عشَّش الموتُ في كل زاوية من الزمان والمكان في قاهرة المعز. حتى إنَّ الأشباح قد تخشى المرور في شوارع المدينة التي كانت عامرة بالبشر والحَجَر. خرِبَت الأسواق والمجالس، وأقفرت البيوت من أهلها، وفرِغَت المساجد إلا من شذراتٍ من المصلين انهمرت دموعهم في وجلٍ واستجداء، يسألون خالق السماء أن يرفع البلاء والمحنة، وانتشرت عصابات السلب والنهب تلوك ما تبقى من فتات أي شيءٍ في أي مكان، وما عاد باستطاعة معظم الناس تأمين وجبتهم القادمة، وبدا كأن القيامة قد أذِن سماع زلزلتها.

لم يكن يتصور أحد من أنصار الدولة الفاطمية قبل بضعة عقود من الزمان، وفي أعتى كوابيسه، أن حاضرة الإمبراطورية الفاطمية الضخمة التي كان سُلطانها يمتد من بلاد المغرب غربًا، إلى الحجاز والشام وأجزاء من العراق شرقًا، وقضت لبرهةٍ من الوقت على خلافة بغداد العباسية المنافسة لها؛ ستؤول إلى تلك الحال من الخراب والفوضى، ويعجز خليفتها المستنصر الفاطمي – الذي دوَّخت جيوشه سنين خصومَ خلافته – أن ينتشل مصرَ – أهم مناطق دولته – وحاضرتها، لسنواتٍ من تلك المجاعة الكبرى، التي سيوصَم بها اسمه في كتب التاريخ والسياسة لألف عامٍ لاحقة إلى يومنا هذا؛ «الشِّدة المستنصرية».

وثائقي من إنتاج«الجزيرة» عن تاريخ الدولة الفاطمية:

تمثِّلُ تلك الأوقات العصيبة من حياة الأمم فرصًا سانحةً لبروز بعض الشخصيات الاستثنائية، التي تجيد اغتنام فرصة الصعود، وتُظهرُ مواهبها الفريدة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وهذا هو ما حدث عندما بزغ بدر الدين الجمالي في سماء مصر الفاطمية الغارقة حتى الثمالة في مستنقع المجاعة والفوضى لسنوات. لكن سنعود أولًا عشرات السنين إلى الوراء لنتعرف أكثر إلى هذا المملوك الأرمني الذي ساقته الأقدار ليسطر لنفسه صفحاتٍ خاصة في كتاب تاريخ مصر، الحافل بالملاحم، والمآسي، والوقائع، والشخوص.

من أرمينيا إلى القاهرة.. رحلة مملوكٍ نحو المُلك

يبدو أن قاهرة العصور الوسطى كانت معقلًا متميزًا لفرص الصعود الصاروخي التي تذهب بالعقول، كيف لا، ومن أسَّسها لسيده المعز لدين الله الفاطمي كان في الأصلِ عبدًا من جزيرة صقلية، يعمل في صناعة الحلوى؛ جوهر الصقلي القائد.

أما بدر الدين الجمالي الذي سيلعب دورًا خطيرًا في أكثر الأوقات حرجًا في تاريخ الدولة الفاطمية منذ نشأتِها قبل قرنيْن من زمانه، فتعود أصوله إلى أرمينيا. بالطبع لا يُعرَفُ الكثير عن مولده وطفولته ونشأته الأولى، قبل أن يبدأ اسمه في الظهور على صفحة الأحداث، ولا نعرف أيضًا شيئًا أكيدًا عن كيف تقلَّبت به الحياة حتى أصبح مملوكًا يُباعُ ويُشترى. لكن الأرجح أنه وُلد في مطلع القرن الخامس الهجري بين عامي 1005 و1008م.

أول ما يذكره التاريخ عن هذا المملوك الأرمني هو دخوله في خدمة جمال الدين بن عمار حاكم طرابلس الشرق – في لبنان حاليًا – والذي منحه لقبه الجَمالي على عادة ذلك الزمان في أن يحمل المملوك لقب سيده.

«وما زال يأخذ نفسه بالجد من شبيبته فيما يباشره، ويوطن نفسه على قوة العزم فيما يرومه، ويتنقل في الرتب العلية، حتى ولي بلاد الشام، وتقلد إمارة دمشق من قبل المستنصر مرتين» * المقريزي متحدثًا عن بدر الدين الجمالي في بدايته.

سيظل كتبة التاريخ غافلين عن أي ذكرٍ ذي شأن لهذا المملوك الأرمني، حتى يتجاوز سن الكهولة، ويصل إلى منتصف الخمسينيات، وبالتحديد عام 455هـ الموافق 1063م عندما يُولىَّ ولاية دمشق، ويُمنح لقب تاج الأمراء، وأمير الجيوش. وبالطبع لا يذكر التاريخ تفاصيل عن كيف نجح هذا المملوك في الترقي من عبدٍ أرمني في خدمة أمير طرابلس، إلى أميرٍ حر مُقَدَّم، يتولى إمارة عاصمة الشام، وأهم حواضر الدولة الفاطمية بعد القاهرة. لكن ذلك لم يكن مُستَنكرًا آنذاك، فيكفي أن يُظهِر المملوك البأس والمهارة في القتال وفيما يُكلَّف به من مهام، مع لزوم الطاعة لسيده، حتى تنفتح أبواب دنيا السياسة والحرب أمامه.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
جوهر الصقلي.. «الحلواني الذي بنى مصر» ثم ذاق من مرارتها

لكن لن تمر ولاية بدر الدين الجمالي على دمشق دون أحداث؛ فقد تفاقمت المناوشات بين جنوده، ومجموعات أحداث دمشق، وهو من الشباب المتحمس الذي يشبه الفتوات في الثقافة الشعبية المصرية. وتطورت الأمور في أقل من عامٍ إلى انتفاضة كبيرة في دمشق، أدت إلى خروجه من دمشق وعزله، ولعل هذا لم يكن لمشكلةٍ خاصة في بدر الدين الجمالي وجنده فحسب، بقدر ما يعود إلى حالة التململ العامة في الشام ضد الخلافة الفاطمية الشيعية، ولعلها هي التي سهَّلت انتزاع السلاجقة السنة للشام من حكم الفاطميين في السنوات التالية.

كذلك تزامنت تلك الوثبة الشعبية ضد بدر الدين الجمالي مع بدء اشتداد المحنة في مصر، والتي سنتحدث عنها في الفقرة التالية، والتي أضعفت هيبة الفاطميين في عيون خصومهم ومنافسيهم.

سيعود بدر الدين الجمالي مجددًا بعد أشهر إلى ولاية دمشق، لكن بعد ولايته الثانية بعاميْن، سيثور ضده الأحداث، تحت قيادة أبي طاهر مجدَّدًا، والذي كان للمفارقة علويًّا، لكنه لم يكن على وفاقٍ مع الفاطميين، كما ستحدث بعض التمردات العسكرية التي سيحاول قمعها. في تلك الأثناء، سيبدأ الحكم الفاطمي في الشام في التفكك مع بروز قوة السلاجقة الأتراك الذين أصبحوا سلاطين بغداد، والقائمين بحكم العباسيين، فنزع ابن مرداس، والي حلب، طاعته من الفاطميين، وخطب للخليفة العباسي. وبدأت بعض الإمارات الساحلية في الشام، مثل طرابلس وغيرها، في الدخول فيما يشبه الحكم الذاتي.

حينئذٍ كُلِّفَ بدر الدين الجمالي بالإشراف على ولاية مدينة عكا الساحلية، مُكلَّفًا بضبط السواحل الشامية والحفاظ على ما بقي من حكومة الفاطميين بها. لكن تسبَّب هذا في خروج دمشق عن ولايته، حيث استغلَّ المتمردون تفاقم انشغالاته، لكنه ظلَّ على ولائه للدولة الفاطمية المترنحة، ولعل هذا ما سيفتح المجال أمامَه للمهمة الخطيرة التي سيلجأ إليه الفاطميون لأدائها.

الشدة المُستنصرية.. في البدء كانت السياسة

بعكس ما يتصور الكثيرون عن الشدة المُستنصرية التي بدأت 456هـ/ 1064م، وانتهت بعد سبع سنوات، والتي كانت من أسوأ المجاعات في تاريخ مصر؛ فإن نقص مياه النيل لم يكن العامل الوحيد في تفاقم الكارثة في أرض المحروسة، بل كانت السياسة هي المبدأ والمُنتهَى، منذ عقودٍ قبل وقوع المجاعة وأثنائها. ولم تتخلص مصر من الكارثة وآثارها إلا بإصلاحات سياسية جمعت بين بعض العدل والحزم والشراسة في آنٍ، وكان بطلُها بدر الدين الجمالي، الذي يحمل لقبَه أحد أشهر أحياء القاهرة القديمة، وهو حي الجمالية الشعبي، المتاخم لشارع المعز، قلب القاهرة الفاطمية التاريخية.

«وحدث في أيَّام المستنصر بمصر الغلاء الذي ما عُهِدَ بمثله منذ زمان يوسف، عليه السلام، ودام سبعَ سنين حتَّى أكل الناس بعضهم بعضًا، حتَّى قيل: إنّه بيع رغيف واحد بـ50 دينارًا- فإنَّا لله وإنَّا اليه راجعون- وحتَّى إنَّ المستنصر هذا بقي يركب وحده، وخواصُّه ليس لهم دوابٌّ يركبونها؛ وإذا مشوا سقطوا من الجوع، وآل الأمر إلى أن استعار المستنصر بغلة يركبها من صاحب ديوان الإنشاء». *ابن تغري بردي، في وصف أحداث عام 428هـ، في كتاب «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة».

تولى المُستنصر الخلافة عام 427هـ/ 1036م وهو طفل صغير لا يتجاوز عمره ثمانية أعوام، فاستغلت أمه السيدة رصد، والتي كانت في الأصل مملوكة حبشية، هذا الفراغ لتفرض سلطانها شيئًا فشيئًا على الدولة، رغم أن الوزير القوي  أبا القاسم الجرجرائي كان الوصي الرسمي على شئون البلاد.

ورغم قوة الدولة التي ورثها المستنصر واتساع رقعتها، فإنها لم تسلم من استشراء الفساد السياسي والمجتمع والصراعات، حتى لم يكد يمر عام دون تمرد كبير في الشام أو في مصر أو في بلاد المغرب، لكن ظلَّت الأمور تسير بشكلٍ جيد طوال فترة وزارة الجرجرائي، والذي تُوُفي عام 436هـ/ 1045م، وترك خزائن الدولة عامرة، والأمور أميَل إلى الاستقرار.

الشاعر تميم البرغوثي يتحدث عن الشدة المستنصرية ودور السياسة في حدوثها:

فرضت السيدة رصد وزيرًا محسوبًا عليها من أصلٍ يهودي، وبذلك بدأت التحكم الفعليَّ من وراء الستار، ومكَّنت لأحد خلصائها في شئون الدولة، وقدَّمته على باقي الأمراء، والذي كان مالكَها أيامَ عبوديتها، واشتراها منه الخليفة الظاهر أبو المستنصر. وقد تسبَّب هذا في صراعات متكررة، لاسيَّما بين فصائل الجند المغاربة والأتراك. وفشا القتل بين الأمراء في صراعات السلطة والنفوذ، حتى إنه أثناء الاستعداد لقتل أحد الأمراء، وبينما يحفر السجانون حفرة داخل السجن لدفنه بها، عثروا على رأس أمير سبق أن قتله ذلك الأمير!

فسدت الدولة أكثر فأكثر مع استمرار تلك الصراعات الداخلية التي لا تنتهي، والمغامرات الخارجية المُكلِّفة التي خاضتها الدولة، مثل مغامرة دعم الأمير التركي البساسيري للاستيلاء على بغداد وإسقاط الخلافة العباسية السنية المنافسة، والتي فشلت بعد أشهر، عندما استنجد العباسيون بسلطان السلاجقة الأتراك طغرل بك عام 447هـ/ 1056م، فانتزعها من البساسيري الذي أنفق الكثير من أموال الفاطميين من أجل إقامة دعوتهم في بغداد. ولم تقتصر خسائر تلك المغامرة على تكلفتها المباشرة، إنما تسببت أيضًا على المدى البعيد في إخراج منافسٍ خطير للفاطميين من القمقم، وهم السلاجقة، الذين ما لبثوا أن انتزعوا معظم الإمارات الشامية من الفاطميين في العقود التالية.

«من بين من يذكرون الشدة المستنصرية، قليلون هم من يذكرون خلفيَّتَها السياسية، فصورتُها تظهر في الذاكرة الجمعية لأهل مصر – إن ظهرت – أقربَ للكارثة الطبيعية منها للجريمة السياسية. والحقيقة، أن أكثرَ المؤرخين لا ينسبونها إلى انخفاض مياه النيل فحسب، بل إلى حرب عصاباتٍ دارت رحاها، بين عددٍ من الأمراء الطامعين في شُغل منصب الوزارة». *الشاعر  تميم البرغوثي

من الشواهد اللافتة على صحة نسب كارثة المجاعة إلى السياسة أولًا قبل الطبيعة، أنه قبل 10 أعوام – في عهد المستنصر أيضًا – من وقوع الشدة المستنصرية، كادت شدة شبيهة بها أن تقع، نتيجة انخفاض منسوب النيل، لكن الوزير اليازوري آنذاك تمكَّن من ضبط الأمور، عندما منع احتكار التجار للغلال، وعندما استأذن المستنصر في فتح المخازن السلطانية لضبط الأسعار، فنجح في أقل من 20 شهرًا في السيطرة على الأمور، والقضاء على الغلاء. لكن في السنوات التالية ستتسبب نزاعات الأمراء، وإهمالهم أحوال الناس، في غياب التحرك الصارم في الوقت المناسب، وحتى في إغفال ملء المخازن السلطانية بالغلال الحيوية لاستخدامها في وقت المحن.

بل لم يتورع الأمير الحمداني الملقب بناصر الدولة ذي المجديْن، في أن يحاصر القاهرة حصارًا مُطبقًا مع بدء اشتعال الغلاء ونقص الموارد، مع انخفاض النيل في بدايات الشدة المستنصرية، وذلك ليفرض نفسه وزيرًا على مصر، وينصاع الخليفة المستنصر لهذا مُكرَهًا، وبذلك يتسيَّد الحمداني وعصبته، فلا تهدأ الأمور. إذ تندلع الصدامات بينهم وبين منافسيهم، لاسيَّما من السودان، والذين كانوا دائمًا يتقوُّون بأم الخليفة، السيدة رصد، والتي كانت من بني جلدتهم.

وفي تلك السنوات الصعبة، وبينما يهلك مئات الناس يوميًّا من الجوع والفوضى؛ كان يتبادل منصب الوزارة عدة أشخاصٍ في العام الواحد في سلاسل سرمدية من الصراع الجنوني على السلطة، والخليفة المستنصر لا يستطيع حتى منع سرقة دوابه والاعتداء على قصوره.

وهكذا يصف ابن تغري بردي في (النجوم الزاهرة) هذا المشهد الجديد في عبارة جامعة مانعة قائلًا:

«قامت البلاد سبعَ سنين يطلع النيل فيها وينزل، ولا يوجد من يزرع، لموت النَّاس واختلاف الولاة والرعيَّة، فاستولى الخراب على كلِّ البلاد، ومات أهلها، وانقطعت السُّبل برًّا وبحرًا»

وفي عبارة المؤرخ جانبٌ آخر ذو دلالة بارزة، وهو أن النيل خلال تلك السنوات السبع لم يكن منسوبه غائضًا بالكلية، إنما كان يطلع وينزل، لكن بسبب الفساد السياسي والاضطراب الهائل الذي وقع، والذي يعبر عنه بجملة (اختلاف الولاة والرعية)، لم تعد الطرق آمنة، وبالتالي لم تعد الإمدادات قادرة على الوصول إلى العاصمة المنكوبة، وكذلك لم تتوفَّرْ الأيدي العاملة اللازمة للحفاظ على الحدِّ الأدنى من النشاط الزراعي؛ فمات مئات الآلاف، وأصبح أمثالُهم لاجئين في كافة أرجاء العالم الإسلامي، وصولًا إلى بغداد وغيرها.

ومع اشتداد الغلاء والموت في مصر والقاهرة، وفي ذروة سنوات الشدة والمجاعة، أنفقت أم الخليفة ألف ألف دينار لتجهيز الجنود في السودان عام 459هـ/ 1067م لحرب خصومها الأتراك، جُند الأمير الحمداني، لكن الأتراك انتصروا، وأجلوا معظم السودان إلى الصعيد ومناطق أخرى، وصدُّوا هجمات مضادة عديدة للسودان، ومن ثم توحَّش الحمداني أكثر ضد الرعية وضد خصومه السياسيين في القاهرة، وطالب بزيادة رواتب جنده، رغم فراغ الخزائن السلطانية، حيث لم يعد الخراج يَرِد إلى القاهرة مع تمزق الدولة، فقد استولى الأمراء المغاربة على السواحل الشمالية، واستولى السودان على أجزاءٍ من الصعيد.

«فأهلَّت سنة إحدى وستين هذه وقد اشتد الخوف بمصر، وكثر التشليح في الطرقات نهارًا والخطف والقتل. وصار الجند فرقتين، فرقة مع الخليفة المستنصر وفرقة عليه» * المقريزي يصف أحداث عام 461هـ، في كتاب «اتعاظ الحنفاء بذكر الأئمة الفاطميين الخلفاء»

وبلغ طغيان ناصر الدولة الحمداني ومن معه من الأتراك الذروة عام 461هـ/ 1069م، فنهبوا القصور والخزائن السلطانية من كل ما فيها من التحف والأموال. لكن للمفارقة، اختلف الأمراء الأتراك بعد حين مع الحمداني، إذ رأى بعض مقدميهم أنه استأثر مع حاشيته بمعظم ما جنوه من مكاسب وغنائم، فحرَّضوا المستنصر ضده، وانضمَّ إلى الخليفة جماعات منهم.

عندئذٍ تشجع المستنصر، وأمر الحمداني بمغادرة القاهرة، فخرج الأخير إلى معسكره بالجيزة، وأعد العدة للوثوب إلى القاهرة مجدَّدًا، ونسق مع بعض أنصاره بها على قتل بعض منافسيه، ثم استدعائه لدخول القاهرة، وبالفعل وصلت جيوش الحمداني إلى العاصمة.

ولأول مرة، ارتدى المستنصر البزة العسكرية، وخرج لمواجهة الحمداني تحت قيادته الآلاف من الترك والسودان وعامة أهل القاهرة الذين أنهكهم إجرام الحمداني ومن معه، أكثر من جفاف النيل ونقص الغذاء، ونجح المستنصر في هزيمة الحمداني بعد معارك شرسة في شوارع القاهرة، ففر من العاصمة، واستجار ببعض البدو في البحيرة. لكن تلك الفتن الجنونية أسهمت في تفاقم أزمة الغذاء إلى الحد الأقصى، وهنا يصف المقريزي المشهد بعد هزيمة الحمداني عالية الكُلفة، فيقول:

«واشتد الغلاء بمصر، وقلت الأقوات في الأعمال، وعظم الفساد والضرر، وكثر الجوع حتى أكل الناس الجيف والميتات، ووقفوا في الطرقات يخطفون من يمر من الناس فيسلبونه ما عليه، مع ما نزل بالناس من الحروب والفتن التي هلك فيها من الخلق ما لا يحصيهم».

وأظهرت الأزمة ما كان يختزنه الخلفاء الفاطميون على مدارٍ عقودٍ، بشكلٍ يذهب بالأبصار، من الجواهر والتحف التي لا تعد ولا تحصى، والسيوف المُذهبة، والتماثيل البديعة، والتي تداولها الناس في الأسواق مع كثرة نهبها وبيعها بأبخس الأثمان، حتى أصبح لا بريق يعلو فوق بريق الذهب الحقيقي في ذلك الزمان؛ الغلة (القمح). 

اضطر المستنصر لبيع ما بقي لديه من تلك التحف والذخائر، لكي يدفع رواتب الجند الأتراك الذين انحازوا إليه ضد ناصر الدولة الحمداني. ويخصص المقريزي صفحات عديدة من كتاب «اتعاظ الحنفاء» لوصف ما كان في خزائن المستنصر من تلك الكنوز. وبيعت آلاف الكتب والمجلدات الثمينة التي كانت تذخر بها مكتبات القصور الفاطمية بأبخس الأثمان، وأهدرت ثروة علمية عظيمة مرتين، الأولى عندما علاها التراب في الخزائن والأرفف التي كانت تتجمل بها، والثانية عندما بيعت إلى بعض من لا يعرف قيمتها.

ومع كل ما سبق من المآسي، لم يكف الأمراء عن الطمع، ولا توقَّف جنودهم عن السلب والنهب، فتدهورت أحوال الناس أكثر، حتى أكلوا الميتة، ثم انتقل البعض إلى خطف البشر وأكل لحومهم. وعجزت امرأة ميسورة الحال عن تدبير بعض الغلة مقابل ألف دينار. وعاد الحمداني للنشاط عام 462هـ/ 1070م، فاستولى على الإسكندرية، وقطع الإمدادات منها ومن السواحل إلى القاهرة، ليضغط على المستنصر، وإن هلك المزيد من الناس من جرَّاء ذلك، وأقام الخطبة للخليفة العباسي، وراسل السلاجقة لاستغلال الفرصة والهجوم على الشام، ومساعدته للاستيلاء على مصر. 

وهكذا أصبحت القاهرة بحاجة فورية إلى حكومة قوية رشيدة، أشد من حاجتها إلى فيضان النيل، وإلى ما بقى في خزائن المستنصر من تحف وكنوز. 

«ولقد نصرُكم الله ببدرٍ وأنتم أذلة»

«في أيَّامه (المستنصر) ثارت الفتن في بني حمدان وأكابر القوَّاد، وغلَتِ الأسعار، واضطربت الأحوال، واختلَّت الأعمال، وحُصِر في قصره وطُمِعَ فيه. ولم يزل على ذلك حتَّى استدعى أمير الجيوش بدر الدين الجمالي من عكَّا إلى مصر فاستولى على التدبير، وقتل جماعة ممَّن يطلب الفساد، فتمهَّدت الأمور». *أبو يعلى بن القلانسي.

في اقتباسٍ لا يخلو من تملُّقٍ، استخدم البعضُ في مصر تلك الآية القرآنية التي تتحدث عن نصر اللهِ للمسلمين في غزوة بدر، في التعبير بأسلوب التورية عن مدى أهمية الدور الذي لعبه بدر الدين الجمالي في انتشال مصر من أزمتها الطاحنة.

 كانت الشدة في القاهرة قد بدأت عام 463هـ/ 1071م، في الانفراج جزئيًّا عندما رفع الحمداني الحصار عن القاهرة، مقابل أن يدفع له الأمراء الأتراك من خصومه بها ما يريد من المال، وأن يصبح كأنه الحاكم الفعلي في مصر، مع بقائه في قاعدة ملكه في البحيرة خوفًا من المؤامرات. وكان منسوب النيل قد عاد للارتفاع، لكن تسبب نقص الأيدي العاملة في عدم تحسن الإنتاج الزراعي كما ينبغي، وتسبب الاضطراب السياسي والأمني في عزوف الناس على العمل.

في العام التالي، اندلعت الحرب بين الحمداني، والأمير تاج الملوك التركي أكبر خصومه بالقاهرة، عندما لم يرسلوا له ما يطلبه من المال في موعده، فهاجم جند الحمداني القاهرة ونهبوا أجزاءً منها، وبعد كر وفر، استولى على القاهرة مجددًا بعد أن هزم ما بقي لدى المستنصر من جيوش. طالب الحمداني المستنصر بالمال، لكن عندما دخل رسوله على الخليفة وجده في حالٍ يُرثى لها، جالسًا على الحصير، فأمر الحمداني بالاستيلاء على ما بقي من أموال أم الخليفة.

محراب المستنصر في مسجد ابن طولون بالقاهرة – المصدر: ويكيبديا

استبدَّ الحمداني استبدادًا شديدًا، أحنق عليه حتى الكثيرين من الأمراء الأتراك الخاضعين له، فلم تمر أسابيع، حتى تآمروا عليه وقتلوه على حين غرة في قصره، ثم نكبوا ما بقي من الحمدانيين، وخاصة جندهم. 

لم يكد المستنصر يتخلص من الحمداني، حتى استبدَّ من قتلوه من الأمراء الأتراك، وعانى منهم الخليفة وعامة الناس الأمرَّيْن، فلجأ المستنصر عام 466هـ/ 1073م لآخر سهم بقي في جعبته، واستدعى بدر الدين الجمالي من عكا إلى القاهرة، على أن يحضر معه ما بحوزته من المال والرجال. لكن بدر الدين الجمالي – والذي يبدو أنه كان في السنوات السابقة يراقب ما يحدث في مصر في مكرٍ وروية، وينتظر الوقت المناسب للوثوب – اشترط أن يمنحه المستنصر الشرعية للتخلص من كل من في مصر من الأمراء والجند المارقين، فوافق المستنصر.

انقلاب الجمالي الذي اعتدلت به القاهرة

«وركب بحر الملح من عكا، وكان الوقت في كانون وهو أشد ما يكون من البلاء، ومن العادة أن البحر لا يُركَب في الشتاء. فسار في 100 مركب وقد حُذِّر من ركوبه وخُوِّف من سوء العاقبة فلم يصغ لذلك؛ وكأن الله سبحانه قد صنع له ومكَّن له في الأرض، وقضى بأن يصلح على يديه، ما قد فسد من إقليم مصر». *المقريزي متحدثًا عن خروج بدر الدين الجمالي من عكا إلى مصر بحرًا.

راسل الجمالي أمراء القاهرة، وأظهر أنه ما جاء إلا شوقًا إليهم، ومددًا لهم، بل أخذ يذكر الخليفة بالسوء، وبدأ من جاء معه من الجند الأرمني وسواهم من الشاميين في التسلل إلى القاهرة مثنى وفرادى، حتى قاربوا الألف، دون أن يشعر بهم أحد. في تلك الأحوال كان الأمراء يقيمون الولائم على شرف ضيفهم الجمالي!

وفي اليوم الموعود، دعا الجمالي جلَّ أمراء مصر ومقدميها من خصوم المستنصر إلى وليمة أعدها على شرفهم كما ادعى، وأوكل لكل جندي من جنوده الترصد لأميرٍ بعينه، على أن يقتلَ ذلك الأمير، ومكافأته هو أن يستولي على دار المقتول وماله وخدمه.

تاريخ وفلسفة

منذ 10 شهور
«حُكم قراقوش».. قصة المملوك الخصيّ الذي خلدته ذاكرة المصريين

فلما أمعنَ الأمراء في الشراب، وذهِلَ كلٌّ منهم عما حوله، بدأ يُخرجُهم واحدًا تلو الآخر من مخرجٍ مختلف، حيث ينتظره الموكَل بقتله، فيأخذه إلى منزله ليخرج ما قد خبَّأ من الكنوز، ثم يقتله.

وهكذا استيقظت القاهرة وقد ذبح بدر الدين الجمالي في بضع ساعاتٍ من الليل جُلَّ أمرائها الذين أنهكوها سنواتٍ طوال في صراعاتهم العبثية، ومطامعهم التي لم يصرفْهم عنها نزول الجوع والغلاء على أهل مصر. وفي الأيام التالية تتبَّع جند الجمالي من بقي من الأمراء، خاصة الأتراك، حتى أباد معظمهم، لاسيَّما من كانوا في مصر – العاصمة الشعبية التي تشكلت من التحام الفسطاط والعسكر والقطائع – والقاهرة، العاصمة الملكية والإدارية. فأصبحت مصر وليس على لسانٍ أحدٍ من أهلها إلا الدعاء لبدر الجمالي، وللمستنصر الذي استدعاه لنجدة البلد.

«فلما كاتبه المستنصر، ودخل إلى القاهرة، تحكم في بلاد مصر تحكم الملوك، ولم يبق للمستنصر من أمر، وألقى إليه مقاليد مملكته، وسلم إليه أمور خلافته، فضبطها أحسن ضبط. فاشتدت مهابته في قلوب الخاصة والعامة، وخاف سطوته كل جليل وكبير، لعظم بأسه وكثرة بطشه، وقتله من الخلائق ما لا يمكن ضبطهم ولا يعلم عدتهم إلا إلههم سبحانه، الذين كانوا قد تمرنوا على الفساد، ونشأوا في الفتن واعتادوا مضرة الخلق، فصلحت الديار المصرية بعد فسادها، وعمرت بعد خرابها». *المقريزي متحدثًا عن بدر الدين الجمالي

كال المستنصر لرجله الألقاب، ومنحه – طوعًا واضطرارًا – كافة صلاحيات الحكم، حتى أوكل إليه تعيين القضاة في خرقٍ كبير للاستقلالية النسبية للقضاء في معظم الدول الإسلامية آنذاك، ولقَّبه إلى جانب أمير الجيوش، بكافل قضاة المسلمين، بل جعله أيضًا المقدم على الدعوة الإسماعيلية الفاطمية الشيعية.

رفع بدر الدين الجمالي القوات التابعة له إلى 7 آلاف، مسلحين بشكلٍ جيد، وعُرفوا بالجيوشية نسبة إلى لقبه أمير الجيوش. وقام بتوسيع دائرة الاشتباه، فقتل معظم وزراء وقضاة مصر السابقين في عصور الفتنة، وأخذ العاطل بالباطل كما يقول المثل، حتى لا يعرف أحد إحصاءً دقيقًا بأعداد من نالتهم سيوف الجمالي، والأرجح أنهم بالآلاف، لاسيَّما بعد أن تحرك بجيشه في العام التالي 467هـ/ 1174م لبسط سيطرة الدولة على الوجه البحري والإسكندرية، حيث قتل الآلاف من المقاتلين هناك، لاسيَّما من المغاربة المتغلِّبين على تلك الأنحاء. 

لكن بالتزامن مع عودة الدولة الفاطمية من حالة الموت السريري في مصر، كان الأتراك السلاجقة ينتزعون الشام منها إلى الأبد، فاستولوْا على دمشق عام 468هـ، ولم يكن بمقدور الجمالي فعل شيء تجاه ذلك وهو ما يزال غارقًا حتى النخاع في أحوال مصر، حتى إنه عجز عن منع سقوط ولايته الأصلية عكا، والتي أُسِرَ أبناؤه فيها، لكن أطلقهم من أسرهم في بادرة استثنائية في تلك الأيام الدموية. 

وفي عام 469هـ/ 1176م، قمع الجمالي تمردًا كبيرًا للقبائل العربية في القليوبية وأعمل فيهم السيف، ثم قضى على تمردٍ آخر في أسوان في أقصى الصعيد، وهكذا أصبح كامل الإقليم المصري تحت سلطانه. لكن في العام نفسه، غزا أمير دمشق التركي مصرَ، بتحريض من فلول الأمراء الأتراك الذين فتك بهم الجمالي، لكنه تأخر عن غزو القاهرة، وبقي شهورًا يسيطر على المناطق الداخلية، مما منح الجمالي الفرصة لحشد جيوشٍ ضاربة من الصعيد وسواه، وأوقع بالأتراك هزيمة ساحقة. ثم حاول في العام التالي أن يسيطر على دمشق لكنه فشل، وعاد إلى القاهرة، ثم حاول بعد عاميْن أخذ دمشق مرة أخرى، لكنه فشل أيضًا. لكن بعد أعوامٍ طويلة، وبعد استقرار الأمور تمامًا بمصر، أرسل جيوشَه عام 482هـ، فضمت عكا وصور وأجزاءً أخرى من فلسطين.

وشجع بدر الدين الجمالي على هجرة المئات من الأرمن إلى مصر، ليكونوا عُصبةً له بين العناصر التركية، والمغربية، والسودانية الموجودة في مصر الفاطمية منذ عقود، والتي رغم قضائه على معظم مقدميهم، فما يزال لهم وجود في مصر قد يُخشى منه مستقبَلًا. وهكذا وصلت أعداد الأرمن في مصر إلى قرابة 100 ألف بحلول نهاية القرن الخامس الهجري.

بدر الدين الجمالي والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي

رغم الصلاحيات المطلقة التي أتيحت للجمالي، فإن أداءه اختلف جذريًّا عن سابقيه من الأمراء والوزراء، واستخدم تلك الصلاحيات في صالح الناس والدولة في غالب الأحيان، فأعاد تقسيم المناطق الإدارية في مصر، وأسقط الكثير من الضرائب المجحفة على الفلاحين، مما شجعهم على العودة للزراعة، وعادت أموال الخراج تتدفق إلى خزائن الدولة الخاوية مجدَّدًا، وبدأت أعداد السكان تزيد مرة أخرى، بعد أن فقدت مصر ما يقدر بحوالي سبعة من كل تسعة من أبنائها كما يقدر المؤرخون.

جامع الجيوشي بالمقطم بالقاهرة، والمنسوب إلى أمير الجيوش بدر الدين  الجمالي – المصدر: ويكيبديا

كما أمر بدر الدين الجمالي بإصلاح الطرق، وتأمينها من قطاع الطرق، والمفسدين، فعادت شرايين الحياة تتدفق في كافة أنحاء مصر، لاسيما من وإلى عاصمتها التي بدأت تتعافي من آثار الفوضى السياسية والمجاعة المدمرة.

كذلك اشتهر بالتسامح الديني مع المذاهب الإسلامية جميعًا، ومع غير المسلمين، فسمح ببناء بعض الكنائس وتجديدها، فأسهمت تلك الأجواء الإيجابية في تخفيف الكثير من الاحتقان الطائفي في المجتمع المصري. 

ومن أبرز الإنشاءات في عهد بدر الدين الجمالي، تجديد أسوار القاهرة، والتي جعلها من الصخور القوية، فاستغرق الأمر شهورًا طويلة، وما تزال ثلاث بوابات من هذه الأسوار قائمة إلى يومنا هذا في القاهرة، وهي أبواب النصر، والفتوح، وزويلة الشهيرة في قلب القاهرة التاريخية.

وأنشأ جامعًا يحمل لقبَه على جبل المقطم؛ ليكونَ مشرفًا على القاهرة بأكملها، وهو جامع الجيوشي، والذي رُمِّمَ القرن الماضي بعد أن كان الخراب قد طالَه.

عصر الوزراء في عهد بدر الدين الجمالي

أصبح بدر الدين الجمالي مركز الثقل السياسي والعسكري في مصر، ولم يعُد الخليفة المستنصر سوى الاسم دون الرسم، وإن أظهر أمير الجيوش التواضع الشديد في حضرة الخليفة المستنصر، وقبَّل الأرض بين قدميْه. ولهذا يعد المؤرخون وزارة الجمالي؛ بداية النصف الثاني من عصر الدولة الفاطمية، والذي عُرِفَ بعصر الوزراء، لتزامُنِ ضعف الخلفاء الفاطميين مع تغوُّل الوزراء، وانتزاعهم للصلاحيات المهمة للحكم من الخلفاء، والذين لم يعُد لهم إلا القيمة المعنوية، وظلٌّ من الشرعية يمنحونه طوعًا أو كرهًا لأقوى الأمراء.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
الصقالبة والمماليك والانكشارية.. «عبيد السلطان» الذين أقاموا دولًا وأسقطوها

تُوُفَّيَ بدر الدين الجمالي عام 487هـ/ 1094م، وهو في الثمانين من عمره، ولم تنجح محاولة المستنصر أن يستعيد سلطانه بعد أن أصبح شيخًا سبعينيًّا. وهكذا ورث الأفضل بن بدر الدين الجمالي موقعَ أبيه، ولكن رغم ما مهَّدَه له أبوه في سنيِّ وزارته الطويلة، فإن فترة وزارة الأفضل كانت حافلة بالتحديات، والأحداث الجسام، ولعل في صدارتها الحملات الصليبية التي داهمت الشرق، واستولت على الساحل الشامي بأكمله في بضع سنين، واقتلعت فلسطين وبيت المقدس، والتي كانت تحت سيادة الفاطميين، ولعل هذا الحدث كان بداية العد التنازلي لسقوط الدولة الفاطمية الشائخة، والتي عجزت رغم مواردها الكبيرة البشرية والاقتصادية عن أن تدافع عن أولى القبلتيْن وثالث الحرميْن، ولكن لهذا قصة أخرى.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد