة” حزب العمال، لويزة حنون، المرشحة للانتخابات الرئاسية المقبلة، لمقاطعي الانتخابات الرئاسية الجزائرية، بـ”العمالة” للخارج.

أنت إسلامي..أنت عميل!

كلام عبد الرزاق مقري، رئيس حركة مجتمع السلم أو “إخوان” الجزائر، كما يرى ذلك العديد من الجزائريين، كان يريد من خلاله الرد على اتهامات وجّهتها لويزة حنون إلى قوى المعارضة التي تدعو إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية، اتهمتها من خلالها بأنها “تثير الفتنة ومدعومة من الخارج وتحرض على إثارة المشاكل في البلاد”.

وبالرغم من أن كلام لويزة و”اتهاماتها” جاءت بصيغة الجمع وتقصد “قوى” سياسية عدة تقاطع انتخابات الرئاسة المقبلة، إلا أن تلك الاتهامات سرعان ما انصبت على “لون سياسي” ذي حساسية إسلامية لوحده، وينظر إليه بكونه مع الحراك العربي الذي اجتاح المنطقة منذ أزيد من ثلاث سنوات، في وقت لا تتردد السلطات الجزائرية في إعلان “رفضها” لذاك الحراك.

حنون اتهمت زعيم “إخوان” الجزائر بقيادة مؤسسات تابعة للمخابرات الأمريكية، وكانت تقصد بذلك أن عبد الرزاق مقري يدير مؤسسة “فريدم هاوس” الأمريكية، وهو ما جعل البعض يقارن بين هذه الاتهامات و”الاتهامات” التي ما فتئت توجه إلى “الإخوان المسلمين”، سواء بداخل مصر، أو بغيرها من الدول، والمتعلقة بكون “الإخوان” يخدمون أجندات خارجية، وبسعيهم إلى الاعتماد على قوى خارجية من أجل الاستفراد بالحكم، بعدما وصلوا إليه في أكثر من بلاد عربية، وغيرها من الاتهامات، التي ذهبت إلى حد جعل جماعة “الإخوان المسلمين” منظمة إرهابية كما أعلنت ذلك صراحة وبقوانين ومراسيم الحكومة السعودية، بعد إصدار “حليفتها” المصرية نفس المراسيم والقوانين.

حمس وإخوان مُرسي !

برأي المتتبعين للشأن السياسي الجزائري، وبخاصة المهتمين بما يسمى الإسلام السياسي، فإن هناك “علاقة قوية” بين “إخوان” الجزائر (أي حركة حمس) و”إخوان مصر”، وهو ما لا تكاد عين المتتبع تخطئه وتراه بالملموس من خلال تحركات وتصريحات قادة (حمس) إزاء ما يجري في مصر، بعكس باقي ألوان طيف الإسلام السياسي الجزائري الأخرى من أحزاب وحركات، كحركة “النهضة” وحركة “الإصلاح” و”جبهة العدالة والتنمية” و”جبهة التغيير”، هذه التيارات وإن كانت عبرت هي الأخرى عن رفضها لما جرى في مصر، إلا أن ذلك لم يكن في مستوى “استمرارية” وتتبع “إخوان” (حمس) لمستجدات الواقع المصري.

في ذات السياق فإن وسائل الإعلام الجزائرية المختلفة لا تتردد في تتبع التصريحات المتواترة لزعيم الحركة على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك) والمؤيدة في غالبيتها لـ”الإخوان المسلمين” المصريين، بل من بين تلك التصريحات من لا تخفي رفضها لـ”حكم العسكر وتحذيرها من أن يقود ذلك البلاد المصرية إلى حرب أهلية وإلى دمار”، كما نقل موقع جريدة “الخبر” الجزائرية في أحد التقارير.

حمس وجبهة الإنقاذ !

توجس البعض من “إخوان” الجزائر بدا واضحًا من خلال اتهام حركة (حمس) بأنها كانت تسعى إلى “استنفار” أتباعها وحشدهم للعودة إلى الحكم، بعدما مُنعوا منه من طرف الجيش الجزائري مع انطلاق العقد الأخير من القرن الماضي، عندما تدخل وألغى الانتخابات التشريعية التي فازت بها في شهر يونيو 1991 الحركة الأم ( الجبهة الإسلامية للإنقاذ)، قبل أن يقدم وزير الدفاع آنذاك الجنرال خالد نزار الذي “أرغم” وقتها الرئيس الشاذلي بن جديد على التنحي، فألغى تلك الانتخابات بدعوى أن القوة الإسلامية التي فازت تهدد الدولة الجزائرية الديمقراطية الفتية، وهو ما جعله لاحقًا يصدر قرارًا بحل “الجبهة الإسلامية للإنقاذ”، لتدخل الجزائر بعدها في تلك الدوامة من العنف التي يعرفها الجميع، والتي سميت بالعشرية السوداء أو الدموية، في إشارة إلى عقد تسعينيات القرن الماضي.

وبرأي هذا “البعض” فإن “فشل” أو “إسقاط” الإخوان المسلمين في مصر، و”تعثر” حركة النهضة الإسلامية في تونس، و”انشغال” إسلاميي ليبيا في الصراعات الداخلية السياسية والأمنية، جعل “إخوان” الجزائر يتراجعون إلى حين تنجلي الأمور.

مناورات السلطة

يبدو أن الوضع المحتقن الحالي الذي تمر به الجزائر، بسبب إقدام الرئيس الجزائري المريض على خوض انتخابات الرئاسة للمرة الرابعة بالرغم من مرضه، وهو ما جعله لا يقوى حتى على القيام بالحملة الانتخابية على غرار المنافسين الخمسة الآخرين، في سابقة من نوعها في العالم، وكذا بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية غير المريحة التي تمر منها البلاد، جعل السلطة تسعى إلى “لجم وكبح” أي تحرك لا سيما من قبل الإسلاميين؛ ولعل ذلك ما بدا واضحًا في قمع السلطات لكل الاحتجاجات الشعبية الرافضة لـ”العهدة الرابعة” للرئيس الجزائري الحالي، خشية أن تتوسع تلك الاحتجاجات.

إنها الاحتجاجات التي تذكر النظام الجزائري بـ”الربيع العربي” الذي “يكرهه”، وهو ما لم ولن يخفيه ساسة الجزائر، سواء في تصريحاتهم بخصوص الثورتين التونسية والليبية، بل إن تقارير سابقة وكذا ثوار ليبيين اتهموا النظام الجزائري صراحة بدعمه للعقيد الليبي معمر القذافي أثناء قيام الثورة، أو من خلال الموقف الأخير في قمة الجامعة العربية بالكويت عندما تزعمت الجزائر بضع دول رفضت تسليم المقعد السوري الشاغر بالجامعة لائتلاف المعارضة السورية.

ويبدو هذا الرفض واضحًا أيضًا للنظام الجزائري، وكذا تخوفه من انطلاق هذا “الربيع” الذي كان يتم صده عند كل محاولة اندلاع، من خلال التصريحات التي نسبت لرئيس الحكومة الجزائرية المستقيل ورئيس الحملة الانتخابية للرئيس بوتفليقة، عبد المالك سلال، والتي اتهم فيها المحتجين على ترشح الرئيس بأنه يريدون جلب الربيع العربي، بل وتهجم عليهم بألفاظ تحقيرية شبههم من خلالها بحشرات ينبغي إبادتها بمبيد الحشرات.

“إخوان” الجزائر يرفضون هذه الاتهامات وهم وإن كانوا ضد ترشح الرئيس الحالي لرئاسيات 17 أبريل المقبل، فإنهم، برأي البعض، لم يستطيعوا التفاعل مع “الربيع العربي” حتى في قمة يناعته عندما كان يجتاح جل الدول العربية، بأحرى أن يدعوا إليه في هذه الظرف؛ حيث يتم إصدار القوانين بجعل الإسلاميين إرهابيين، وتصدر الأحكام بالإعدام، زمرًا زُمرًا ضد هؤلاء الإسلاميين، وتنصب المقاصل للبدء في سفك دماء هؤلاء!!

إنها فقط مناورات السلطة وذلك من خلال البحث عن “عدو وهمي”، داخلي، لترسيخ أقدامها وتكريس تشبثها بالحكم، كما يرى البعض.

عرض التعليقات
تحميل المزيد