اكتشف علماء يابانيون نوعًا جديدًا من أنواع البكتيريا القادرة على «أكل» واحد من أكثر أنواع البلاستيك انتشارًا على مستوى العالم كله. وقد فتح هذا الاكتشاف الباب لتحقيق حلم العالم بالتخلص الآمن من البلاستيك، الذي يسبب مشاكل بيئية لا تنتهي.

اكتشف علماء يابانيون نوعًا جديدًا من أنواع البكتيريا القادرة على أكل واحد من أكثر أنواع البلاستيك انتشارًا على مستوى العالم كله. وقد فتح هذا الاكتشاف الباب لتحقيق حلم العالم، بالتخلص الآمن من البلاستيك الذي يسبب مشاكل بيئية لا تنتهي.

وينتج العالم قرابة 50 مليون طن من هذا البلاستيك كل عام، وبالتالي أصبح العالم يعاني من مشكلة حقيقية في التخلص من هذه الكمية بعد استخدامها، وإلقائها في القمامة.

الاكتشاف الجديد

وطبقًا للبحث الذي نشرته صحيفة ساينس (science) العلمية المتخصصة، فإن الاكتشاف تم على أيدي باحثين من معهد «كيوتو Kyoto» للتكنولوجيا بالتعاون مع جامعة «كيو Keio». هذا الاكتشاف من الممكن أن يكون نقطة تحول تاريخية بالنسبة للتعامل مع النفايات البلاستيكية، التي تتميز بأنها لا تتحلل حيويًّا أو بكتيريًّا.

وعن كيفية الوصول لهذا الاكتشاف، فإن الباحثين جمعوا 250 عينة مختلفة وملوثة من هذا النوع من البلاستيك. التلوث هنا معناه أن البلاستيك غير نظيف، وأنه تعرض لإحدى المواد الملوثة الموجودة في أماكن إعادة التصنيع، مثل التربة والمجاري وبعض أماكن الترسبات. وأجرى الباحثون عملية مسح شامل لأنواع البكتيريا والميكروبات التي تعيش في هذه العينات من أجل التحقق ما إذا كان هناك نوع منهم يمكنه أن ينمو ويتكاثر من خلال تناوله للبلاستيك.

وقد وجد العلماء بالفعل مجموعةً من البكتيريا التي يمكنها تناول البلاستيك كمصدر طعام لها. لكنهم وجدوا نوعًا واحدًا فقط من هذه المجموعة يمكنه أن يتناول البولي إيثيلين تيريفيثالات مسببًا تحلله، يسمى إيديونيللا ساكاينسيس (Ideonella sakaiensis).

هذا النوع من البلاستيك يسمى بولي إيثيلين تيريفيثالات (plyethylene terephthalate) ويعرف اختصارًا باسم (PET)، وهو البلاستيك الذي تصنع منه زجاجات المياه المعدنية. ويتميز هذا النوع بأنه خفيف الوزن وعديم اللون، بالإضافة إلى قوته ومتانته النسبية؛ مما جعله أكثر أنواع البلاستيك استخدامًا حول العالم.

وأجرى العلماء بالطبع أبحاثًا كثيرة على هذا النوع من البكتيريا، ليكتشفوا أنه يفرز أنواعًا معينة من الإنزيمات، تقوم بعمليات تكسير للبلاستيك، محولةً إياه إلى مركب كيميائي وسيط. هذا المركب الكيميائي تأخذه الخلية البكتيرية لتقوم بتكسيره وتحليله مرة أخرى عبر مجموعة أخرى من الإنزيمات؛ كي تحصل على ما تحتاجه من الكربون والأكسجين اللازمين للتكاثر، والعمليات الحيوية الأساسية المتعلقة بإنتاج الطاقة.

وقد وجد العلماء أن هذا النوع من البكتيريا يمكنه أن يحلل طبقة رقيقة من البلاستيك (PET) خلال ستة أسابيع فقط، إذا ما حافظنا على درجة الحرارة في حدود 29 درجة مئوية. وقد أوضح العلماء أن هذه البكتيريا تختلف عن أحد أنواع الفطريات المكتشَفة سابقًا، والتي يمكنها النمو فوق البلاستيك، فالبكتيريا الجديدة يمكنا أن تستهلك البلاستيك وليس فقط أن تنمو فوقه.

الزجاجات البلاستيكية أشهر منتجات البلاستيك

مشكلة البلاستيك العالمية

وبمجرد الإعلان عن هذا الاكتشاف، بدأ بعض العلماء والباحثين يتساءلون عما إذا كانت هذه البكتيريا هي الحل للكمية المتزايدة والمتراكمة من البلاستيك التي تؤثر بالسلب على البيئة حول العالم.

ويمثل البولي إيثيلين تيريفيثالات، حوالي سدس إنتاج العالم السنوي من البلاستيك، والبالغ 311 مليون طن، نصف هذه الكمية فقط هي التي يعاد تدويرها، وكمية أقل بكثير تُستخدم. وطبقًا لتقرير صحيفة الغارديان البريطانية، فإنه ليس جميع كميات البلاستيك المنتجة ينتهي بها الحال إلى التواجد في البيئة، وهي نسبة عالية تمثل 33%. وأشارت الصحيفة أيضًا إلى أن هناك 8 ملايين طن من البلاستيك ينتهي بهم الحال في المحيطات كل عام.

ويتكون البلاستيك من مواد أولية مشتقة من البترول والغاز الطبيعي ومواد الطاقة غير المتجددة عمومًا، لتتعرض بعد ذلك لتقنيات تصنيع عالية الطاقة. وسواء تحدثنا عن عملية التصنيع أو عملية التخلص منها عبر حرقها، فإن كلا العمليتين تتسببان في تلويث الهواء والأرض والماء، ويتعرض العمال أيضًا لمواد كيميائية سامة منها، ما قد يتسبب في الإصابة بالسرطان.

وبشكل عام، فإن أنواع البلاستيك المصنعة تتميز بأنها لا تتحلل عضويًّا عبر البكتيريا والميكروبات الموجودة في البيئة، وبالتالي فهي تتراكم لسنوات طويلة جدًّا، بل يمكن لبعض أنواع البلاستيك أن يبقى لقرون. هذا الأمر أصبح بمثابة الكابوس للحكومات والدول.

وقد أشار عدد من العلماء إلى أنه حتى اللحظة لا يمكن الجزم بأن اكتشاف هذا النوع من البكتيريا سيكون الحل لمشكلة إلقاء هذه الكميات الكبيرة من البلاستيك في المحيطات. فعلى سبيل المثال، قد ذكر تراسي مينسر، الباحث في النفايات التي تُلقى في المحيط بمعهد ماساشوستس، أنه لا يرى فائدة لتحلل البلاستيك باستخدام هذه البكتيريا أفضل من وضع الزجاجات البلاستيكية في سلة المهملات الخاصة بعمليات إعادة التدوير حتى يمكن صهرها وتحويلها إلى مواد بلاستيكية جديدة.

لكنه مع هذا يأمل أن يتوصل العلماء إلى أنواع جديدة من الميكروبات التي يمكنها أن تحلل بقية أنواع البلاستيك المستخدمة حول العالم، مثلما حللت بكتيريا إيديونيللا ساكاينسيس بلاستيك البولي إيثيلين تيريفيثالات. فربما تنتشر مثل هذه الأنواع من الميكروبات انتشارًا أوسع حول العالم، وتصبح الطريقة الرئيسية للتخلص من البلاستيك.

التخلص من البلاستيك مشكلة عالمية

عن البلاستيك

والبلاستيك هو مادة مكونة من واحدة من مجموعة واسعة من المواد العضوية المخلقة أو شبه المخلقة، والتي تتميز بأنها موادٌ لينة يمكن صبها في أشكال صلبة عديدة. ويتكون البلاستيك من بوليمرات لمواد عضوية كبيرة الكتلة، هذه البوليمرات هي عبارة عن تشكيلات ناتجة من ارتباط جزيئات صغيرة تكرر نفسها في سلاسل طويلة تسمى المونومرات، غالبيتها تكون مشتقة من مواد بتروكيميائية. غالبية المواد البلاستيكية هي مواد مصنعة، بينما القلة منها هي مواد طبيعية جزئيًّا.

وتتميز المواد البلاستيكية بأنها مواد رخيصة الثمن وسهلة التصنيع ولينة سهلة التشكل، ولا ينفذ إليها الماء، وتتحمل وتدوم لفترة طويلة؛ مما جعلها المادة المفضلة في تعبئة قطاع واسع من المواد. وفي الدول المتقدمة، تُستخدم 33% من المواد البلاستيكية في عمليات التعبئة، و33% تستخدم في عمليات التشييد والبناء مثل أنابيب المياه والصرف الصحي، والنسبة المتبقية تتنوع استخداماتها بين السيارات والأثاث وألعاب الأطفال. بينما في الدول الأقل تقدمًا فإن 42% من المواد البلاستيكية تستخدم في التعبئة.

ولمعرفة مدى خطورة البلاستيك الفعلية، فقد وصل الأمر ببعض الدول إلى حظر إنتاج البلاستيك أو استيراده لما له من مشاكل بيئية كبيرة. مثال على ذلك، القرار الذي أصدره مجلس النواب المغربي في شهر نوفمبر (تشرين الأول) 2015، والذي حظر بموجبه تصنيع الأكياس البلاستيكية، بالإضافة إلى استيرادها وتصديرها، على الرغم من أن هذا القرار تسبب في فقدان حوالي 50 ألف وظيفة في المغرب.

عرض التعليقات
تحميل المزيد