في تسعينيات القرن الماضي، ظهر كيان جديد ضمن مجموعات الأقليات والمهاجرين في شبه جزيرة البلقان، خاصةً في دول مقدونيا وألبانيا وكوسوفو. يطلق عليهم «Egypcani» وهو ما يعني المصريين، وقد كانوا يعرفون سابقًا ضمن المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها بأنهم «غجر ألبانيون»، رغم ذلك تقدم هذه الأقلية نفسها الآن على أن أفرادها من نسل مهاجرين مصريين أتوا إلى دول البلقان منذ أكثر من 3200 سنة؛ إنهم مصريو البلقان، فما هي قصتهم؟

أرسلهم الملك سيتي الأول في بعثة استكشافية.. هكذا استقروا هناك

يشير السجل الأثري إلى أن الآلهة المصرية قد حظيت بالكثير من التقدير والاحترام في شبه جزيرة البلقان، حتى أنها كانت حاضرة داخل أولى المعابد التي شيدت هناك، وهو ما يتمثل في معبد إيزيس وتماثيلها في مقدونيا، وقد أتى ذكر المصريين في العديد من الأساطير الإغريقية القديمة، والتي تعد من أقدم الأدلة على قدوم موجات هجرة المصريين لهذا الجزء من القارة الأوروبية إذ وصفهم بلقب «المستعمرين»، وهو ما نجده داخل أسطورة «داناوس وإيجيبتوس»، والتي كان فيها إيجيبتوس الحاكم الأسطوري لمصر وشقيقه داناوس حاكم ليبيا يتنازعان على الحكم.

في أسطورة أسخولوس -مؤلف المآسي الإغريقي- كان إيجيبتوس راغبًا في الزحف على مملكة أخيه، مما اضطر داناوس إلى الهرب مع بناته إلى مدينة آرجوس اليونانية، وهناك حصل على الحماية اللازمة وأصبح الملك، رغم ذلك سيضطر داناوس في النهاية إلى الرضوخ لرغبةِ أخيه وتزويج بناته الخمسين من أبناء أخيه الخمسين، لذا يتفق الأب مع بناته على حيلة؛ إذ أعطى لكل منهن خنجرًا واتفق معهن على قتل أزواجهن؛ إلا أن إحدى بناته تقع في حب زوجها، الذي ينجح في الهرب من الموت ومن ثم يتمكن من قتل عمه داناوس انتقامًا لإخوته، ويحكم لينسيوس وزوجته هييرمينسترا مدينة آرجوس.

(أسطورة داناوس وإيجيبتوس)

كان هذا جزءًا من الميثولوجيا الإغريقية التي صورت المصريين في صورة مستعمرين، أما التاريخ فيذكر وصول أفواج من المهاجرين المصريين إلى شبه جزيرة البلقان في فترة حكم الملك المصري «سيتي الأول» واستقرارهم هناك، بحثًا عن المعادن.

عن ذلك يشير الباحثين إلى أن انتهاء «العصر البرونزي» وبداية «العصر الحديدي» -الذي استمر من القرن الخامس عشر قبل الميلاد  وحتى القرن العاشر- قد شكل الأحداث التاريخية الهامة لتلك الفترة الزمنية؛ إذ احتل الحديد محل البرونز في صناعة الأدوات والأسلحة وهو ما كان بمثابة ثورة في عالم الصناعة حينذاك تغيرت على أساسها اقتصاديات العالم القديم، فأخذت الحضارات القديمة في البحث عن المعادن ضمانةً لاستمرارها، حتى أنهم أرسلوا بعثات استكشافية تجوب العالم للبحث عن الحديد، وقد تزامن ذلك مع حكم الأسرة التاسعة عشر في مصر القديمة، تحديدًا فترة حكم الملك المصري سيتي الأول والملك رمسيس الثاني في القرن الثالث عشر قبل الميلاد.

حينذاك بدأ الملوك المصريون في التطلع نحو الثروات المعدنية ليس فقط في البلدان القريبة من مصر مثل الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ولكن أيضًا في البعيدة عنها مثل الأناضول وشبه جزيرة البلقان، وهو ما استدعى إرسال بعثات استكشافية للتنقيب عن الحديد، وهناك عاش المصريون جنبًا إلى جنب سكان البلقان الآخرين واستقروا هناك حتى حين انتهت بعثتهم الخاصة باستيراد الحديد.

ظلت آثار المصريين باقية في شبه الجزيرة وما حولها في زمن الفتوحات المقدونية للإسكندر الأكبر، مما يؤكد تاريخيًا على قوة العلاقات ما بين مصر والبلقان في العصر الهلنستي القديم، خاصةً مع الأساطير التي صورت الإسكندر الأكبر إبنًا لآمون وخليفةً له، كما ظلت العبادات المصرية القديمة سارية في البلقان إبان حكم الإمبراطورية الرومانية.

منوعات

منذ 6 شهور
هل يشبه المصريون أجدادهم الفراعنة؟

تشير المصادر إلى اندماج المصريين بين المواطنين في البلقان باعتبارهم أندادًا متساويين في حالات أو عبيدًا في حالات أخرى، وقد حاولوا الحفاظ على لغتهم الأم وهي «المصرية القديمة»، رغم ذلك كان وضع المصريين في الطبقات الدنيا أشبه بالاستعباد الاجتماعي، مما أدى إلى انعزال تلك الطبقات عن المجتمع والانغلاق على دوائرهم العرقية، وقد عمل أغلبهم حرفيين وتجارا، وهو ما يفسر اشتغال أغلب «مصريي البلقان» في الحدادة، وهم الذي الذين أتوا في البدء بحثًا عن هذا المعدن النفيس.

«مصريون» أم «غجر»؟

في الحقيقة، تنبع أزمة هوية «المصريين في البلقان» فيما اعتقده بعض الباحثين التاريخيين من أن «الغجر المصريين» قد يكونون نتاج موجة هجرة ثانية لا تنتمي للجمهورية المصرية بأفريقيا بل إلى إقليم «مصر الصغيرة» في آسيا الصغرى أو الأناضول كما جاء في كتاب «تاريخ الغجر» للباحثة إلينا ماروشياكوفا؛ وذلك على الرغم من عدم وجود أدلة تاريخية تستطيع أن تحدد مكان هذا الإقليم.

تشير إلينا إلى أن العصور الوسطى قد شهدت موجتين رئيسيتين للهجرة إلى شبه جزيرة البلقان، إحداهما انتقلت من القسطنطينية إلى بلغاريا وصربيا مولدافيا، والثانية لمن يلقبون أنفسهم بالمصريين الآن، وهم القادمون من «مصر الصغيرة» أينما يكون أصل هذا الإقليم، لكن من المرجح أنه إقليم البيلوبونيز. 

تذكر إلينا كتابات برناردفون بريد نيباخ عن هذا الإقليم عام 1483، والتي أشارت إلى وجود حوالي 300 أسرة كانت تعيش في أكواخ بسيطة وفقيرة خارج أسوار مدينة مودون في إقليم البيلوبونيز اليوناني ويعملون بالحدادة؛ إذ اشتهروا حينذاك بكونهم حرفيين ومزارعين وصانعي قدور. فهل مصريو البلقان الحاليون من نسل تلك الموجة الثانية من الهجرة، أم أنهم هناك منذ 3200 سنة؟

تشير إلينا أن كلمة «مصريين» أصبحت شائعة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وقد ربط أغلب الكتاب تلك الكلمة بإقليم قديم كان يعرف باسم «مصر الصغيرة»، وهو إقليم جرى ذكره في أساطير الغجر التي تشير إلى أنهم كانوا ملوكًا لمصر الصغيرة، وقد اعتقد بعض الباحثين أن المكان المقصود هو في منطقة أنتاليا التركية الحديثة (الأناضول) أو آسيا الصغرى. 

عن ذلك يذكر الراهب الفرانسيسكاني سيميون سيميونز عام 1322 وصول بعض العبيد المجلوبين من بلاد الدانوب، وقال إنه رأى أشباههم في مصر، «سودًا كالهنود لكن بوجوه تمتلئ بالوشم»، كما جرى ذكر«المصريين» أو «Egyptian» بين الغجر في نسخة قصة حياة القديس بارباروس من القرن الرابع عشر على أنهم أقوام يعيشون على طول الساحل الأرياني في إقليم ديراكيوم، في إشارة عائدة إلى الغجر الذين يسكنون منطقة البلقان. وفي تلك الفترة انتشر استخدام كلمتين متمايزتين لوصف مجتمع المهاجرين -الغجر في البلقان- وهم «اتسنجاني» و«مصريين»، في إشارة واضحة إلى اختلاف المجتمعين.

Embed from Getty Images
رغم ذلك تؤكد الأدلة التاريخية على انتماء مصريي البلقان إلى مجموعة عرقية واسعة هاجر أسلافهم من مصر إلى أوروبا قبل الميلاد، وتبعهم البعض في القرون الميلادية الأولى عندما كانت البلقان ومصر جزءًا من إمبراطورية واحدة، خلال العصرين الهلنستي والروماني؛ إذ كانت الهجرة حينذاك ممكنة بين هذه المناطق، وهو ما يؤكد أن وجود المصريين في البلقان قد سبق موجات هجرة «الغجر» من الهند في العصور الوسطى -تحديدًا القرن الرابع عشر؛ وأن الأوربيين قد بدأوا في الخلط بينهما نظرًا للتشابه السطحي بين العرقين مثل البشرة الداكنة، ومن هنا بدأت مشكلة المصريين في البلقان في محاولة التعبير عن هويتهم المنفصلة عن العرقيات الأخرى.

هذا الأمر توضحه مجموعة من الخرائط الأثرية والدراسات بعضها يعود إلى العصر الحجري الحديث والعصر الحديدي، والبعض الآخر إلى العصر الهلينستي ومن بعده الروماني، هذا بالإضافة إلى ذكر آخر لوجود مصريي البلقان في الفترة الممتدة بين حكم البيزنطيين حتى المد العثماني، وهي الفترة التي شهدت هذا الخلط بين هوية المصريين وغيرهم من العرقيات الأخرى، تحديدًا بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر ميلاديًا، ووصول موجات هجرة الغجر إلى أوروبا والبلقان، وهو ما أشار إليه الباحث روبين زيمون، وهو دكتور في الأنثروبولوجيا قدم رسالته في الدكتوراه عن «مصريي البلقان» وكيف وصلوا إلى تلك البقعة من العالم. 

«المصريون في البلقان».. ينتظرون اعتراف الحكومة المصرية بهم

في سبعينيات القرن الماضي اتجه المصريون في غرب البلقان نحو تأكيد هويتهم المختلفة والمتمايزة عن العرقيات الأخرى، وذلك عن طريق مطالبتهم بإضافة فئة جديدة إلى التعداد السكاني، فئة «المصريين». وقد استمرت تلك الحملة الشعبية حتى تسعينيات القرن الماضي، عندما قامت كل من كوسوفو ومن ثم تبعتها ألبانيا حديثًا بالاعتراف بمصريين البلقان، رغم ذلك تستمر باقي دول شبه الجزيرة في تجاهل الاعتراف بفئة المصريين دستوريًا؛ مما يجعلهم يواجهون على إثر ذلك تمييزًا في الأجور بالإضافة إلى عدم وجود فرص عمل متساوية مع غيرهم من السكان أو فرص لنيل تعليم جيد، ولهذا تجد أغلبهم حتى الآن من الطبقات الدنيا التي تمتهن الأعمال الحرفية.

في ألبانيا يبلغ تعداد المصريين نحو 400 ألف نسمة من مجموع السكان الكلي وهو 3 مليون نسمة، وبالتالي هم منتشرون داخل كل بقاع ألبانيا وقراها؛ رغم ذلك لم تعترف بهم ألبانيا باعتبارهم أقلية قبل عام 2017، حينها أصبح لهم وجود دستوري عن طريق بعض المنظمات والأحزاب.

كما تستطيع أن تجد اليوم في دولة كوسوفو على سبيل المثال، تمثيلًا للوجود المصري داخل البرلمان، وذلك من خلال «الحزب الليبرالي المصري» الذي تأسس عام 2014، ويحمل شعاره ألوان العلم المصري والأهرامات؛ كما أن علم دولة كوسوفو المستقلة يحتوي على ست نجمات كل منها تمثل إحدى الأقليات المعترف بها دستوريًا، والتي يعد المصريون واحدة منها. وهو أمر لم يكن ليحدث قبل انتخابات ديسمبر (كانون الأول) البرلمانية لعام 2007، والتي فاز فيها المصريون بأول مقعد لهم في البرلمان وفقًا لقرارات الأمم المتحدة المؤقتة لدولة كوسوفو، وذلك عن طريق مشاركة الحزب المصري الأول «المبادرة الديمقراطية الجديدة» الذي تأسس عام 2001 في الانتخابات.

(وثائقي الجزيرة عن مصريي البلقان)

يشير وثائقي الجزيرة عن «الأقلية المصرية» في البلقان إلى أن تعداد المصريين في شبه الجزيرة يصل اليوم إلى مليون نسمة متوزعين على دول البلقان، أغلبيتهم من المسلمين، رغم ذلك لا يعرف أغلبهم اللغة العربية، لكنهم يحبون الموسيقى ويستمتعون بسماع الأغاني المصرية، وقد سافر بعضهم إلى جمهورية مصر العربية بغرض السياحة والتعرف على البلاد.

هم من الأقليات المهمشة؛ إذ عاش المصريون في عزلة تامة عن المجتمعات التي هاجروا إليها، فلم يختلطوا بالسكان الأصليين ولم يتزوجوا منهم، وهو السبب الذي من أجله استمر بقاء المصريين أقليةً لأكثر من 3 آلاف سنة، ويعاني المصريون الموجودون في دول البلقان من نسب بطالة عالية، فعلى الرغم من أن معدل البطالة في دولة كوسوفو يبلغ 40% من نسبة السكان، إلا أن معدل البطالة بين المصريين منهم يصل إلى 90%، كما أن التمثيل البرلماني والحقوق الدستورية لم تستطع القضاء على خطاب الكراهية والتمييز.

يعتقد مصريو البلقان أن اعتراف الدولة المصرية بهم قد يعزز موقفهم بين الأقليات الأخرى في البلدان التي يعيشون بها، مما يعني فرصة لهم من أجل عيش حياة أفضل، ولهذا جاءت مطالبتهم عام 2016 في بيانٍ رسمي للحكومة المصرية من أجل الاعتراف بهم باعتبارهم مصريين يعيشون في الخارج، إلا أن مطالبهم لم تجد أي صدى، وذلك على الرغم من تواصلهم مع السفارات المصرية في البلقان منذ عام 1991، عندما عقد السفير حسين حسونة اجتماعًا مع الجالية المصرية في مقدونيا.

ثقافة

منذ 3 سنوات
التاريخ المنسي.. ماذا نعرف عن المسلمين في منطقة البلقان؟

 في 24 يونيو (حزيران) من كل عام، يحتفل مصريو البلقان تخليدًا لذكرى المؤتمر التاريخي لعام 1990 الذي انعقد في جنوب مقدونيا دعوةً للحفاظ على هويتهم العرقية، ليصبح هذا اليوم هو اليوم العالمي للمصريين في البلقان منذ 2010 وحتى الآن. وفي عام 2018 بعثت الجالية المصرية رسالة إلى رئيس الآثار الأسبق زاهي حواس للمشاركة في الاحتفال بالعيد القومي للمصريين، وقد قبل حواس تلك الدعوة وقابل الرئيس الكوسوفي هاشم تاشي في قصره وناقشا أحوال الجالية المصرية، وهو ما اعتبرته الجالية حينذاك بادرة حسنة نحو الاعتراف بهم، إلا أن الأمر توقف عند هذا الحد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد