تشهد مملكة البحرين، أو «الجزيرة الصغيرة» كما توصف، اضطرابات متقطعة منذ بدء حركة الاحتجاج في فبراير (شباط) 2011 التي قادتها المعارضة الشيعية، وتزامنت هذه الاضطرابات مع نهج حكومي يصفه العديد من المراقبين والحقوقيين بأنه قائم على التعذيب، والاعتقال العشوائي، والتجريد من الجنسية، والمنع من السفر، والتهديد بالقتل.

البحرين التي تتحول بشكل متزايد إلى أداة قمع منهجي كما جاء في تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» لعام 2017، تستمر في إجراءاتها، والتي كان آخرها إقرارها في مارس (آذار) الماضي تعديلًا دستوريًا يسمح بمحاكمة مدنيين أمام القضاء العسكري، وفي هذا التقرير سنتتبع ثلاث استراتيجيات مبتكرة وغير تقليدية تتبعها مملكة البحرين لمواجهة المعارضة الداخلية في بلادها والمتمثلة بشكل أساسي في المعارضين الشيعة.

الإخوان المسلمون أداة لمواجهة المعارضة الشيعية

يحظى الإخوان المسلمون في البحرين بوضع لا مثيل له في دول الخليج، وهم أيضًا خلافًا لوضع التنظيم في مصر والأردن والكويت وغيرها من الدول، يُعَدُّون حلفاء أساسيين للنظام الحاكم في البحرين، وقوته الضاربة لمواجهة خصومه ومعارضيه في الداخل البحريني.

البرلمان البحريني.

مع بداية المواجهات الدموية بين المتظاهرين المدنيين وقوات الشرطة البحرينية في العام 2011، عززت الحكومة ارتباطها بقوى الإسلام السياسي السني وعلى رأسهم «الإخوان المسلمون»، الذين عجلوا بدعم الحكومة في مواجهاتها ضد المعارضة الشيعية في الشارع والبرلمان، إذ سرعان ما اندمجت «جمعية الإصلاح» أول جمعية مقننة تحمل فكر الإخوان في إطار التجمّع السني لمناهضة الاحتجاجات، وذلك ضمن ما يُعرف بـ«تجمّع الوحدة الوطنية» الداعم لحكم آل خليفة.

أيضًا، عجل الإخوان في البحرين مع بدء حملة مقاطعة قطر، بإعلان انحيازهم للدول المقاطعة للدوحة، حيث قالت «جمعية الإصلاح» و«جمعية المنبر الإسلامي»، الجمعيتان اللتان تمثلان الإخوان في البحرين إنهما يقفان مع: «الشرعية الدستورية ومع قيادة مملكة البحرين ونبذ الإرهاب صهيونيًا أو صفويًا أو داعشيًا»، وأكدتا في بيان مشترك نشر على وكالة أنباء البحرين الرسمية (بنا) في الثالث من يونيو (حزيران) الماضي أنهما: «ليس لهما علاقة من قريب أو بعيد بأية مرجعيات أو جهات خارجية».

وزير الخارجية البحريني في اجتماعات حصار قطر.

كل هذا، دفع السلطات البحرينية التي اشتركت في حصار قطر لإزاحة الإخوان فيها عن الخلافات الأخيرة والتي نجم عنها اعتبار التنظيم «منظمة إرهابية»، الأمر الذي دعا نائب وزير الخارجية الأمريكي السابق «توم مالينوسكي» للسخرية من تصريحات وزير الخارجية البحريني خالد آل خليفة، عندما قال إن: «البحرين ستحاسب أي طرف يتعاطف مع تنظيم الإخوان المسلمين»، فرد عليه «مالينوسكي» بالقول: «أعتقد أنه أمر يدعو إلى الضحك، فصديقي وزير الخارجية البحريني حينما وصف الإخوان بهذا الوصف هو يعرف ونحن نعرف، أن الإخوان المسلمين في البحرين ومن يتبعهم هم أعضاء في البرلمان، والإخوان المسلمون في البحرين هم من الداعمين الأقوياء للحكومة البحرينية ضد الغالبية الشيعية في البلاد».

ويعد موقف تبرئة إخوان البحرين عن غيرهم ليس بجديد، فقد سبق ونفى رئيس كتلة «المنبر» محمد العمادي، في أغسطس (آب) 2013، وجود أي علاقة مع التنظيم العالمي للإخوان، وقال: «إن المنبر الإسلامي جزء من الشعب البحريني، وتوجهاتنا وطنية، وأثبتت مواقفنا أننا مع شعب وقيادة البحرين، ولا ننتمي لأي توجهات خارجية، ولا تُملَى مواقفنا من الخارج، ولا نرتبط بأي ارتباط خارجي، وقراراتنا داخلية ووطنية».

يقول الناشط الحقوقي البحريني «عبد النبي العكري» إن: «النظام في البحرين استعان بـالإخوان لضرب خصومه في مختلف المراحل؛ في الخمسينيات استعان بهم لضرب الحركة الوطنية، وفي الستينيات كانوا رأس الحربة لمواجهة المدّ الناصري، ثم الشيوعي في السبعينيات، وفي الثمانينيات، وبعد الثورة الإسلامية في إيران، استُخدموا لمواجهة التيارات المتأثرة بتلك الثورة».

يذكر أن البحرين أول دولة خليجية انطلق فيها تنظيم «الإخوان المسلمين»، وذلك في ثلاثينيات القرن الماضي، ليتمكن في العام 1941 من تشكيل جمعية «الإصلاح» الأهلية التي عُنيت بالعمل الخيري والإنساني، وبحسب «العكري»، فإن: «الفكر الإخواني دخل إلى المملكة مع مجموعة من الطلبة الذين درسوا في جامعات الأزهر المصرية، كما حمله إليها دعاة ومثقفون مصريون تواجدوا في الخليج (خصوصًا بعد ملاحقتهم من قبل الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر)».

البحرين تملك أحدث تقنيات التجسس على المعارضين

يعود فضل اكتشاف تجسس الحكومة البحرينية على النشطاء والمعارضين في البداية، إلى منظمة «بحرين ووتش» التي وثقت في 25 يوليو (تموز) العام 2012 استخدام الحكومة البحرينية لبرامج تجسس بريطانية.

معارضة بحرينية.

هذا ما أكدته لاحقًا منظمة «الخصوصية الدولية Privacy International»، عندما ذكرت أن الحكومة البحرينية قامت بالتجسس على معارضين مقيمين في بريطانيا، وذلك باستخدام برامج تجسس تصنعها شركة «Gamma International»، مستخدمة برنامج تجسس (FinFisher) الذي يمكنها من متابعة أنشطة المعارضين.

ونقلت المنظمة عن المعارض البحريني «جعفر الحسابي» قوله: «اكتشافي أنني لست آمنًا حتى في المملكة المتحدة أحبطني للغاية. من الخطأ أن تتمكن الحكومة البحرينية من اختراق جهاز الكمبيوتر الشخصي من الخارج، وأعتقد أنه من الخطأ أن تساعدهم شركة بريطانية على أن يفعلوا ذلك»، من جانبه قال محامٍ حقوقي يدافع عن النشطاء المعارضين البحرينيين، محمد التاجر، إن «حاسوبه قد اختُرق بعدما وصلته أسطوانة مدمجة فيها بعض الصور له ولزوجته تم تصويرها بدون علمهما».

كما قامت منظمة «بحرين ووتش» في عام 2013 بإصدار تحقيقها المعنون بـ«ملفات تجسس الآيبي: كيف تقوم حكومة البحرين بإسكات الأصوات المعارضة على الإنترنت»، لتثبت أن الحكومة البحرينية أرسلت وصلات تجسسية لكشف رقم بروتوكول الإنترنت بغية التعرف على هوية أصحاب الحسابات الوهمية المعارضة على فيسبوك وتويتر، ومن ثم القبض عليهم، فبمجرد معرفة رقم بروتوكول الإنترنت المعروف بالآيبي IP address، التابع لخط الإنترنت بالمنزل أو لهاتفه الجوال يمكن للحكومة طلب سجلات مزود الخدمة لمعرفة اسم وعنوان صاحب خط الإنترنت المرتبط برقم الآيبي المكشوف.

أما في أغسطس (آب) العام 2014، فقد كشفت وثائق انفرد بها موقع (إنترسبت) الأمريكي أن البحرين اشترت برامج تجسس من شركة «فين فيشر» الألمانية الرائدة في مجال مساعدة الحكومات للتجسس على مواطنيها، تم ذلك في الفترة ما بين عامي 2010 و2012، واستهدفت برامج التجسس 77 جهاز حاسوب، أهمها يعود لمحامين عاملين في مجال حقوق الإنسان بالبحرين، كما استحوذت الحكومة البحرينية على برامج تجسس تابعة لـ«هاكينغ تيم» المعروفة باسم نظام التحكم عن بعد (رسيس) في عام 2014، وكشفت رسائل البريد الإلكتروني قيام شركة المراقبة الإسرائيلية «نيس سيستمز» بالعمل وسيطًا آخر بين فريق «الهاكينج» وجهاز الأمن الوطني البحريني وقوات الدفاع البحرينية.

وحسب الموقع فإنه: «تم رصد رسائل بعث بها عدد من المسئولين بالحكومة البحرينية تحتوي على شكاوى للشركة الألمانية بسبب تكبد الحكومة البحرينية خسائرَ إثر فقدانها لأهداف بشكل يومي نتيجة أخطاء في برامج شركة التجسس الألمانية، في إشارة إلى أن البرنامج غير قادر على إعادة استهداف أجهزة الكومبيوتر محل الاشتباه لأنها عادة ما تكون ببرامج حماية قد تخطرهم بتجسس شخص ما عليهم».

الرياضة لـ«غسل» صورة البحرين القمعية

الرياضة كانت وجهة السلطات البحرينية لتبييض صفحتها أمام الرأي العالمي، فقد أخذت البحرين تستضيف وتنظم وتشارك وتمنح الجوائز في مسابقات الحركة الرياضية العالمية بغية التغطية على القمع المتواصل على أراضيها، ووجهة النظر هذه ستوضحها السطور القادمة.

عداء بحريني.

ما سبق، كشفته صحيفة «الغارديان» البريطانية قبل أيام، فقد أثبتت الصحيفة ما جاء في تقرير سابق لمنظمتي «أمنستي إنترناشونال» و«هيومان رايتس ووتش»، والذي أكد أن البحرين استخدمت: «الرياضة لتلميع صورتها، وكان ذلك بمثابة عملية «غسل» لصورة البلد، فالبحرين، مثل بقية دول الخليج، تفكر بمستقبل دون نفط، ولهذا طورت خطة 2030، التي تقوم على تشجيع السياحة».

يقول الصحافي «ديفيد كون» معد تقرير «الغارديان» سابق الذكر إن: «فريق سباق الدراجات (بحرين ميريدا)، الذي شارك أفراده في سباق دراجات فرنسا (تور دو فرانس)، مع أن قائد الفريق «إيون إزاغير» خرج من السباق في اليوم الأول، إلا أنه أصبح اسمًا معروفًا في عالم سباق الدراجات بعد مشاركة النجم «فينسنزو نابيلي» في سباق «غيرو دي لاتاليا»، مضيفًا أنه: «تم الإعلان عن الفريق في يناير (كانون الثاني)، وهو عبارة عن مبادرة قيمتها 13.7 مليون جنيه إسترليني، أشرف عليها الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة؛ من أجل الترويج للدولة الديكتاتورية التي تعاني من مشكلات، من خلال الارتباط بالمناسبات الرياضية التلفازية».

وتستشهد الصحيفة بما حدث 12 مايو (أيار) الماضي، فبينما كان الملك حمد وابنه الأمير «ناصر» في بريطانيا يدعمان مناسبتين رياضيتين، بالحضور وتقديم الجائزة الكبرى و(كأس الملك)، هاجمت قوات الشرطة البحرينية بلدة ديراز، واستخدمت القوة المفرطة لتفريق المحتجين، وهو ما أدى إلى مقتل خمسة بحرينيين.

على النقيض، كان تعامل السلطات البحرينية مع الرياضيين البحرينيين المعارضين لها، إذ تنوي البحرين تخصيص لجنة تحقيق بغية ملاحقة الرياضيين الذين شاركوا في التظاهرات ومعاقبتهم، وسبق أن أعلنت لجنة الكرة البحرينية: «أنها ستعاقب لاعبين ونوادي، حيث تم اعتقال 150 رياضيًا، إذ تم سجنهم، ومنعوا من المشاركة في المباريات الرياضية؛ بسبب مشاركتهم في التظاهرات المؤيدة للديمقراطية».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد