على قلة عددهم، يعد البهائيون أكبر الجماعات الدينية المستقلة غير المعترف بها في مصر، إن لم يكونوا الوحيدين. ويتبع البهائية بين 5  و7 ملايين شخص في نحو 200 دولة، وتعد ديانتهم أحد أقرب الأديان عهدًا، فقد كان أول ظهور للديانة البهائية في إيران في منتصف القرن التاسع عشر، على يد بهاء الله، ثم بدأت في مصر في أوائل القرن العشرين.

وحسب الموقع الرسمي للبهائيين في مصر، «تشترك الديانة البهائية مع بعض الأديان في الدعوة إلى التوحيد، وتعترف بالأديان السماوية السابقة لها، ولا تخالف جوهر مبادئها الروحانية الخالدة، وإنما تختلف في تعاليمها وأحكامها التي تناسب متطلبات العصر، وتقضي على بواعث الحروب، ووفقت بين العلم والدين، وساوت بين الجنسين» بحسب الموقع .

وللبهائية -يضيف البهائيون في تعريفهم لأنفسهم- كتبها المقدسة وأحكامها المستقلة، وتبشر باستمرار تتابع الأديان، وتدعو للصلاح ونزع السلاح، وتأسيس الوحدة والسلام بين الأمم. وبرغم كون البهائية ديانة وعقيدة مستقلة ولها شعارها المختلف عن السنية والشيعية، إلا أن معظم علماء المسلمين ينظرون إلى البهائيين باعتبارهم جماعة مارقة عن الإسلام ويعدونهم مرتدين.

وفي مصر يعيش عدد من البهائيين -لم يصدر بعددهم إحصاء رسمي-، ومنهم من شارك في ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، ولكن لم تسمح الساحة السياسية بخروج قضيتهم إلى السطح، فلا يستطيعون حتى اليوم ممارسة شعائرهم الدينية والاحتفال الديني خارج منازلهم.

ولكن في بدايات 2018، صدرت الطبعة الأولى من كتاب «رحلة من الإيمان إلى الإيقان» عن دار بردية، ويعد أول سيرة ذاتية منشورة لمصرية بهائية وهي الدكتورة سوسن حسني، الحاصلة على درجة الدكتوراه في اللغة والآداب، وأستاذ علم اللغة التطبيقي في جامعات دولية بالصين ونيوزيلندا وبريطانيا.

وكان قد صدر لها سابقًا كتاب «جنة الكلمة الإلهية» الذي كتبته سوسن وزوجها عبد العزيز الهادي، وهو عبارة عن بحث في الكتب المقدسة، وتحليل آياتها، وصدر الكتاب عن دار نشر «الساقي»، ليعد كتابها الأخير تنبيهًا جديدًا بوجود البهائيين في مصر، حتى لو لم يتم مناقشة قضاياهم.

سيرة أسرة مصرية.. من الإسلام إلى البهائية

في كتابها تبدأ سوسن قصتها باعتبارها امرأة بهائية مصرية من واقعة اعتقالها هي وزوجها، من المنزل في فبراير(شباط) 1985، مع 49 بهائيًّا كان من بينهم فنان الكاريكاتير حسين بيكار الذي اعتنق البهائية في فترة مبكرة من حياته، و11 امرأة، وضبط كتب دينية تم تحريزها باعتبارها دليل إدانة. خضع الجميع لاستجواب عن عقيدتهم، وكيفية الصوم والصلاة في دينهم، ثم تم ترحيل النساء لسجن القناطر والرجال إلى سجن الاستئناف بالقاهرة، حتى تمت إحالتهم للمحاكمة بتهمة «التخطيط لقلب نظام الحكم»، قبل عرضهم على المحكمة والقضاء بالبراءة لكل المتهمين.

ولدت سوسن لأسرة متوسطة، وورثت الإسلام عن أبويها، وكانت دومًا ما تشعر بالاعتزاز والفخر به، واتفقت هي زوجها على العمل سويًا من أجل إحياء الإسلام، وتخليصه مما علق به من سياسة وماديات. وساندها أنها كانت ضمن أول مجموعة من الفتيات اللواتي تخرجن في جامعة الأزهر في شعبة اللغة العربية والدراسات الإسلامية. وبالفعل حققا ما كانوا يربون له واتجهت سوسن من تدريس اللغة العربية إلى الدراسات الإسلامية واختارت الحج وارتداء الحجاب الذي لم يكن شائعًا في ذلك الوقت.

بدأ الزوجان مرحلة صعبة بعد استكمالهما لدراساتهما العليا من أجل التعمق في الأمور الدينية، ومحاولات الحصول على «المعرفة الحقيقية بالدين»، ورفضا -بحسب قولها- التفسيرات التي كانت تزيد من حيرتهما، وتخلو من المنطق السليم، حتى تعرفت سوسن إلى صديقتها معلمة التربية الفنية خلال رحلة عملها بالخليج، وتدبرا سويًا تعاليم الدين، حتى اكتشفت سوسن أن صديقتها تؤمن بالبهائية، وتملك إجابات جميع أسئلتها في الدين وتفسيره، لتبدأ أيام صعبة على الأسرة الصغيرة، وصل فيها الزوجين إلى قرارهما باعتناق البهائية، وإبلاغ عائلتيهما بالقرار.

قرر بعض أفراد عائلة سوسن وزوجها كتابة بعض السطور عن «رحلتهم الإيمانية»، ومنهم: حنان، الابنة الكبرى، التي استمرت في حالة رفض لما جاء به الأبوان لمدة عام. ثم رسائل لست أشقاء وشقيقات للزوجين اتبعا البهائية كذلك بعد أيام أو أعوام من تبليغ الزوجين لأسرتيهما بالدين الجديد.

بالأرقام والمناطق.. تعرف إلى خريطة «التنوع الطائفي» في العراق

100 عام بين قبول ورفض.. موقف الحكومة المصرية من البهائية

خلال فترة وجيزة بعد دخول البهائية مصر، تمكن المؤمنون بها من تسجيل المحفل الروحاني المركزي لهم في مصر، وحازوا مبان خصصوها لممارسة طقوسهم الروحية، وأنشأوا دار نشر لمطبوعاتهم، وخصصت لهم الحكومة مدافن خاصة. قبل قيام الثورة عام 1952، كان الملك يرسل مبعوثًا خاصًّا لحضور الاحتفالات البهائية بمحفل البهائيين في حي العباسية في العاصمة القاهرة، واستمر ذلك الوضع حتى قيام دولة إسرائيل في الخمسينيات، وضم المقر العالمي البهائي لأرضها بسبب وجوده في حيفا التي تم ضمها في عام 1948.

Embed from Getty Images

مقر الديانة البهائية في حيفا

ومنذ ثورة 1952 انتهجت الحكومة المصرية ومحاكمها على مدار تاريخها موقفًا رسميًا يقضي بأن الشريعة الإسلامية ركن أساسي من أركان النظام العام، وأن تسجيل أي ديانة بخلاف الديانات الثلاث المعترف بها في السجلات الرسمية يعد اعترافًا بالردة، وانتهاكًا لمبادئ النظام العام للدولة.

وقد صدر قرار جمهوري عام 1960 ينص بحل المحافل البهائية ومراكزها الموجودة في البلاد ومصادرة أملاكها. وحظر الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر ممارسة جميع طقوس العبادة التي يقوم بها البهائيون في مصر، وذلك في أعقاب صدور فتوى دينية مماثلة من الأزهر.

وأصدرت المحكمة العليا حكمًا في عام 1975، بدستورية قرار الرئيس جمال عبد الناصر لعام 1960، واستمرار العمل به. وجاء في حكم المحكمة أن القانون لا يمنع من اعتناق البهائية باعتبارها معتقدًا، ولكن حق الحرية في ممارسة الشعائر الدينية مكفول فقط للديانات الثلاثة المعترف بها، ويكفل بحمايته الدستور. وأيد الحكم موقف الحكومة -آنذاك- القائل بأن ممارسة شعائر البهائية يمثل تهديدًا للنظام العام، لذا لا يمكن للدستور حمايته، وما زال هذا الحكم ساريًا حتى الآن.

استخدمت السلطات المصرية قرار الرئيس جمال عبد الناصر في البداية، ثم تصديق المحكمة العليا عليه بأن شنت ست حملات كبرى ضد البهائيين المصريين في أعوام (1965، 1967، و1970، و1972، و1985، و2001)، وخلالها ألقت السلطات القبض على 236 بهائيًّا مصريًّا، بحجة مخالفة قرار الرئيس والمحكمة، أو بتهمة إزدراء الأديان، أو اتباع تنظيم يهدف إلى قلب نظام الحكم.

في عام 1982 صدقت الحكومة المصرية على «العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية»؛ لكنها أرفقت بالتصديق إعلانًا يوضح التزامها بنصوصه بالتوازي مع أحكام الشريعة الإسلامية، واستخدمت الحكومة هذا الإعلان ذريعة أثناء نظر دعاوى قضائية ضد السياسات التمييزية التي تتخذها الدولة ضد البهائيين، واحتجت الحكومة بأنها تستند إلى أحكام الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع في مصر.

أزمة بطاقات الهوية.. معركة البهائيين مع الشرطة

منذ ستينيات القرن العشرين، كانت إمكانية استخراج المصريين البهائيين وثيقة تحقيق شخصية تثبت انتماءهم الديني تتوقف على مِزاج موظف الأحوال المدنية، ففي أفضل الأحوال يحصل البهائي في بطاقته على كلمة «أخرى»، أو خط أفقي، بينما يتم تسجيل الديانة الإسلامية أو المسيحية بشكل عشوائي للبقية وذلك حسب اسم الشخص، ما اعتبره البهائيون تزويرًا وإجبارًا على الكذب من أجل إثبات هويتهم.

ومنذ عام 1995 أصبح كافة المواطنين المصريين ملزمين باستخراج وثائق إثبات الشخصية عبر الحاسب الآلي، ولم تكن الحكومة المصرية تقر إلا بديانات ثلاثة معترف بها وهي: الإسلام والمسيحية واليهودية؛ فعند تحديد الديانة في بطاقات تحقيق الشخصية، عليك أن تختار منها، دون أن تستند هذه الخيارات الثلاثة إلى أي نص بالقانون المصري.

تخطى ذلك أحيانًا إلى سحب كافة الوثائق الرسمية التي أُثبت فيها للشخص سابقًا أنه بهائي أو «أخرى»، بأن تم وقفها، ما تسبب في تعطيل العملية التعليمية للبعض، والطرد من العمل، ووقف تطعيمات الأطفال، وعدم التمكن من استخراج شهادات الوفاة، بخلاف مصادرة هذه الأوراق في أقسام الشرطة بعد التحقيق معهم.

رمز مقدس لدى البهائيين

رمز مقدس لدى البهائيين – المصدر «ويكيبيديا»

استمر ذلك حتى خرجت أزمة البهائيين إلى العلن في أبريل (نيسان) 2006 عندما منحت محكمة في الاسكندرية أفرادًا من عائلة بهائية حق ذكر ديانتهم في بطاقات تحقيق الشخصية والجوازات، من أجل تنظيم حقوق وواجبات الجماعات الدينية المختلفة؛ ولكن سارعت وزارة الداخلية المصرية إلى التقدم باستئناف الحكم، وقدم محامو الحكومة إلى المحكمة نسخة من الفتوى الصادرة عام 1986 عن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، والتي خلصت إلى أن البهائية ليست ديانة، ولا يقرها الإسلام، وتعمل على فرقة الأمة الإسلامية.

وبالتوازي مع ذلك تحرك عدد من نواب البرلمان لمناقشة الحكم في مجلس الشعب بعد أسبوعين من صدوره، وأعلنوا برئاسة رئيس مجلس الشعب أنهم بصدد الطعن على الحكم، وبالفعل تم قبول الطعن ووقف تنفيذ الحكم الصادر.

بعد النظر في الطعن المقدم من الحكومة، حكمت المحكمة الإدارية العليا بمخالفة البهائية لتعاليم الدين الإسلامي في الصوم والصلاة والجهاد، وبأن ذكر البهائية في الوثائق الرسمية يعد مخالفة للنظام ويجوز للحكومة منعه، كما أن الدولة ليس عليها أي التزام قانوني بإصدار بطاقات تحقيق شخصية أو شهادات ميلاد تثبت البهائية في خانة الدين؛ ولكن يحق للبهائيين المصريين الحصول على بطاقات هوية شخصية بدون ذكر انتمائهم الديني فيها، وذلك بترك خانة الدين فارغة من خلال وضع إشارة فيها على شكل خط أفقي صغير.

إعدام البهائيين في اليمن.. هل تطاردهم إيران بأيادي الحوثيين؟

المصادر

تحميل المزيد