منذ أن فُتح باب الترشح للانتخابات البرلمانية التي أجريت في فبراير (شباط) الماضي، كانت الشكوك تزداد يومًا بعد يوم، حول تولي محمد باقر قاليباف منصب رئيس البرلمان الإيراني الحادي عشر.

لكن بعد أن ترشح لثلاث مرات للانتخابات الرئاسية، بدون أن يحقق أي نجاح؛ وبعد 12 عامًا قضاها في منصب عمدة بلدية طهران، نال قاليباف، القائد السابق في الحرس الثوري، أخيرًا مراده، وأصبح رئيسًا للبرلمان الإيراني الجديد، في 28 مايو (أيار) 2020.

حصل قاليباف على المنصب بأغلبية 230 صوتًا، ليتمكن من الفوز على فريدون عباسي، الرئيس السابق لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية في عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، محطمًا آمال السياسي الأصولي المخضرم، والمرشح الرئاسي السابق أيضًا، مصطفى مير سليم، وينتزع منهما منصب رئاسة البرلمان.

ما وراء الكواليس.. كيف اختير قاليباف لرئاسة البرلمان؟

بعد أن رفض «مجلس صيانة الدستور» اعتماد ترشح الكثير من المرشحين الإصلاحيين، استطاع الأصوليون الفوز بالبرلمان الجديد، وسط أقل نسبة مشاركة تشهدها الجمهورية الإسلامية في إيران.

شارك محمد قاليباف في تلك المنافسة الانتخابية، على قائمة انتخابية تضم العديد من الشباب ممن يمثلون التيار المحافظ الجديد، ليفوز بمليون و256 ألف صوت، مقتربًا من منصب رئيس البرلمان. لكن المنافسة كانت على أشدها، بين عدد من النواب الراغبين في الحصول على هذا المنصب.

Embed from Getty Images

في البداية، كان لدى قاليباف ثلاثة منافسين أقوياء، وهم علي نيكزاد، وزير الإسكان السابق في حكومة محمود أحمدي نجاد، والذي يحظى بشعبية ليست بالقليلة بين أوساط المعسكر المحافظ، والمنافس الثاني رضا حاجي بابائي، وهو أيضًا كان يشغل منصب وزير التربية والتعليم في حكومة أحمدي نجاد، لكنه لا يحظى بشعبية كبيرة. أما المنافس الثالث، فهو السياسي البارز مصطفى مير سليم، المدعوم من قدامى الأصوليين.

حاولت «جبهة بايدراي» التي تضم أبرز السياسيين الأصوليين ورجال الدين، الدفع بالأمين العام للجبهة، مرتضى آقا طهراني، لمنافسة قاليباف، الذي لا يحظى بدعم الأصوليين القدامى، ويوصف في دوائرهم بأنه ليبرالي، بجانب الانتقادات الواسعة له، بسبب تورطه في العديد من قضايا الفساد المالي.

لم يستطع قاليباف أن يندمج مع الأصوليين، بالرغم من محاولاته السابقة لإثبات ولائه للمعسكر المحافظ، بانسحابه من الانتخابات الرئاسية لعام 2017 لصالح إبراهيم رئيسي، المنافس الأول للرئيس المعتدل حسن روحاني.

عادت الخلافات بين قاليباف وكبار قادة المعسكر المحافظ للظهور مرة أخرى في الانتخابات البرلمانية، فشكَّل قائمة انتخابية مستقلة لخوض الانتخابات بعيدًا عن التكتلات الأصولية.

لكن على جانب آخر؛ كان السياسيون الأصوليون يعرفون رغبة قاليباف القوية في السيطرة على منصب رئيس البرلمان، فحاولوا بشتى الطرق علاج الاختلافات فيما بينهم والاجتماع أكثر من مرة، خلال الشهر الماضي، للاتفاق على مرشح أصولي ينافس قاليباف.

لكن محاولات الأصوليين لم تثمر عن شيء، واستطاع قاليباف الذي على ما يبدو أنه يحظى بدعم ما، وبالأخص دعم من مكتب المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي؛ الفوز بالمنصب. ويحل محل علي لاريجاني، الذي احتكر رئاسة البرلمان 12 عامًا.

صعود أنصار أحمدي نجاد

وسط تلك الصراعات على منصب رئيس البرلمان، كان ما يسمى بـ«ائتلاف أحمدي نجاد»، وهم حوالي 60 عضوًا في البرلمان، من المسئولين السابقين في عهد أحمدي نجاد في الفترة من 2009 إلى 2013، بعد أن جرى تهميشهم؛ قد بدأوا في توسيع دائرة عودتهم إلى الساحة السياسية في إيران مرة ثانية، بوجود مجموعة منظمة من النواب الموالين لأحمدي نجاد داخل البرلمان، والمنافسة على منصب رئيس البرلمان.

يأتي ذلك بعد أن زادت الفجوة بين محمود أحمدي نجاد، والزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، بسبب رفض الأول، الانصياع إلى نصيحة المرشد بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية السابقة، إلى جانب النهج المعارض الذي اتخذه أحمدي نجاد منذ بداية فترة ولايته الثانية.

جدير بالذكر أنه في البرلمان الحادي عشر الإيراني كان الظهور القوي لأنصار أحمدي نجاد في البرلمان الجديد، يعد من أهم المتغيرات في الساحة السياسية الإيرانية، وسيكون له تأثير في الانتخابات الرئاسية القادمة.

هل تنجح محاولات المحافظين السابقة في تقليص قوة رئيس البرلمان؟

قاليباف (58 عامًا) انتُخب مباشرة لأول مرة ليجلس على رأس واحدة من القوى الثلاثة في إيران؛ سبق وأن فشل ثلاث مرات في الوصول إلى منصب رئاسة الجمهورية. لكن الفوز السهل في الانتخابات البرلمانية، لا يجعلنا نغفل أن قاليباف سيواجه تحديات كبيرة، أولها التعامل مع الأصوليين القدامى، الرافضين لتوليه المنصب من الأساس، بجانب خوفهم من العمل مع شباب المحافظين الذين يحظون بوجود قوي في البرلمان الجديد.

Embed from Getty Images

فقبل أن يتولى منصب رئاسة البرلمان، كان الأصوليون يعملون على خطة للتقليل من صلاحيات وتقليص قوة رئيس البرلمان، وعلى ما يبدو، أنهم يواصلون العمل عليها. لكن إلى الآن، ليس من الواضح، إلى أي مدى سيجري تنفيذ تلك التهديدات والحد من صلاحيات قاليباف.

فوفقًا للمادتين 85 و138 في الدستور الإيراني، فمن ضمن صلاحيات رئيس البرلمان: «وجوب تحصيل موافقته على العديد من القرارات الحكومية والمجالس الخاضعة لإشراف الحكومة». ويعد هذا الأمر محل النزاع بين الحكومة والبرلمان، في أغلب القضايا.

لكن في الوقت نفسه، وكما أشرنا سابقًا، فإن قاليباف يحظى بدعم من خارج البرلمان، إذ إن هناك رغبة من الزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، في تجديد دماء المعسكر المحافظ، وفقًا لرسالته التي نشرت في الذكرى الأربعين للثورة الإيرانية، والتي دعا فيها آية الله إلى بدء تنفيذ المرحلة الثانية من الثورة، بالاعتماد على الشباب، وهذا ما يمثله قاليباف في البرلمان.

«لا قيمة للبرلمان»

«من وجهة نظري لا فرق من هو الرئيس التالي للبرلمان، لأنه عندما يتعلق الأمر بالمسائل الحاسمة، ليس البرلمان هو من يقرر». *البرلماني السابق  علي مطهري، الذي رُفض ترشحه في البرلمان الحالي

يرى البعض داخل إيران، أن البرلمان قد فقد استقلاليته وقوته منذ دورته الثالثة، وأصبح الزعيم الأعلى الإيراني هو المسيطر عليه في السنوات الأخيرة. فعلى سبيل المثال، في عهد محمود أحمدي نجاد، طلب عدد من النواب البرلمانيين، استدعاء الرئيس لاستجوابه في بعض الأمور، لكنه رفض الذهاب، وتدخل آية الله خامنئي لمنع هذا الاستجواب.

وعندما أعلنت الحكومة قرارها المثير للجدل، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 برفع أسعار البنزين إلى ثلاثة أضعاف، وما ترتب على هذا القرار من احتجاجات عنيفة، اجتاحت أغلب المدن الإيرانية؛ جاء هذا القرار بدون علم النواب في البرلمان الإيراني العاشر، الذين تفاجأوا بالقرار مثلهم مثل عامة الشعب، وعندما حاولوا استرداد ما تبقى من سلطة البرلمان، وإصدار قرار تعديل خطة أسعار البنزين الجديدة، أوقف آية الله خامنئي هذا القرار.

آخر محاولات البرلمان العاشر، كانت طلب استدعاء وزير الداخلية لاستجوابه عن موجة العنف التي شهدتها احتجاجات نوفمبر 2019، لكن آية الله خامنئي اعترض على الاستجواب، ورفض عزل البرلمان لوزير الداخلية.

قاليباف يبدأ المعركة مع حكومة روحاني مبكرًا

في أول جلسة له رئيسًا للبرلمان، هاجم قاليباف الذي عُرف بانتقاده الشديد للرئيس المعتدل، حكومة روحاني، ووصف إدارة الأخيرة بأنها غير فعالة وفوضوية.

وقال قاليباف «إنه على البرلمان أن يقود الحكومة في الاتجاه المطلوب استخدام قدرته التشريعية والإشرافية بشكل خاص»، مما ينذر بأن المعركة ستكون ساخنة بين البرلمان وروحاني، في الفترة المتبقية من ولايته الثانية، والتي ستنتهي في أغسطس (آب) 2021.

منطقة الشرق

منذ سنة واحدة
«لقد خذلنا روحاني!».. هل دخلت الحركة الإصلاحية في إيران مرحلة الاحتضار؟

على جانب آخر، صرَّح الرئيس حسن روحاني، في الجلسة الافتتاحية للبرلمان، يوم 27 مايو الفائت، بأن «الحكومة تمد يد الصداقة والتعاون إلى البرلمان الجديد»!

هل يقود قاليباف البرلمان من أجل الانتقام لاغتيال سليماني؟

على مدى تاريخ البرلمان الإيراني، لم يكن للبرلمان دور فعال في السياسية الخارجية الإيرانية، فتلك القرارات الحساسة يتخذها المرشد الأعلى مباشرة، حتى في وقت الحرب مع العراق في الثمانينيات، كان روح الله آية الله الخميني، هو من يتخذ القرارات الحاسمة بعيدًا عن البرلمان.

لكن بالرغم من ذلك، ساعد رئيس البرلمان السابق، علي لاريجاني، الرئيس حسن روحاني، في مفاوضاته النووية، ودعم الاتفاق النووي، والتي وصفها النواب المحافظون آنذاك بأنها كانت أشبه بالتصويت القسري على الصفقة النووية.

وفي الجلسة البرلمانية الأولى التي رأسها قاليباف، يوم الأحد الماضي، أعلن رئيس البرلمان أن التفاوض مع الولايات المتحدة بنظرة الغطرسة والاستكبار أمر غير مثمر، وأن استراتيجية البرلمان الحادي عشر، هي استكمال سلسلة الانتقام ردًّا على اغتيال الولايات المتحدة للجنرال الإيراني قاسم سليماني، في بداية عام 2020.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد